المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

تلقين

بقلم: جوادوالبوبي نيتيل

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

     باستثناء غياب النوافذ، فإن شقتي ضريح، يضفي بُعدًا ملحميًا على اللحظات المهمة في حياتي: الكتب التي شكّلتني، بضع رسائل، بعض الصور، وقبل كل شيء أسطواناتي، التي لولاها لكانت الحياة باهتة وعديمة اللون. أضع سماعاتي، وأغرق في صمت شبه كامل، وأسلم نفسي لموسيقى كيث جاريت، ثم في بعض الأحيان يظهر شعور، إحساس خفيف لا يفرض نفسه، كأن شعاع شمس يتسلل إلى سريري المرتب بعناية، ويشع دفئًا ونورًا لبضع دقائق على الغطاء والأرضية. هذه لحظات عابرة، عندما يستيقظ جزء مني، مدفونًا عادةً، كما لو كان مفتونًا بالحنان والرقة . تنتفخ رئتاي، تنفتحان وتنغلقان مع نغمات البيانو. أشعر بالهشاشة، كما كنت حين كنت طفلًا. ثم تعود إليّ، شوارع هافانا القديمة المتعفّنة المليئة بالحفر، الحرّ اللزج الذي لم أعتد عليه يومًا، إخوتي يغمسون أيديهم المتسخة في قدر المطبخ، حيث تغلي الملانجا – تلك الدرنة الدائمة الحضور – برائحتها الكريهة التي تنتشر في أرجاء البيت، وتجبرني على الخروج إلى الفناء حيث يلعب الجيران. ومع كل عبقرية جاريت، لا أستطيع احتمال هذه الذكريات طويلًا. تلك الحياة – الخشنة، البائسة – تؤلمني.

     بدأتُ أكره لأول مرة في سن الخامسة، عندما ظهرت عائلة فكوندو مارتينيز في منزلنا المشترك. حتى ذلك الحين، كان هذا البيت الكبير القديم، ذو الطابق الواحد والفناء الداخلي، لنا وحدنا — أي ملكًا لوالديّ، وإخوتي، وعمّاتي وأعمامي وأبناء عمومتي. كنا نعيش على جانب من الفناء، وكان أعمامي وعمّاتي على الجانب الآخر، في حياة يسودها الانسجام والتوازن. لا زلت أذكر صباح اليوم الذي توقفت فيه شاحنة النقل أمام الباب الرئيسي. عندما وصل أحد أفراد الميليشيات ومعه ورقة وابتسامة، ليُبلغنا أن عائلة مارتينيز قد خُصص لها نصف العقار. عندها فقط أدركت أن منزلي، البيت الذي وُلدت فيه وعشت فيه أولى سنوات حياتي، لم يكن ملكي تمامًا، بل ملكًا للثورة، وأن الثورة يمكن أن تُسكن فيه من تشاء.

      أصبحنا نحن — أي والداي وأعمامي وعمّاتي وعائلاتهم — عائلة واحدة، “عائلة روفالكابا”، وبصفتنا كذلك، أصبح لنا الحق في نصف المنزل. لم يكن يهم أن عددنا خمسة عشر، وعددهم ثمانية فقط. في تلك اللحظة، تحوّل المنزل إلى رقعة شطرنج: هم القطع السوداء، ونحن البيضاء. رأيت كل ذلك في سن الخامسة بعينين خارج الزمن، عينين تراقبان انهيار عالمهما، ومع ذلك، لم يقل أحد شيئًا. استقبلت أمي رجل الميليشيا وهي ترتدي رداء البيت والمئزر، بنفس الابتسامة المستسلمة التي كان يرتديها هو، ولوّحت بودّ لأم فكوندو وبدأت تُريها أرجاء البيت، بينما كنا نحن — إخوتي وأنا — نساعد أبناء عمومتنا على إخراج أغراضهم من الجزء الأمامي للمنزل إلى غرفتِنا المشتركة الجديدة.

