المجلة الثقافية الجزائرية

تفكيك دعاوى ماسونية الأمير عبد القادر في ضوء المنهج التاريخي:الردّ النقدي على مقال واسيني الأعرج “هل يجب إخفاء الماسونية من حياة الأمير؟”

إعداد: أ.د. شريف بموسى عبد القادر*

 

مقدمة: يُعدّ الأمير عبد القادر الجزائري من أهمّ الشخصيات المؤسِّسة في التاريخ الجزائري والعربي الإسلامي الحديث، إذ جمع بين الجهاد العسكري والسياسي، والحكمة الدينية، والحوار الحضاري العابر للثقافات. وعلى الرّغم من الإجماع التاريخي حول مكانته، إلاّ أنّه ظهرت في السنوات الأخيرة، (خاصة بعد صدور كتاب Abd el-Kader et la franc-maçonnerie للكاتب الفرنسي Bruno Étienne)، دعاوى مثيرة للجدل تزعم انتماءه إلى المحافل الماسونية الفرنسية. وقد شكّلت هذه الأطروحة صدمة معرفية في بعض الأوساط، إذ تتعارض ظاهريًا مع خلفيته الدينية الصوفية. ولقد مرّ هذا الادّعاء مرور الكرام بعد أن وُجّهت له انتقادات علمية صارمة من طرف أكاديميين فرنسيين وغربيين، شكّكت في صحّته وموثوقيته.

لكن يعود الكاتب واسيني الأعرج بمقاله المنشور بجريدة القدس العربي عدد 04 مارس 2025 تحت عنوان “هل يجب إخفاء الماسونية من حياة الأمير؟” ليحاول أن يثير النقاش من جديد حول فرضية انتماء الأمير عبد القادر الجزائري إلى الماسونية، مستندا إلى تأويلات Bruno Étienne ذاته، وتعاطفٌ مزعوم مع قِيَم هذه الحركة كما كانت في السابق على حدّ قوله. وبعيدا عن الانفعالات والمواقف الأيديولوجية، فإنّ الحاجة الملحّة اليوم هي إلى تمحيص هذه الادّعاءات وفحصها وفقًا للمنهج التاريخي الوثائقي، لا وفقًا للقراءات الأدبية أو التأملات الرمزية التي غالبًا ما تغفل عن أصول البحث النقدي. ولهذا سنبدأ بنقد ادّعاء Bruno Étienne بانضمام الأمير عبد القادر إلى الماسونية قبل أن ننتقل إلى تفكيك مقولات من اتّخذها مرتكزا لإعادة إنتاج هذا الادّعاء وهو الكاتب واسيني الأعرج.

ملاحظة: من باب الأمانة العلمية سأكتب النصوص المهمة المقتبسة بلغتها الفرنسية الأصلية ثمّ أترجمها إلى اللغة العربية حتّى لا يكون هناك مجال للالتباس أو الغموض أو التأويل المفرط لهذه النصوص أو الطعن في مدى موثوقية ترجمتها.

أولاً: الأساس الوثائقي في كتاب Étienne بين الادّعاء والافتقار إلى الإثبات

يعتمد Bruno Étienne في كتابه Abd el-Kader et la franc-maçonnerie (Paris: Dervy, 2006) على ما يصفه بوثيقة أرشيفية تؤكِّد انضمام الأمير عبد القادر لمحفل “Les Pyramides” التابع للشرق الكبير الفرنسي سنة 1864. لكنّه لم يعرض أيّ نسخة منها، لا صورةً ولا نصًّا ولا توقيعًا من الأمير نفسه في السجلّ، ممّا جعل ادّعاءه عرضةً للنقد العلمي.

ولعلّ من بين أبرز المراجعات النقدية التي تناولت كتاب Bruno Étienne “Abd el-Kader et la franc-maçonnerie ” باعتبارها قراءة أكاديمية دقيقة ومتوازنة نجد في مراجعة الباحث Michel Legrain المنشورة بمجلة Archives de sciences sociales des religions تحت عنوان: (“Compte rendu de : Bruno Étienne, Abd el-Kader et la franc-maçonnerie.” Archives de sciences sociales des religions 135 (2006)).

