المجلة الثقافية الجزائرية

ثلاثة أطنان من التاريخ

قصة: منذر ابو حلتم 

في الطابق السفلي من مبنى الدائرة الحكومية الثانوية، حيث لا يصل ضوء الشمس إلا على سبيل الخطأ، كان يجلس رجل يعتقد أنه يحمل واحدًا من أخطر المناصب في الدولة.

اسمه فاضل عبد الستار، رئيس قسم الأرشيف.

لم يكن مديرًا عامًا، ولا مديرًا، ولا حتى معاون مدير. كان رئيسًا لقسم صغير يتكون منه ومن موظف آخر يأتي ثلاثة أيام في الأسبوع، ويغيب يومين بحجة أن الأرشيف عمل يحتاج إلى مرونة.

لكن فاضل لم يكن يرى الأمور بهذه الطريقة.

كان يرى نفسه رجلًا من رجال الدولة.

بل كان يرى أن التاريخ نفسه يمر من بين يديه.

في كل صباح، يدخل إلى غرفته، يضع حقيبته على المكتب، ينظر إلى الباب الذي كُتب عليه بخط صغير:

( قسم الأرشيف)

ثم يبتسم.

كان يحب كلمة (رئيس) أكثر من أي شيء آخر.

وذات يوم، قال لموظف الاستعلامات وهو يناقشه في موضوع لا علاقة له بالأرشيف:

— لا تنسَ أنك تتحدث مع رئيس.

رد الموظف بلا مبالاة:

— أعرف، أستاذ فاضل.

فاضل لم تعجبه كلمة أستاذ.

— رئيس.

— نعم، رئيس.

هنا استقام في جلسته وقال:

— هل تعرف من يشترك معي في هذا اللقب؟

هز الموظف رأسه.

— لا.

ابتسم فاضل ابتسامة رجل على وشك كشف سر من أسرار الأمن القومي.

— رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

صمت الموظف قليلًا.

ثم قال:

— يعني… بايدن؟

— لا يهم من هو الرئيس الآن. أنا أتحدث عن اللقب.

رفع فاضل إصبعه.

— هو رئيس، وأنا رئيس. هو عنده دولة، وأنا عندي أرشيف. هو مسؤول عن تاريخ أمريكا، وأنا مسؤول عن تاريخ هذه المؤسسة.

نظر الموظف إلى غرفة الأرشيف خلفه.

كانت الغرفة تحتوي على ثلاث خزائن حديدية، ورفوف مليئة بملفات قديمة، وصندوق كرتوني كتب عليه: (معاملات متنوعة 2009).

قال الموظف:

— تاريخ المؤسسة؟

— نعم.

— هذا الصندوق مثلًا؟

— وثيقة تاريخية.

— مكتوب عليه معاملات متنوعة.

اقترب فاضل من الصندوق، وربت عليه بحنان.

— أنت ترى كرتونًا. أنا أرى ذاكرة الأمة.

— أي أمة؟

التفت إليه فاضل ببطء.

— أمتنا.

ثم أضاف:

— يا أخي، الأرشيف ليس أوراقًا. الأرشيف هو التاريخ.

وأشار إلى الملفات.

— هذا الملف قد يكون عمره عشرين سنة.

— صحيح.

— إذن هو شاهد على عشرين سنة من تاريخ المؤسسة.

— صحيح.

— والمؤسسة جزء من الدولة.

— صحيح.

— والدولة جزء من الوطن.

— صحيح.

— والوطن جزء من الأمة.

سكت الموظف.

قال فاضل منتصرًا:

— إذن؟

— إذن الصندوق أمة.

لم يضحك فاضل.

بل نظر إليه نظرة عميقة وقال:

— السخرية من التاريخ لا تليق بك.

كان فاضل مقتنعًا تمامًا بأنه مؤتمن على ذاكرة الأمة، رغم أن الأرشيف الذي يحرسه كان يُتلف كل بضع سنوات عندما تمتلئ الغرفة.

وكانت عملية الإتلاف تتم دائمًا بحضور لجنة رسمية.

تأتي اللجنة، تنظر إلى الملفات، ثم يقول رئيس اللجنة:

— هذه قديمة.

فيجيب فاضل:

— لكنها تاريخ.

فيرد رئيس اللجنة:

— ما إلها داعي.

فيقول فاضل:

— هذه وثائق!

فيجيبه:

— نحتاج مساحة.

وعندها تبدأ مأساة فاضل السنوية.

كان يقف أمام آلة فرم الأوراق وكأنه يقف أمام إعدام جماعي لأبناء شعبه.

— لااااا!

يصرخ.

— هذه ذاكرة المؤسسة!

لكن الآلة تستمر في العمل.

فيعود إلى مكتبه حزينًا، ويكتب في دفتره الخاص:

«اليوم، فقدت الأمة جزءًا من ذاكرتها.»

ثم ينظر إلى الساعة.

فإذا كانت الحادية عشرة والنصف، يقرر أن ما فقدته الأمة يكفي لهذا اليوم، ويذهب لتناول الشاي. 