أرتها المطبخ، والساحة الخلفية حيث كانت تغسل ملابسنا يدويًا مع عمّتي، ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف سراويل فكوندو الداخلية عن التمايل على حبل الغسيل، كعلمٍ يرمز إلى دفاع رمزي عن أراضيه. كنت مختبئًا خلف عمود، أراقب بلا رمشة عين انتقال آل مارتينيز، وبنفس الجمود رأيتهم يحتلون غرف عمي وعمتي بأثاثهم الزاهي وتماثيلهم الدينية. ومنذ تلك اللحظة، صارت سيدة الرحمة في “إل كوبري” والقديس لازارو يُحدّقان إلينا بعينين مهدّدتين كلما خرجنا لنلعب في جانبهم من الفناء.

    وحين انتهوا من تفريغ الصناديق والحقائب، ظهرت أمام العمود الذي اختبأتُ خلفه قدمان بطول قدمي تمامًا، لكن أعرض بكثير. نظرتُ إلى الأعلى، فرأيت فتى بشعر مجعد يشبه القش. لم نتبادل كلمة، لكن تلك النظرة الطويلة التي تبادلناها كانت كافية لتوضّح أن العمود يقع في أراضيه، أي في الجزء من الفناء الأقرب إلى عالمه، وأنني باختبائي هناك صرتُ متطفلًا. مدّ فاكوندو يده نحوي، كما رأينا والده يُحيّي والدي، وبنفس الإحساس بالمهانة، صافحته، مدركًا أننا سنكبر معًا، وأنني سأمقته طيلة حياتي.

    لكنها كانت من تلك الحقائق التي يتوقف المرء لاحقًا عن الإحساس بها، كما يتوقف عن سماع أصوات الشارع. بمرور الوقت، لا يعود المرء يسمع شاحنة القمامة في الصباح الباكر، ولا أزيز مضخة الماء. عشت إلى جانب فكوندو كل يوم من طفولتي. كنت أراه يعود من المدرسة في نفس وقتي، وأشاهده ليلاً وهو يُطفئ الضوء في غرفته مرات عديدة، حتى أنني في نهاية المطاف توقفت عن التفكير فيه، وفي كراهيتي له، كما لا يفكر المرء في كبده، رغم أنه هناك، يعمل بصمت، إلى أن ينفجر ذات يوم، ويجعلنا نتذوق الطعم الذي لا يُخطئ: طعم الصفراء.