فبالرغم من إشادته بجرأة Étienne في التطرّق إلى موضوع حسّاس كهذا، إلاّ أنّ Legrain يُسجّل ملاحظة جوهرية تقوّض إحدى أهم فرضيات الكتاب، حيث ينبّه إلى هذا القصور الفادح لادّعاء برونو إتيان بماسونية الأمير ويشير إلى أنّ المؤلف يدّعي بأنّ الأمير عبد القادر قُبل كعضو شرف في محفل ماسوني باريسّي يُدعى ” الأهرامات”، لكنه لم يُرفق أيّ صورة طبق الأصل لوثيقة أرشيفية تثبت هذا القبول وذلك بقوله:

“L’auteur affirme qu’il fut reçu comme membre d’honneur dans une loge parisienne, Les Pyramides, sans toutefois reproduire le moindre fac-similé du document d’archive attestant de cette réception. On aurait souhaité disposer d’une telle preuve, tant la question est controversée, surtout dans les milieux arabo-musulmans.” (Legrain, 2006, p. 479)

“يؤكد المؤلف أنّه تمّ قبوله كعضو شرف في محفل باريسّي يُدعى ” الأهرامات “، دون أن يُرفق ولو صورة طبق الأصل واحدة لوثيقة أرشيفية تُثبت هذا القبول. وكنّا نأمل أن يكون لدينا مثل هذا الدليل، نظرًا لما يكتنف هذه المسألة من جدل حاد، لاسيّما في الأوساط العربية والإسلامية.” (Legrain, 2006, p. 479).

ولا يكتفي الأكاديمي Legrain بذلك، بل يؤكّد في موضع آخر من المراجعة أنّ Étienne لا يقدّم أي دليل مادي مباشر يُثبت انتساب الأمير عبد القادر إلى أيّ محفل ماسوني، حيث يقول:

« Bruno Étienne n’apporte aucune preuve matérielle directe de l’appartenance maçonnique d’Abd el-Kader : ni photo, ni signature sur un document, ni mention dans un fichier de loge. Il s’appuie essentiellement sur des convergences symboliques et spirituelles entre le soufisme et la franc-maçonnerie. » (Legrain, 2006, p. 480)

« لا يقدّم برونو إتيان أيّ دليل مادي مباشر على انتماء الأمير عبد القادر إلى الماسونية: لا صورة ولا توقيع على وثيقة ولا ذكر في سجل محفل. إنّه يعتمد بشكل أساسي على تقاطعات رمزية وروحية بين التصوف والماسونية. » (Legrain, 2006, p. 480).

ويمضي Legrain في نقده مشيرًا إلى أنّ الحجة المركزية لإتيان تقوم على تشابهات رمزية وتأويلات فكرية بين التصوف والماسونية، لا على وثائق تاريخية موثّقة، ما يجعل البناء الاستدلالي للكتاب أقرب إلى التأملات الشخصية منه إلى البحث التاريخي الدقيق.

إنّ غياب الدليل المادي الملموس يُضعف قيمة الادّعاء برمّته، ولا يمكن التعويل على شهادة ذاتية أو تأويلات رمزية كحجة إثبات في قضايا تاريخية حساسة.

ويمكننا هنا تلخيص أهمّ انتقادات Michel Legrain في مراجعته المنشورة للكاتب Bruno Étienne وما جاء في كتابه من ادّعاء بانتساب الأمير عبد القادر إلى الماسونية:

• يشير بوضوح إلى أنّ Bruno Étienne لا يُقدّم في كتابه دليلًا ماديًا قاطعًا (مثل صورة أو نسخة موثقة) تؤكّد رسميًا انضمام الأمير عبد القادر إلى محفل ماسوني.

• ينتقد الكاتب ما يُمكن اعتباره “قراءة تأويلية شخصية” من Étienne، مبنية على التقاطعات الفكرية بين التصوف والماسونية، دون عرض أدلة دامغة.

ثانياً: النقد الأكاديمي الفرنسي والغربي لأطروحة Étienne

لم يكن Michel Legrain الوحيد الذي شكّك في مصداقية فرضية انتماء الأمير عبد القادر إلى الماسونية، فقد عبّر عدد من الباحثين الأكاديميين الفرنسيين والغربيين عن تحفظات منهجية جوهرية إزاء هذا الطرح.