كان اليوم الذي وصل فيه كتاب التقاعد يومًا عاديًا في الدائرة.

في التاسعة وعشر دقائق، جاء ساعي البريد الداخلي ووضع الكتاب على مكتب المدير.

كان الكتاب مختصرًا، باردًا، وخاليًا من أي مشاعر:

«إلى السيد فاضل عبد الستار، رئيس قسم الأرشيف، تحية طيبة… نود إعلامكم بإحالتكم إلى التقاعد لبلوغكم السن القانونية…»

قرأ المدير الكتاب، ثم رفع رأسه وقال:

— الحمد لله.

ثم وضعه في ظرف جديد وأرسله إلى فاضل.

وصل الكتاب إليه في العاشرة إلا ربعًا.

كان فاضل يحتسي الشاي، ويضع أمامه ثلاثة ملفات مفتوحة لا أحد يعرف لماذا فتحها.

ناولَه الساعي الظرف.

— أستاذ فاضل، كتاب من الإدارة.

فتح فاضل الظرف.

قرأ السطر الأول.

ثم الثاني.

ثم توقف.

عاد إلى السطر الأول.

رفع نظارته.

قرأ مرة ثالثة.

قال:

— ما هذا؟

قال الساعي:

— كتاب تقاعد.

نظر إليه فاضل طويلاً.

— تقاعد مَن؟

— أنت.

ضحك فاضل.

كانت ضحكة قصيرة، ساخرة، متعالية.

— أنا؟

— نعم.

— أنا أتقاعد؟

— هذا المكتوب.

أعاد فاضل قراءة الكتاب.

ثم أغلقه بعناية ووضعه على الطاولة.

— اخرج.

— ماذا؟

— اخرج من هنا.

— لماذا؟

— لأنك تشارك في مؤامرة.

خرج الساعي.

بعد خمس دقائق، خرج فاضل من غرفة الأرشيف وهو يحمل الكتاب بيده، واتجه مباشرة إلى مكتب المدير.

دخل دون استئذان.

— هل هذا صحيح؟

رفع المدير رأسه.

— ماذا؟

وضع فاضل الكتاب أمامه.

— هذا.

نظر المدير إلى الكتاب.

— نعم، صحيح.

— تريدون إحالتي إلى التقاعد؟

— ليس «نريد». هذه السن القانونية.

— السن القانونية؟

— نعم.

ابتسم فاضل ابتسامة غريبة.

— جميل.

سكت قليلًا.

ثم قال:

— ومن سيحمي التاريخ؟

تنهد المدير.

— فاضل، الموضوع بسيط.

— بسيط؟

ارتفع صوته.

— هل كان التاريخ يومًا بسيطًا؟

— لا أعرف.

— طبعًا لا تعرف.

أخذ فاضل الكتاب.

— أنتم لا تفهمون ما تفعلون.

— ماذا نفعل؟

— تحاولون إبعادي عن الأرشيف.

— لأنك بلغت سن التقاعد.

— هذا هو التفسير الرسمي.

— وما التفسير غير الرسمي؟

اقترب فاضل من المكتب.

وقال بصوت منخفض:

— المؤامرة.

سكت المدير.

— أي مؤامرة؟

— لا تتظاهر بالبراءة.

— فاضل، والله ما عندي وقت.

— وأنا أيضًا لم يعد عندي وقت.

— ماذا تقصد؟

أشار فاضل إلى الكتاب.

— هذا ليس قرار تقاعد.

— ماذا يكون إذن؟

قال فاضل:

— إخلاء قسري للتاريخ من ذاكرته.

ثم استدار وخرج.

في الساعة الثانية عشرة ظهرًا، كان قد اتخذ قراره.

دخل غرفة الأرشيف.

أغلق الباب.

وضع خزانة حديدية أمامه.

ثم وضع كرسيًا.

ثم جلس.

وبعد قليل وصل إلى الإدارة كتاب بخط يده:

«بيان إلى من يهمه الأمر»

وجاء فيه:

«أعلن أنا فاضل عبد الستار، رئيس قسم الأرشيف، أنني أرفض رفضًا قاطعًا القرار الجائر بإحالتي إلى التقاعد، وأعتبره استهدافًا مباشرًا لموقعي الوظيفي، ولمهمتي التاريخية، ولذاكرة المؤسسة، بل ولروح الأمة.»

قرأ المدير البيان مرتين.

ثم قال:

— روح الأمة؟

قال الموظف الجالس أمامه:

— الظاهر الأرشيف طلع أكبر مما نتصور.

في اليوم التالي، بدأ فاضل بإصدار بيانات جديدة.

البيان رقم 2:

«لن أترك الأرشيف.»

البيان رقم 3:

«إن الأرشيف أمانة، والأمانة لا تتقاعد.»

البيان رقم 4:

«محاولات إخراجي من الأرشيف لن تنجح.»

البيان رقم 5:

«إن استهداف رئيس الأرشيف هو استهداف لرئيسية الأرشيف.»