     كما ذكرتُ سابقًا، يمرّ الوقت ببطء في تلك السنّ، وبعد بضعة أشهر نسيتُ أن الجانب الآخر من المنزل كان محتلًا من قِبل العدوّ الغازي. لم يعد آل مارتينيز يُثيرون فيّ العداء، وأصبحوا ببساطة جيراننا، أي في جانبٍ آخر من جوانب حياتنا اليومية. كنتُ أنا وفاكوندو في نفس العمر، لكن حياته كانت، على الأقل في ذلك الوقت، مختلفةً تمامًا عن حياتي. فبينما كانت شوارع إل سيرو – الحيّ الذي وُلدتُ فيه بالصدفة – بالنسبة لي أرضًا عدائية، يسكنها كائناتٌ مجهولةٌ ذات طابعٍ إجراميّ، لم تكن بالنسبة لفاكوندو سوى امتدادٍ لملعب الأطفال. كل عصر، بينما كنتُ أعمل بجدٍّ للبقاء في المدرسة، مدرسة فيليبي بوي التي التحقتُ بها بفضل قريبٍ بعيدٍ يعمل في اللجنة المركزية، كان يخرج إلى الحديقة ليلعب البيسبول مع أطفال الحيّ الآخرين. مع ذلك، كنا نعود إلى المنزل سيرًا على الأقدام أحيانًا، وكنت أحيانًا أقبل دعوةً إلى غرفة طعامهم، المزينة بالشموع وتماثيل القديسين الصغيرة، لتناول وجبة خفيفة بعد المدرسة: خبز بالزيت والثوم تُعدّه لنا والدته، أو كعكة الجوافة التي كانت تُفضّلنا. ومع ندرة الطعام، أصبحت شرائح الجوافة رقيقةً وشفافةً لدرجة أنه كان بالإمكان الرؤية من خلالها كصورة فوتوغرافية. في صباحات السبت، كانت ريجلا، ابنة عم فاكوندو، تأتي للمساعدة في الأعمال المنزلية. كانت ريجلا فتاةً سمراء في السادسة عشرة من عمرها، بمؤخرتها التي تُشبه شكل جوزة الهند وصلابتها. كانت بشرتها الناعمة وحركاتها تُثير توترًا كهربائيًا في هذا المنزل الذي يسكنه الذكور فقط تقريبًا. كان فاكوندو، الذي لم يكن قد بلغ العاشرة من عمره بعد، الوحيد الذي بدا محصنًا من سحر ابنة عمه. لكن سنه لم يمنعه من ملاحظة الانزعاج الذي تُسببه الفتاة فيّ، وكان يستمتع بإثارة هذا الانزعاج كلما سنحت له الفرصة. كان يجد أي ذريعة لدعوتي إلى منزله كلما انشغلت ريجلا بأعمالها المنزلية. كان قلبي يخفق بشدة لمجرد النظر إلى تلك الفتاة الصغيرة ذات البشرة السمراء وهي تكوي الملابس أو تنحني لأخذ شيء من رف منخفض في المطبخ. بدا فاكوندو مستمتعًا برغبتي. عندما قاربت فترة ما بعد الظهر على الانتهاء وذهبت ريجلا للاستحمام، كان يقودني إلى الجزء الخلفي من المنزل وإلى فتحة حفرها بنفسه في الجدار الفاصل، والتي كان من خلالها يستطيع مراقبتها مقابل عملة بيزو واحدة.

   “هل تثيرك جنسيًا؟”

   كان يسأل، بنبرة خبير.

   والحقيقة هي أن ريجلا – سواءً كانت مرتدية ملابسها أو عارية – أثارت فيّ رغبة لا تقاوم. بمجرد أن تخرج من الحمام ملفوفة بمنشفتها البيضاء الناصعة، مشهدٌ يستحيل نسيانه، كنت أهرع إلى نفس الحمام الذي كانت تتعرى فيه لأمارس العادة السرية.لا أدري ماذا كان سيحدث لو أن فاكوندو حرمني يومًا ما، لسببٍ ما، من رؤية ريجلا؛ لكانت قصتنا مختلفةً تمامًا على الأرجح، تمامًا كما كانت حياتي ستختلف لو لم تُحوّل عائلته منزلنا إلى مجرد بيتٍ مشتركٍ آخر في ذلك الحيّ البائس. قد تقول إن صديق طفولتي هذا لعب دورَ المُبادر في متع التلصص، وهو نشاطٌ مُخزٍ استغرقتُ وقتًا طويلًا للتخلص منه. هناك بعض الانحرافات العقلية التي تنتقل بسهولةٍ كالأمراض التناسلية.