فـنجد الخبير في دراسة الجماعات الدينية والسرية، Jean-François Mayer، قد أشار في مقالاته إلى أنّ Bruno Étienne ينطلق أحيانًا من منظور ماسوني داخلي، مما يُضفي على تحليلاته طابعًا غير محايد تمامًا. أما المختص في الاستشراق والتاريخ الاستعماري الفرنسي، François Pouillon، فقد حذّر بدوره من هيمنة القراءة الرمزية على المعالجة الوثائقية، الأمر الذي يضعف من القيمة الأرشيفية لما يقدّمه Étienne.

بينما قد صرّح المؤرخ المعروف Henry Laurens، خلال ندوة أكاديمية ألقاها في معهد العالم العربي بباريس (2009)، بأنّ ادّعاء الانتماء الماسوني للأمير ” لا يحظى بإجماع المؤرخين”، وهو تصريح يعكس بوضوح هشاشة هذه الفرضية وافتقارها للتوافق الأكاديمي.

وفي سياق التشكيك نفسه، تكتسب شهادة Lucien-René Duchesne، أحد أبرز المؤرخين المختصين بتاريخ الماسونية، أهمية خاصّة. ففي مقال نشره في مجلة Humanisme no. 209 (1998). ‘، الصادرة عن المحفل الفرنسي الأعظم La Grande Loge de France، أكّد بشكل قاطع أنّ اسم الأمير عبد القادر لا يظهر في أيٍّ من سجلات “الشرق الكبير الفرنسي” (Grand Orient de France). الماسوني. وتُعدّ هذه الشهادة ضربة قاصمة لمصداقية الروايات التي روّجت لفكرة عضوية الأمير في المحافل الماسونية. إذ لو كان انخراطه حقيقيًا في أحد التنظيمات الماسونية الفرنسية الكبرى، لكان اسمه محفوظًا في أرشيفات هذه المؤسسات المعروفة بانضباطها في تسجيل الأعضاء وتوثيقهم. إنّ هذا الغياب التوثيقي الصارخ يدعم بقوّة فرضية أنّ الادعاء بانتماء الأمير إلى الماسونية لا يستند إلى أيّ دليل موثّق أو مؤرَّخ رسميًا، بل قد يكون نتاج قراءة رمزية مغرضة أو إسقاط ثقافي لاحق لا ينسجم مع طبيعة شخصية الأمير ومواقفه الدينية والسياسية الراسخة.

لعلّ خلاصة آراء هؤلاء النقاد الأكاديميين الفرنسيين والغربيين في كتاب Bruno Étienne تتمثّل في:

– إنّ ادّعاءه بانتساب الأمير إلى الماسونية يخلو من أيّ دليل مادي لهذا الانتساب، سواء صورة أو وثيقة أو توقيع في سجلٍّ وهذا ما يبطل حجته. ومن جهة أخرى لاحظ هؤلاء النقاد ضعف حياد Bruno Étienne في تقديم ادّعاءاته حيث يتبنّى موقفا داخليا ماسونيا بحكم انتمائه الماسوني ويحذّرون من قراءاته الرمزية التي تطغى على المعالجة الوثائقية، وينبّهون إلى غياب التوثيق الفعلي في تناول Étienne لشخصيات إسلامية، منها الأمير عبد القادر. هؤلاء النقاد الأكاديميون المتخصّصون هم فرنسيون وغربيون من البيئة والثقافة الأكاديمية ذاتها التي ينتمي إليها الكاتب الفرنسي Bruno Étienne، وليسوا جزائريين أو عربا، حتّى نفهم ونستوعب جيدا مدى حياد هؤلاء في انتقاداتهم لادّعاء Bruno Étienne بانتماء الأمير عبد القادر إلى الماسونية.

وفي ضوء ما تقدّم، يتّضح لنا أنّ فرضية انخراط الأمير عبد القادر في المحافل الماسونية لا تستند إلى أسس وثائقية صلبة، بل تواجه انتقادات علمية متواترة من باحثين متخصصين في التاريخ، والدين، والاستشراق. فبين التحفظات المنهجية التي عبّر عنها عدد من الأكاديميين، وغياب اسم الأمير عن سجلات ” الشرق الكبير الفرنسي” الماسوني، كما أثبت Duchesne، تتكشّف هشاشة هذا الطرح وافتقاره إلى الإجماع التاريخي. وبالتالي، فإنّ التعاطي مع هذه المسألة يستوجب الحذر النقدي والتمييز بين السرديات الرمزية والوقائع الموثقة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بشخصية ذات رمزية دينية ووطنية مثل الأمير عبد القادر، الذي ظلّ وفيًا لقيمه العقائدية والإنسانية في الوقت نفسه. إنّ هذا التحليل لا يهدف فقط إلى دحض الفرضية، بل إلى إعادة الاعتبار لمنهجية البحث التاريخي الرصين، البعيد عن الإسقاطات الأيديولوجية والتأويلات غير المؤيَّدة بالأدلة.