لم يفهم أحد الجملة الأخيرة.

لكن فاضل كان مقتنعًا بأنها عميقة.

في اليوم الثالث، وصلت لجنة من الإدارة.

وقف رئيس اللجنة أمام باب الأرشيف.

— أستاذ فاضل، افتح الباب.

من الداخل:

— لا أعترف بهذه اللجنة.

— نحن لجنة رسمية.

— وأنا رئيس رسمي.

— أنت متقاعد.

ساد صمت طويل.

ثم جاء صوت فاضل:

— هذا بالضبط ما أقوله.

— ماذا تقول؟

— أنكم لا تريدون رئيسًا.

قال أحد أعضاء اللجنة:

— يا أخي، ما حد يريد منك تصير رئيس دولة.

جاء الرد من الداخل:

— ولم أقل ذلك.

ثم سكت لحظة وأضاف:

— لكن من حيث المبدأ… لماذا لا؟

نظر أعضاء اللجنة إلى بعضهم.

قال رئيس اللجنة:

— افتح الباب يا فاضل.

— لن أفتح.

— ماذا تريد؟

— ضمانات.

— أي ضمانات؟

— أن يبقى الأرشيف آمنًا.

— الأرشيف آمن.

— وأن لا يتم العبث بتاريخه.

— لن يعبث به أحد.

— وأن لا يتم إتلاف الوثائق.

سكت رئيس اللجنة.

قال:

— فاضل…

— نعم؟

— الأسبوع الماضي أتلفنا ثلاثة أطنان من الوثائق القديمة.

ساد صمت.

قال فاضل من الداخل:

— ماذا؟

— أتلفناها.

— ثلاثة أطنان؟

— تقريبًا.

انخفض صوت فاضل.

— متى؟

— الأسبوع الماضي.

جلس فاضل على كرسيه.

نظر حوله.

إلى الملفات.

إلى الصناديق.

إلى الخزانة.

ثم قال بصوت متهدج:

— إذن…

سكت.

— إذن أنا كنت أحرس المقبرة.

لم يعرف أعضاء اللجنة ماذا يقولون.

ثم عاد فاضل إلى صوته الرسمي:

— ولهذا لن أخرج.

في اليوم الخامس، نفد الشاي.

وفي اليوم السادس، نفد السكر.

وفي اليوم السابع، اكتشف فاضل أن دورة المياه خارج الأرشيف.

بدأت صلابته تنهار.

لكنه ظل صامدًا.

وفي صباح اليوم الثامن، وصل المدير بنفسه إلى الباب.

قال:

— فاضل.

— نعم.

— عندي عرض أخير.

— أسمعك.

— اخرج، وسنمنحك تكريمًا محترمًا.

— ماذا يعني؟

— شهادة شكر.

— على ماذا؟

تردد المدير.

— على… خدمتك.

— وماذا سيكتبون؟

قرأ المدير الورقة التي أعدها مسبقًا:

— «تقديرًا لجهوده المخلصة في خدمة الدائرة الحكومية».

سكت فاضل.

ثم قال:

— وهل سيكتبون «رئيس قسم الأرشيف»؟

— نعم.

فتح فاضل الباب قليلًا.

ظهرت عيناه فقط.

— وهل ستذكرون أنني رئيس؟

— نعم.

فتح الباب أكثر.

— وهل سأظل رئيسًا؟

قال المدير:

— على الورق، إلى يوم التقاعد.

خرج فاضل ببطء.

ثم أغلق الباب خلفه.

نظر إلى الممر.

إلى الموظفين الذين كانوا ينتظرونه.

رفع رأسه، وعدل سترته، وقال:

— حسنًا.

ثم أضاف:

— لكن تذكروا شيئًا.

توقف الجميع.

— الرئيس يتقاعد من الوظيفة.

وأشار إلى غرفة الأرشيف.

— أما التاريخ…

ابتسم.

— فلا يتقاعد.

وفي اليوم التالي، وجد الموظفون على باب غرفة الأرشيف لوحة جديدة كتب عليها:

«غرفة رئيس الأرشيف المتقاعد»

وتحتها بخط أصغر:

«يرجى عدم الدخول إلا للضرورة القصوى.»

أما فاضل، فقد كان يجلس في بيته، أمامه ثلاثة ملفات قديمة أخذها معه «لأغراض تاريخية».

وكان يحدث زوجته عن آخر أيامه في الخدمة.

قال لها:

— تعرفين؟ لو كان رئيس أمريكا مكاني، لما سمح لهم بإحالته إلى التقاعد بهذه السهولة.

قالت:

— لكنه رئيس دولة.

نظر إليها فاضل باستنكار.

— وأنا ماذا كنت؟

سكتت.

فأجاب عن نفسه:

— رئيس.

ثم عاد إلى ملف «معاملات متنوعة 2009»، وفتحه باهتمام شديد.

فقد كان مقتنعًا أن التاريخ، في مكان ما بين تلك الأوراق، لا يزال ينتظر من ينقذه.