    ماريو، الذي بتُّ أراه أقل فأقل، ظهر خلال هذه الفترة التكوينية، وربما لهذا السبب لا يزال شخصية مهمة جدًا في حياتي. مع أنه كان يكبرني بسنة، إلا أنه التقى بفاكوندو في المدرسة، وكان يلعب معنا أحيانًا في الفناء. كان ماريو يستمتع بصحبة الكتب بقدر ما كنت أستمتع بها، ولأنها لم تكن متوفرة بكثرة في منزله، كان يتنقل بين مكتبات المدينة بحثًا عن الكتب. عندما اكتشف أن قسم عائلتي من المنزل مليء بالروايات ودواوين الشعر، بدأ يزورنا بشغف، دون أن يكلف نفسه عناء إلقاء التحية على العائلة التي تسكن في الجانب الآخر. أتذكره بوضوح، جالسًا على كرسي وهو يتفقد رفوف الكتب المتربة في منزلي. نشأت معه أول صداقة فكرية أتذكرها. كان يحب مسرحيات لوركا ويونسكو، لكنه كان سيقرأ سوفوكليس بكل سرور إذا رشحته له. كنا نقرأ معًا هيسه وبورخيس وكورتاثار، وعندما لم يتبقَّ أي كتب لهؤلاء الكتاب على أرففي، وجد طريقة لاستعارة عناوين أخرى من المكتبة الوطنية، باستخدام بطاقة عضوية مزورة من الاتحاد الوطني الكوبي للكتاب والفنانين. كان ماريو أشقرًا بشكل غريب لشخص عاش في إل سيرو، وبدا أكبر بكثير من عمره البالغ من العمر أربعة عشر عامًا. اعتاد الذهاب إلى حفلات الكتاب في شقق في إل فيدادو كما لو كان الأمر الأكثر طبيعية في العالم، وكان يتسكع مع عدد قليل من الأطفال الصغار الأنيقين من مدرستي. بينما رضيت بالحفاظ على مكاني في المدرسة، وأدرس كالمجنون، كانت لديه علاقة وثيقة مع زملائي في الفصل لم أستطع حتى أن أحلم بها. رأيته عدة مرات يمر في سيارة متجهًا إلى شارع كالي 23. كان يرتدي الأبيض معظم الوقت. كانت قمصانه دائمًا نظيفة للغاية. لم يكن ناجحًا مع فتيات إل فيدادو فحسب؛ بل كن يلاحقنه بنشاط. في منزلي، على بعد بضعة مبانٍ من منزله، كان ماريو يخلع قناعه؛ لقد توقف عن كونه الشخصية العامة، ذكيًا وبارعًا في الرقص، التي يعرفها الناس واسترخى مرة أخرى في العادات اليومية البسيطة لطبقتنا الاجتماعية. في حياته كلها لا أعتقد أن أي شخص قد عرفه جيدًا كما فعلت. بدلاً من البدلات البيضاء، كان يرتدي في منزلي السراويل الرمادية التي ورثها من والده أو زي مدرسته. الشيء الوحيد الذي لم يتخل عنه أبدًا هو أناقته ونظافته. نظرًا لأنه كان من الصعب الحصول على مزيل العرق في ذلك الوقت، فقد كان يغتسل مرتين على الأقل في اليوم، ويترك إبطيه مغطى بالصابون عندما يفعل ذلك. كان لديه دائمًا ساق صغيرة من البقدونس في فمه لمنع رائحة الفم الكريهة وعسر الهضم. في مناخ يتعرق فيه الجميع، حيث يصبح الجلد لزجًا بسبب الرطوبة، حيث تحول رائحة الإبط الكريهة الهواء إلى كتلة كثيفة خانقة، كنت ممتنًا لصديقي لتذكيري بأن بعض البشر يمكن أن يكونوا لطيفين إذا بذلوا قصارى جهدهم ليكونوا كذلك.

    لسوء حظي، انتقل ماريو للإقامة في سيينفويغوس لمدة عامين، تاركًا إياي في عزلة عميقة لا قرار لها. أذكر أنه قبل رحيله بيومين، جاء إلى باب منزلي في سيارة. لا بد أن الوقت كان قرابة ظهيرة يوم أحد. كان يرتدي زيه الأبيض المعتاد، وفي يده زجاجة مفتوحة من مشروب هافانا كلوب. وكان السائق شابًا يرتدي نظّارات شمسية وقميصًا قصير الأكمام بنقشة مربعات.

   قال لي:

  “اصعد! سنحتفل اليوم.”

فأطعتُه دون أن أُخبر أحدًا، ولم أسأله عن وجهتنا. قادنا صديقه إلى مقرّ اتحاد الكتّاب والفنّانين الكوبيين ، حيث كان أليخاندرو روبليس يقدّم كتابه “خرافات طائرية” جلسنا لدقائق عند إحدى الطاولات في الحديقة، وجاءنا أحدهم بكأسين من الموهيتو. وعندما بدأ الحفل، طلب مني ماريو أن أرافقه إلى المكتبة، وكانت أكبر مكتبة رأيتها في حياتي. ثم سلّمني بطاقة عضويته وقال:

” هذه لك، يا أخي. اعتنِ بها جيدًا.”