بعد كلّ هذه الحجج والانتقادات من الأكاديميين الفرنسيين والغربيين ذاتهم التي تدحض وتشكّك في ادّعاء Bruno Étienne بماسونية الأمير، يحقّ لنا أن نتساءل تساؤلا كبيرا جدا:

لماذا يأتي كاتب جزائري معروف من البيئة نفسها للأمير عبد القادر والثقافة ذاتها، ويقوم من جديد بطرح هذا الادّعاء الذي دُحض علميا ومنهجيا وتاريخيا من طرف الأكاديميين الفرنسيين أنفسهم؟؟ فهو يعيد طرحه هنا على أساس ممكن الانتماء أو لا ممكن الانتماء: يمكن أن يكون الأمير ماسونيا كما يمكن ألاّ يكون الأمير ماسونيا، فهذا لا يضرّ؟

وحتّى يكون تساؤلنا مشروعا، فيجب الإشارة إلى أنّ شكل مقال الكاتب واسيني الأعرج ذاته يدفعنا إلى طرح هذا التساؤل. فأوّل ملاحظة نشير إليها هي أنّ الكاتب صدّر مقاله بصورة غلاف الكتاب الفرنسي ذاته الّذي يدّعي فيه كاتبه Bruno Étienne بانتساب الأمير إلى الماسونية، فجاءت هذه الصورة الحمراء البصرية للغلاف لتهيمن على المقال الذي سيأتي بعدها. الكاتب معروف بذكائه ولا يمكن أن يصدّر هذا الغلاف عبثا. فهو يحاول بطريقة بصرية ونفسية ذكية إقناع القارئ والمثقف الجزائري وربما العربي بإمكانية حدوث الانتماء الماسوني للأمير، حيث يصدِّر مقاله في عدد جريدة القدس العربي الصادر في 04 مارس 2025 بصورة غلاف كتاب Bruno Étienne مع العنوان الكبير البارز للكتاب: Abd el-Kader et la franc-maçonnerie ” وكأنّه يتبنّى ما في هذا الكتاب من ادّعاء ثبت ضعفه العلمي والمنهجي والتاريخي؛ أو لعلّه يقول لنا: لم آتِ بشيء من عندي وإنّما اعتمدت على طروحات الكتاب الذي صدّرت به المقال. فكتاب مشكوك في صحة ادّعائه لا يمكن أن يُضمَّن الواجهة الأولى لمقال كاتب جزائري يتكلّم عن إمكانية انتماء الأمير للماسونية (برزانة وأمانة علمية تعتمد الحيادية والموضوعية و…). لأنّه حينما يأتي بهذه الصورة البصرية لغلاف الكتاب الذي يدّعي ماسونية الأمير فإنّه يقول نفسيا للآخر القارئ: إنّني أتبنّى هذا الموقف حتّى قبل أن أبدأ في كتابة المقال بل وستحاول صورة الغلاف التأثير على قرار الآخر القارئ في قبول وجهة نظره كاتب المقال. فالتأثير البصري من بين أقوى التأثيرات على البشر وقراراتهم. كما أنّ اختيار الكاتب مكان وضع صورة غلاف الكتاب داخل مقاله، وهو مكان الصدارة في بداية المقال، له دلالاته وخلفياته التي لا نريد تأويلها على أساس أنّنا هنا نتعامل مع فرضيات الكاتب وليس الكاتب نفسه.

ثالثاً: تحليل معمّق لفرضيات واسيني الأعرج

سنتعامل هنا مع فرضيات واسيني الأعرج الّتي قدّمها في مقاله على أساس حسن نيّة من الكاتب وليس أيّ أغراض أخرى للكاتب ولهذا سنتعامل بكلّ حيادية مع ما قدّمه الأعرج من فرضيات.