  سألته بدهشة:

” أمتأكد؟”

   فقال:

” طبعًا. ستنتفع بها أكثر مني في سيينفويغوس. تقريبًا كل الكتب المسموح بها في الجزيرة ستجدها هنا. وإذا فرغت منها، فابحث عن المحظورة.. قبل أن يسبقوك إليها.”

     اتبعتُ نصيحته. ومنذ تلك الليلة، أصبحت قاعة القراءة في مكتبة اتحاد الكتاب الكوبيين بمثابة منزلي الثاني. لم أكن أستعير الكتب، بل أضع علامة داخلها وأعود في اليوم التالي لاستكمال القراءة. كانت تلك السنتان حاسمتين في تكويني المعرفي. وكلما قضيتُ وقتًا أطول في المكتبة، ازداد تعلقي بلحظات استحمام ريجلا. كنتُ على استعداد لأن أدفع أي شيء لأراها أكثر من مرة في الأسبوع، لكنها لم تكن تأتي إلا صباح كل سبت. أما في باقي الأيام، فلم يكن أمامي سوى أن أعيش على ذكراها.

    أصر فاكوندو:

   “لا تنتظر خروجها من الحمام! افعل ذلك متى شئت. لا أحد يعلم بوجودنا هنا”.

    وهكذا، مدفوعاً بالرغبة التي أثارتها الفتاة في نفسي، كنت أضع يدي في سروالي حتى تُغطّى بمادة منيّ اللزجة. في البداية، بقي فاكوندو غير مبالٍ كما كان من قبل، لكن الزمن لا يرحم أحداً، وانتهى به المطاف مشاركاً في جلسات العادة السرية بعد ظهر السبت، وإن كان بأسلوب أقل حشمة: فبدلاً من إدخال يده عبر سحّاب سرواله كما كنت أفعل أنا، كان يخرج عضوه الذكري، ذلك العضو الغليظ الثقيل الذي يشبه إحدى قدميه، وفي صمت الليل الباكر، كان يقذف منيّه بعنف، ملطخاً بلاط الفناء أو الجدار الذي كنا نراقب من خلاله ريجلا وهي تخلع ملابسها.

      أحيانًا، بينما يتردد صدى نغمات البيانو في ممري الحجري، يرتفع حاجزٌ واقي بيني وبين هذه الصور. هذا الحاجز سمح لي بالصمود طوال هذه السنوات، مدركًا أن والدي مريضٌ ووحيدٌ في مقاطعة سيينفويغوس؛ وأن إخوتي ما زالوا يعيشون في ذلك المنزل نفسه الذي قضينا فيه طفولتنا، وإن كانوا الآن مع عائلاتهم التي كونوها. ينتهي التسجيل، ويعود كل شيء إلى طبيعته. بارك الله الحاجز الذي يحفظني منيعا، عصيًّا على الانفعال.

    مرّت بضعة أسابيع دون أن أتلقّى أي إشارة من روث. لا مكالمة هاتفية واحدة، ولا رسالة بريد إلكتروني واحدة تدعوني إلى السينما أو لتناول العشاء في شقتها في تريبيكا؛ لا شيء. خلال الأسبوعين الأولين، شعرتُ بالارتياح لعدم سماعي صوتها المُدخّن ولو لمرة واحدة. لم يُبدِ أي شيء ينمّ عن حقيقة لقائنا. لم أشعر حتى بأنها تُفكّر بي وتُخفي أمرها. اختفت فجأة. كالعادة، كانت الرسائل الوحيدة على جهاز الرد الآلي من زميل عمل يُحاول التحقق من بعض التفاصيل حول الأدلة، أو من أحد معارف العائلة، الذي وصل مؤخرًا من هافانا حاملاً أخبار والدتي، أما روث، فلم تُخبرني بكلمة واحدة.