إنّ مقالة واسيني الأعرج الموسومة بـ”هل يجب إخفاء الماسونية من حياة الأمير؟” تمثِّل محاولة تأويلية للربط بين شخصية الأمير عبد القادر والحركة الماسونية، لكنها تفتقر إلى الدقة المنهجية والتوثيق التاريخي اللازم، وتقوم على جملة من المغالطات التي تستوجب تفنيدًا علميًا صارمًا.

صورة شمسية للأمير عبد القادر في المنفى بدمشق 1863

1 – مغالطة السؤال الاستهلالي: السؤال “هل يجب إخفاء الماسونية من حياة الأمير؟” يُقدَّم على أنّه تساؤل مفتوح، لكنه في الحقيقة يُبنى على فرضية غير مثبتة، وهي أنّ الماسونية كانت جزءًا من حياة الأمير. وهذا انطلاق مغلوط؛ إذ لا يمكن الحديث عن “إخفاء” ما لم يُثبت أولاً وجوده. المنهج العلمي يقتضي البدء بالتحقق من الواقعة قبل مناقشة تداعياتها.

2 – إغفال معيار التوثيق التاريخي: لا يُقدِّم الكاتب أيّ دليل قطعي يُثبت انضمام الأمير عبد القادر إلى أيّ محفل ماسوني، بل يعتمد على إشارات رمزية وتأويلات نصوص ثانوية، مثل كتاب ” تحفة الزائر” لابن الأمير، ورسائل يُفترض أنّها تدل على تعاطف، لا على انتساب فعلي. فما ورد في كتاب ” تحفة الزائر” من إشادة الأمير بقيم التعايش والتسامح لا يمكن أن يُعدّ إقرارًا بالانتماء. تعاطف الأمير مع القيم الكونية لا يساوي انخراطًا في تنظيم أيديولوجي. غياب التوثيق الرسمي من سجلات المحافل الماسونية الكبرى، لا سيما ” الشرق الكبير الفرنسي”، وفق ما أكده المؤرخ Lucien-René Duchesne في مجلة المحفل الفرنسي الماسوني Humanisme، يُعد دليلا حاسمًا ضد فرضية الانتماء.

ملاحظة: تجدر الإشارة هنا بأنّ واسيني الأعرج نفسه في حوار له مع جريدة الشروق أونلاين يوم 07/11/ 2006 أكّد أنّه لم يعثر على وثيقة ممضاة باسم الأمير تؤكّد انتماءه للماسونية بصفة رسمية بالرّغم من اتصالاته المستمرة بهم. أي بالرغم من اتّصالاته المستمرّة بالمحافل الماسونية بفرنسا قصد تمكينه من وثيقة رسمية تثبت انتماء الأمير عبد القادر إليهم. لكن لم يعثر على وثيقة ممضاة باسم الأمير تؤكّد انتماءه للماسونية بصفة رسمية. ولهذا حقّ لنا التساؤل عن سبب عدم إشارة الأعرج لهذه المعلومة التاريخية المهمة في مقاله هذا، إذ إنّ إخفاء هذه الحقيقة يضعف موضوعيًا مصداقية الطرح.

3 – خلط بين التعاطف الإنساني والانتماء العقائدي: إنّ قيام الأمير بإنقاذ آلاف المسيحيين في دمشق عام 1860 هو موقف إنساني نابع من تعاليم الإسلام وأخلاقيات الفروسية التي تمثّلها، ولا علاقة لذلك بأيّ تعاطف أو انخراط في الماسونية. الخلط بين الفعل الإنساني والانتماء التنظيمي مغالطة منهجية. لا توجد أيّ وثيقة رسمية صادرة عن محفل ماسوني، ولا توقيع، ولا سجلّ عضوية يؤكّد هذا الانتماء.

4 – توظيف المصادر الثانوية في غير محلها: يشير واسيني إلى رسالة الأمير إلى هيكل هنري الرابع في 26 فبراير 1861، و2 أكتوبر 1863، بوصفها أدلة على انخراطه. غير أنّ هذه الرسائل، إن صحّت نسبتها أصلاً، لا تحمل طابعًا رسميًا ولا صيغة انضمام مؤسسي واضحة. بالإضافة إلى أنّ السياق الذي وردت فيه الرسائل سياسي ودبلوماسي لا عقائدي أو تنظيمي. كما أنّ اعتماد واسيني على رواية رسالة مؤرّخة في 2 أكتوبر 1863، دون الإشارة إلى مصدرها الأصلي، يُعد ثغرة علمية كبيرة.

5 – تغليب الرؤية الأدبية على التحقيق التاريخي: تميل المقالة إلى التفسير الوجداني والانطباعي لشخصية الأمير، متجاهلة أنّ التاريخ ليس سيرة روائية بل علم قائم على الوثائق والسجلات. لا تكفي العبارات الإنشائية من قبيل “الأمير لم يكن مريضًا بدينه” أو “الأمير تحاور مع الماسونية” لإثبات حقيقة تاريخية دقيقة كمسألة الانتماء الماسوني.

6 – تجاهل الانتقادات الأكاديمية المنهجية: لم يُشر واسيني الأعرج إلى الانتقادات العلمية الصادرة عن مختصين في الدراسات الماسونية مثل Jean-François Mayer، وFrançois Pouillon، وMark Sedgwick، الذين شكّكوا في منهج Bruno Étienne لافتقاره إلى التوثيق واعتماده على منظور داخلي ماسوني، وقراءاته الرمزية التي تطغى على التحليل الوثائقي. لكنّ بالمقابل توسّع واسيني الأعرج في مقاله عن Bruno Étienne وأطروحته بانتماء الأمير إلى الماسونية وجميع خطواته في إثبات هذا الادّعاء بل يجعل من الواجب ” … الاعتراف بجهود برينو إيتيان تجاه الأمير؛ فقد كان من أوائل الفرنسيين ممّن اهتموا بشخصية الأمير وتتّبع مساراته الحياتية والثقافية بدقة كبيرة، ومشى في أثره عمراً كاملاً. لكنه ظل مصرًّا على ماسونية الأمير حتى وفاته ” على حدّ تعبيره. لماذا هذا الكيل بمكيالين؟

7 – مغالطة التبرير التاريخي: يقول الأعرج إنّ الماسونية في زمن الأمير كانت مختلفة، مما يُفهم منه أنّ انخراطه – إن حصل – لا يُعد مشينًا. لكنّ هذا تبرير بأثر رجعي لا يصح علميًّا. الادّعاء هنا لا يُبرّر، بل يُثبَت أو يُنفي استنادا إلى أدلّة مادية. وإلاّ كان على الأعرج الابتعاد عن الخوض في أمور ليس له فيها أدلّة وإنّما تثير الشك والريبة. هذا النوع من التبرير يُعفي الكاتب من واجبه الوثائقي خصوصا في هذه المسألة الحسّاسة جدا والتي تمسّ أحد رموز التاريخ الجزائري العربي والإسلامي الحديث والمعاصر.

8 – إقحام القياس المغلوط: الإشارة إلى انتماء محمد عبده أو غيره من المصلحين إلى الماسونية لا تُعدّ دليلا على انتماء الأمير. القياس التاريخي لا يُعتمد إلا بوجود تطابق في السياق والوثائق، ولا يُغني عن إثباتٍ خاصّ ومباشر.

9 – التوظيف التبجيلي لنابليون الثالث: يستند الكاتب إلى العلاقة بين الأمير ونابليون الثالث، معتبرًا أنّ الماسونية قد تكون وسيلة لردّ الجميل للإمبراطور الذي أفرج عنه. لكن العلاقة بين السياسي والديبلوماسي لا تعني تحوّلاً عقائديًا أو التزامًا تنظيميًا، خصوصًا إذا كان الطرف الثاني ماسونيًا. هذا الربط عاطفي لا علمي.

10 – عدم التمييز بين الحوار والانضمام: كون الأمير قد استمع إلى أسئلة “تعليمية” أو عبّر عن تأملاته في مفاهيم التسامح لا يُعد دليلاً على الانضمام، بل يثبت فقط أنّ الأمير كان رجل حوار وتواصل حضاري، وهو ما لا يبرر بالضرورة أيّ انتماء تنظيمي.

11 – التوظيف العاطفي لصورة الأمير: يستحضر الأعرج صورة الأمير كإنسان عصري منفتح، ويتساءل لمَ الخوف من هذه الصفحة من حياته؟ لكنّ الحقيقة التاريخية لا تُبنى على مشاعر أو “خوف جماعي”، بل على الوثيقة والتّحقّق. فليس كلّ لقاء أو رسالة دبلوماسية يعني انتماءً. وإلاّ لوجب تصنيف الأمير عضوًا في كلّ محفل أو جهة مدنية تبادل معها التحية أو الاحترام.