     مع مرور السنين، تبدو لي الأخبار الواردة من كوبا أشبه برواية كبرى. صوت أمي على الهاتف أشبه بمذيع راديو مُسنّ يُلقي مسلسلًا قديمًا، والحياة اليومية للشخصيات ضبابيةٌ وضائعةٌ في غياهب النسيان. ما الذي يُهمّني حقًا أن عمتي كارمن صبغت شعرها باللون الأحمر، أو أن ابنها روبرتيكو قد هجر حبيبته ذات الأربعة عشر عامًا؟ لا أتذكر حتى الكثير من الأصدقاء الذين تُنسبهم إليّ، والذين تروي أخبارهم بينما أخسر نقودي على بطاقة هاتف AOL.

      لا أستطيع أن أصف مدى رغبتي العارمة في إنهاء المكالمة. وما يمنعني من ذلك هو أنه، وسط سيل الأسماء والوجوه الباهتة التي تتدفق في ذاكرتي بينما تواصل أمي حديثها اللامنتهي، لا تبقى واضحة في ذهني سوى صورها هي: إخلاصها وتفانيها، تلك الأوقات التي مرضت فيها وأنا طفل ولم تتركني لحظة، والمناسبات الكثيرة التي كانت تطرد فيها إخوتي من غرفة النوم – تلك التي كنا نحن الستة ننام فيها معًا – كي أتمكن من القراءة في هدوء وسكون. بفضلها، وبفضل يقينها أنني من بين كل عديمي الفائدة الذين أنجبتهم، كنت الوحيد الذي سيتفوق، استطعت أن أقرأ الكلاسيكيات والأدب الروسي، وبابلو نيرودا وسيزار فاييخو، ووالتر بنيامين وهربرت ماركوز. في أكثر من مناسبة، اشترت لي أمي من مال غسل الملابس كتباً – سيئة في الغالب – مثل قصائد نيكولاس غيين الشيوعية، أو كتاب “بهاتين اليدين عينهما” لفيرنانديز ريتامار، الذي أوصى به البائع. وفي هذا الكتابِ الذي لا يُحتملُ، لم أستطع أن أتجاهل الساعات التي أمضتها أمي وهي تغسل القمصان الباهتة. كل صفحة من صفحاته كانت تحمل الأمل الذي وضعته فيّ، ابنها الوحيد المستحق، فتاها الذهبي، خلاصها، طوق نجاتها. وفيما بعدُ، أخبرني ماريو أنَّ ريتامار أعطى مخطوطةَ “بهاتينِ اليدينِ عينهما” لخوسيه ليزاما ليما ليبديَ رأيَهُ فيها. وبعدَ أسابيعَ، ذهبَ إليه ليسألَهُ عن رأيهِ، فأجابَهُ ليزاما بتلكَ السخريةِ المرهفةِ التي عُرفَ بها: “بهاتينِ اليدينِ عينهما اللتينِ كتبتَهُ بهما، مزّقْهُ”. ولم أعرفْ قطُّ إنْ كانتِ القصةُ صحيحةً أم أنها من اختلاقاتِ صديقي المعتادة.

     بحلول الأسبوع الثالث تقريبًا، تحولت غيبة روث من كونها مصدر راحة إلى لغز طريف يثير الفضول. ماذا يمكن أن يكون قد حدث للفتاة العجوز؟ كان من غير المعقول بالنسبة لي أن تختار الابتعاد بعد أن استمتعت بصحبتي بين ملاءاتها ذات اللون الخوخي. هل كانت مريضة؟ هل سافرت في إجازة؟ هل التقت برجل آخر؟

    مع مرور الوقت، تحولت مشاعري تجاهها من رفض أولي إلى فضول بريء. إذا دخلت مقهى ستاربكس ورأيت امرأة تذكرني بها – رغم أنني كنت على يقين من أنها لن تطأ مكانًا كهذا أبدًا – كنت أفكر في منزلها، وفي الوجبات الرائعة التي تناولتها هناك، وأتساءل: ترى، كيف حال الفتاة العجوز؟

    وقبل أن يكتمل شهر كامل على غيابها، اتصلت بها لأستطلع الأمر. سألتُ باهتمام حقيقي:

 – أين كنت تختبئين ؟

 فأجابت:

 – لم أغادر إلى أي مكان. لقد وعدتني بالاتصال، وكنت هنا بانتظارك.

    ثم تذكرتُ: قبل مغادرتي منزلها، ألقيتُ العبارة المعتادة التي أستخدمها مع كل عشيقاتي: “لديّ الكثير من العمل هذه الأيام – سأتصل بك عندما أكون أقل انشغالاً”. والمذهل أن امرأة – هذه المرأة تحديداً – قد فهمت المقصود مباشرة، من دون الحاجة إلى عتاب مسبق أو توضيح.

     وهكذا وجدتُ نفسي مرة أخرى بين مخالب روث. في ذلك المساء، التقينا لتناول العشاء في مطعم “ليز لوسيول” الفرنسي الكلاسيكي، الذي بدا محافظاً بعض الشيء بالنسبة لذوقها، لكنه كان مثالياً بالنسبة لي. لم أكن أطيق الأضواء الملونة الزاهية وديكورات السبعينيات التي انتشرت كموضة في حانات حيّها. لقد انتهى ذلك العصر ولم يكرهه أحد أكثر مني. في كوبا، لم يكن بالإمكان شراء البناطيل الواسعة، لكن الناس كانوا يخيطون قطعاً مثلثة من القماش – غالباً بلون مختلف – في بناطيلهم ليحولوها إلى “أرجل فيل”. كما كانوا يلصقون قطعاً من الخشب في نعال أحذيتهم لتحويلها إلى نعال عريضة مزخرفة. بدت لي هذه المحاولات لتقليد موضة لا تمت لنا بصلة سخيفة للغاية، وانتهى الأمر بالعديد من الناس في السجن لمجرد إصرارهم على إطالة شعرهم. على أي حال، عادت كل هذه الكماليات الغريبة إلى الموضة هنا منذ بضع سنوات، سواء في الملابس أو الديكور، وروث تحديداً مولعة بها جداً. أما المطعم الذي اختارته لإرضائي فكان بسيطاً وقوراً كأي مقهى باريسي في فترة ما بعد الحرب، وهي الفترة المفضلة لدي من القرن العشرين. رغم أنه كان يوم جمعة، كان المكان شبه فارغ، ربما بسبب الأسعار الباهظة. طلبت روث سلطة خضروات طازجة – أتذكر ذلك لأن اللون الباهت للجزر لفت نظري وسألت النادل عن سبب ظهورها بهذا الشكل.

    قال لي النادل، وهو رجل قصير ونحيل تبدو عليه حياة التقشف وكأنه عاش عمره يتغذى على خضروات كهذه: “نحن نستورد هذا الجزر من فرنسا”، وكأن هذا جواب كافٍ. لكن ذلك لم يثنِ العجوز – كما كنت أدعوها – عن مواصلة تناول طعامها. أما طبق كونفيه البط الذي طلبته أنا، فكان لذيذًا للغاية. وعلى الرغم من أنني عرضت عليها أن نتقاسمه، فإنها رفضت، في واحدة من تلك الإيماءات اللطيفة التي اعتادت أن تُظهرها لي، مثل طريقتها الرقيقة في دفع الفاتورة دون ضجيج.