كما تجدر الإشارة هنا إلى أنّ التحليل الوثائقي لا يمكن أن يُختزل في النية أو التريث أو التأويل، بل يتطلب قرائن صلبة وأرشيفًا موثقًا. فاعتماد Étienne على فكرة أنّ ” الأمير تريّث في باريس ثم انضم لاحقًا في الإسكندرية ” هو استنتاج احتمالي غير مدعوم بسند رسمي واضح، ويخضع لمزاجية التحليل أكثر من خضوعه لمنهج الاستقراء التاريخي. ولهذا كان على الكاتب الجزائري ألاّ يضمّنه مقاله هذا ويركّز عليه بطريقة خُيِّل إلينا فيها – وفي عبارات أخرى ضمن مقاله – أنّ واسيني نفسه مع تحليل Bruno Étienne ورؤيته ولو أنّه لم يقل ذلك صراحة.

12 – تبخيس المساءلة النقدية ووصمها بـ”الجهل المقدّس”: إنّ وصف المعترضين على هذا الطرح بـ”الجهل المقدس” و”الدوغما” يفتقر إلى الموضوعية والاحترام الأكاديمي. النقد التاريخي لا يعني الخوف أو التقديس، بل يعكس حرصًا على الدقة وحماية الذاكرة من الإسقاطات المعاصرة.

 وإذا برّر الكاتب واسيني الأعرج موقفه هذا بأنّه كاتب وليس مؤرّخا ولم يقل ذات يوم بأنّه مؤرّخ وإنّما هو روائي، لحقّ لنا في الأخير طرح مجموعة من التساؤلات حول الهدف من طرح هذا الادّعاء من طرف الكاتب في هذا الوقت بالذات؟

فلماذا يأتي الأعرج الآن وهو ليس مؤرّخا، ويأتي بهذا الادّعاء المشكوك في صحته ويقدّمه لنا في مقاله على أساس استشهاد لمؤرّخ دقيق لحياة الأمير يقدّم حقيقة تاريخية من وراء البحر وجب أخذها بعين الاعتبار؟ لماذا إثارة الشك بدل البحث عن اليقين؟ إنّ من يبحث عن اليقين سيعتمد وثائق تاريخية مسجّلة وموثوقة يقينية لا غبار عليها تكون محل إجماع المختصين والأكاديميين، لا أن يأخذ تأويلات Bruno Étienne المطعون في صحتها والمشكوك في تاريخيتها من طرف الكثير من الأكاديميين الفرنسيين والغربيين أنفسهم، ويقدّمها مع تصدير مقاله بصفحة غلاف الكتاب الذي يتضمّن هذه الادّعاءات ثمّ يحاول نشرها بين الأوساط الثقافية الجزائرية والعربية، بدعوى ممكن الانتماء وغير ممكن.

رابعاً: لماذا نطالب بالدليل؟

ليس الهدف من هذا الرد نزع الطابع الإنساني عن الأمير، بل حماية الحقيقة التاريخية من التأويلات السهلة أو المنحازة التي تُروّج دون برهان. فالمطالبة بالدليل ليست موقفًا دغمائيًا كما يلمّح الأعرج، بل هي شرطٌ أساسٌ لأيّ كتابة تاريخية مسؤولة وأنّ الخلط بين التواصل الدبلوماسي والانتماء التنظيمي يُفقد البحث توازنه. ويجب أن يبقى الأدبي بعيدا عن تشويه التاريخ بشخصياته ولا يعتمد الكاتب في أدبه على شهادات تاريخية مطعون في صحتها وموثوقيتها التاريخية علميا وأكاديميا، فيشوّه الحقيقة التاريخية ويبثّ الشكّ فيها.

السياقات الثقافية لإعادة إنتاج الادعاء

تعكس إعادة ترويج فكرة ماسونية الأمير عبد القادر أحيانًا توظيفًا سياسيًا أو ثقافيًا لتفكيك رمزيته الإسلامية والوطنية. فالبعض يسعى إلى نزع الشرعية الدينية عن الأمير بربطه بمنظمة تثير الريبة في الوجدان العربي الإسلامي. لذلك، فإنّ غياب الدليل القاطع يفتح الباب لتساؤلات حول النوايا الكامنة خلف هذه القراءة.