    عندما غادرنا المطعم، شعرت بالشبع، بل والتخمة، فاقترحت أن نعود إلى بيتها سيرًا على الأقدام. أحب التجول في شوارع تريبيكا، فالعزلة التي تسود الأرصفة تتناقض مع الضوء الخافت المنبعث من نوافذ المباني. وعلى الرغم من خلو الشوارع من السيارات، انتظرنا إشارة المرور أن تصبح خضراء. أذكر أن روث، رغم عادتها في الحفاظ على وقارها، كانت تلك الليلة متأثرة قليلًا بالنبيذ. كنا قد شربنا زجاجتين من نو-سان-جورج مع العشاء، لكنها – بخلاف معظم النساء الأميركيات، والكوبيات أيضًا – لم تتحدث بصوت مرتفع أو تضحك بصخب في مثل هذه الحالات، بل حافظت على صمتها الجميل. كانت تتعثر أحيانًا بكعب حذائها العالي، بتراخٍ غير متكلف، زاد من إثارة شهوتي نحوها. وعندما وصلنا إلى ناصية الشارع، وضعتُ يدي على إحدى أردافها. كانت الإشارة قد تحولت إلى الأحمر، فتوقفت فورًا، وتركتني أضغط عليها برقة. كان انتظار الإشارة الخضراء في شارع مهجور ضرباً من العبث. لو لم نفعل ذلك، لربما تجنبنا ما حدث لاحقاً: فقبل أن ندرك ما يجري، اقترب منا شخص أشعث يرتدي معطفاً رثاً – أتذكره رمادياً بينما تصر روث أنه كان أخضر – وهو يلوح بآلة حادة تشبه السكين أو المفك.

     فجأة صاح الرجل بلكنة دومينيكانية ثقيلة:

   ” هات المال الآن أيها الأحمق!”

     وبينما كان يلوح بآلته الحادة ناحيتي. أسرعتُ إلى وضع يدي في جيبي لاستخراج محفظتي وإعطائها له.

      لكن روث أمرتني بحزم، مانعةً إياي من التصرف :

      “لا تتحرك!”

       ولم يكن في صوتها أدنى أثر للتوتر

     اقترب منا الرجل حينها. كانت عيناه الجاحظتان تنضحان بغضبٍ عتيقٍ متوارث، وكأن ردّة فعل روث لم تزد غضبه إلا اشتعالًا. وبزمجرة دبٍّ غاضب، اندفع نحونا. لكن قبل أن يتمكن من الوصول، تعثّر فجأة وسقط أرضًا قبل أن ندرك ما حدث. ذلك الشيء الذي أعثره كان قدم روث، التي مدتْها عمدًا بمحاذاة الأرض.رباطة الجأش التي لطالما اعتبرتها جزءًا من جمالها اتخذت في تلك اللحظة بُعدًا ملحميًا. وبعدها مباشرة، ومن دون أن تفقد لا مبالاتها المعهودة، أوقفت العجوز سيارة أجرة كانت تمرّ في الشارع. صعدنا إليها كما يصعد بحّاران منكوبان إلى قارب نجاة.

========

الكاتبة: جوادالوبي نيتل، إحدى كتّاب “بوجوتا 39” وواحدة من أفضل الكتّاب غير المترجمين حسب تصنيف “جرانتا”، حصلت على العديد من الجوائز المرموقة، منها جائزة جيلبرتو أوين الوطنية للأدب، وجائزة أنطونان أرتو، وجائزة ريبيرا ديل دويرو للقصة القصيرة، وأخيرًا جائزة هيرالد للرواية عام 2014 عن روايتها بعد الشتاء، التي سيصدر ترجمتها الإنجليزية قريبًا عن دار مكليهوس بريس.

  المترجمة: روزاليند هارفي، مترجمة رواية خوان بابلو فيلالوبوس الأولى في أعماق الجحر، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الغارديان لأول كتاب عام 2011 وجائزة أكسفورد-وايدنفيلد. كما وصلت ترجمتها المشتركة لرواية إنريكي فيلا-ماتاس دبلينسك إلى القائمة القصيرة للجائزة المستقلة للأدب الأجنبي عام 2013 والقائمة الطويلة لجائزة إمباك الأدبية عام 2014. وهي عضو سابق في لجنة اتحاد المترجمين البريطانيين، وعضو مؤسس ورئيسة شبكة المترجمين الناشئين.