استعادة الأمير من داخل التاريخ لا من خارجه

في ضوء هذا التحليل، يتبين أنّ أطروحة Bruno Étienne تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية الوثائقية، وتعتمد على إسقاطات تأويلية لا ترتقي إلى مستوى الإثبات التاريخي. إنّ التعاطي مع شخصية بوزن الأمير عبد القادر ينبغي أن يكون مؤسسًا على المنهج النقدي الصارم، لا على الرغبة في إثارة الجدل. فغياب الوثيقة يجعل من هذه الأطروحة قابلة للتفكيك والرفض، حفاظًا على الذاكرة الجماعية ومكانة هذا الرمز المؤسس في التاريخين الجزائري والإسلامي.

فالحديث عن علاقة الأمير عبد القادر بالماسونية لا يمكن أن يُبنى على تأويلات أدبية أو مقاربات وجدانية، بل يجب أن يخضع للمعايير الصارمة للتحقيق التاريخي: وثائق رسمية وسجلات موثقة وسياق دقيق. وفي غياب هذه الشروط، فإنّ ما طُرح يظل في خانة الاحتمال والشكّ والتخمين التأويلي، لا في خانة الإثبات العلمي القطعي.

كان من الواجب على الكاتب – بحكم ذكائه الأدبي ومركزه وبحكم اطّلاعه كما يقول – عدم طرح إمكانية هذا الادّعاء لأنّه مطعون في صحته وموثوقيته من طرف الأكاديميين الفرنسيين أنفسهم. لأنّ ذلك سيخلق بلبلة ونوعًا من الشكّ في ذهن الكثير من النخب الثقافية الجزائرية والعربية غير المطّلعة على حيثيات هذا الادّعاء والانتقادات والطعون العلمية الأكاديمية الموجَّهَة له، فما بالك بما سيخلقه من شكّ وربّما تصديق لهذا الادّعاء بين جمهور القراء وربّما الأجيال القادمة الّتي لا تعرف شيئا عن هذه الأمور.

ولهذا يجب علينا أن نخشى أشدّ الخشية من دسّ الشكوك في الكتب، لا لأنّ الأجيال ستقرأها، بل لأنّ الأجيال ستصدّقها.

ولهذا، فالمقال الذي كتبه واسيني الأعرج، بالرّغم من وجاهة بعض ملاحظاته الأدبية، يندرج ضمن خطاب تأويلي يفتقر إلى المقومات الوثائقية الصلبة. وتقديم أطروحة Étienne مع ما تحمله من شكوك في صحّتها وضعفٍ في تاريخيتها لا يخدم الحقيقة ولا الأمير، ولا يخدم الكاتب واسيني نفسه، بل يفتح المجال أمام شكوك وإسقاطات رمزية لا تؤسس لموقف تاريخي موثوق.

إنّ الأمير عبد القادر، بتاريخه وسيرته ومقاومته، ليس في حاجة إلى عضوية ماسونية ليكون إنسانيًا، بل يكفيه صدقه السياسي وعمقه الروحي وتسامحه العقائدي.

ولعلّ أقصى ما نتمنّاه ونرجوه في ختام هذا الردّ، ألاّ يكون هذا الادّعاء بماسونية الأمير مضمّن في رواية واسيني الأعرج الثانية عن الأمير(غريب الديار).

المراجع:

1 – Duchesne, Lucien-René. Humanisme, no. 209 (1998).

2 – Étienne, Bruno. Abd el-Kader et la franc-maçonnerie. Paris: Dervy, 2006.

3 – Laurens, Henry. Conférence à l’IMA, Paris, 2009.

4 – Legrain, Marie. “Compte rendu de : Bruno Étienne, Abd el-Kader et la franc-maçonnerie.” Archives de sciences sociales des religions 135 (2006): 479–481.

5 – Mayer, Jean-François. Religions et sociétés secrètes. Geneva: Labor et Fides, 2008.

6 – Pouillon, François. Voyages en Orient. Paris: Karthala, 2004.

*كاتب أكاديمي وأستاذ جامعي

كلية الآداب واللغات – جامعة تلمسان