داود سلمان الشويلي*
لا شيء يقف أمام الراوي الشعبي، أو واضع الحكاية الأول، فهو يستطيع أن يوجد شيء من لاشيء، هو خالق الأشياء، والأمور، لأنه يريد أن يشوّق السامعين، أو القراء، بحكايته. فهو في قرارة نفسه يقول: كن فيكون. يستطيع مثلا أن يجعل الحيوانات، والطيور، والجمادات، أن تفعل كل شيء، انه يؤنسنها().
والقصص الشعبي جنس أدبي يشترك في ثيمات عديدة، وبنيته القصصية، الحكائية، تتكون من بعض هذه الثيمات المتكررة، والمشتركة فيها، العراقية، والعربية، والأجنبية. فكل حكاية من الحكايات ترتبط بثيمة أو أكثر مع حكاية أخرى، وهذه الحكاية ترتبط أيضا مع حكاية ثالثة بثيمة أو أكثر مختلفة عن الأولى، وهكذا يكون الارتباط بين الحكايات بثيم عديدة، فنجدها كعنقود العنب.
من خلال جمع بعض هذه الثيمات يمكن لأي شخص ان ينتج حكاية خرافية أو شعبية لوحده ويتسلى بها، كالسجين في زنزانة لوحدة وعنده قطعة فحم، أو أي شيء يستطيع بواسطته ترك أثر على جدار الزنزانة، فيرسم أشكالا يسلى نفسه بها.
هذه الثيمات هي:
– العجوز الماكرة:
لا أعرف لماذا يؤكد القاص الشعبي دائماً على إن العجوز لها صورة واحدة لا تختلف من حكاية لإخرى، مع العلم، والطريف كذلك، ان أكثر مجالسنا الحكائية تديرها جداتنا العجائز.
في حكايات ألف ليلة وليلة نتعرف على \”شواهي ذات الدواهي\” وهي عجوز شمطاء، ماكرة، تمارس السحر، وتوقع الآخرين في المشاكل. وعجوز قصصنا الشعبي التي تتصف بمثل هذه الصفات هي من هذا الجنس، وربما هي امتداد لها، أو ربما يعود نسبها الى السومرين.
كثيرة هي القصص الشعبي التي فيها مثل هذه الشخصية، صورة المرأة العجوز \”الساحرة ، الخبيثة في هذه الحكايات\” لها ما يماثلها في القصص الشعبي العراقي، كما في حكايات \”العصا السحرية\”()، و\”الجندي والملك\”()، و\”العجوز والشيطان\”()، و\”ميرزا بحمد\”().
***
– ممارسة السحر:
السحر هو (الاستيلاء بوعي على لا وعي الآخر))().
إن السحر عمل لابد منه في أغلب القصص الشعبي – الخرافي والشعبي الى حد ما – لكنه يختلف بين نوع وآخر. فبينما يكون في الحكايات الشعبية يمارس ضمن طقوس معترف بها إجتماعياً ونفسياً، حيث ما زال بعض الناس من العامة يتفقون على إن السحر قوة خارقة تجعله يفك أقوى وأصعب المعضلات، وكذلك إن الانسان في الحكايات الشعبية يعترف إعترافاً \”دينياً وإجتماعياً ونفسياً\” بالسحر ضمن الأشياء التي تقع خارجاً عن عالمه، أي أنه قوة خارقة خارجة عن إرادته وذاته يقابلها في حياته اليومية. في حين نجد إنسان الحكاية الخرافية يعيش السحر عالماً مرتبطاً به لا يمكنه الفكاك والانفلات عنه، بل إنه قدره، أي ان الجو الذي تعيش فيه مثل هذه الحكايات هو جو مشحون بالسحر.
وفي قصصنا الشعبي الكثير من ممارسات السحر، وهو يقع على الانسان، خاصة في الحكايات ذات النوع الخرافي، فيسحر الى هيئة غير هيئة الانسان بواسطة الأداة السحرية
ففي حكاية \”العصا السحرية\”() نرى إن بطلها \”الصبي وأخته\” يقعان بيد الساحرة العجوز \”السعلاة\” ولا يستطيعان الخلاص منها إلا بعد أن يحصلا على الأداة السحرية، وهي العصا السحرية التي كانت تمتلكها العجوز، حيث يتم بوساطتها قتل \”السعلاة\” والعودة الى بيتهما بسلام.
وفي حكاية \”الجندي والملك\”() استطاع الجندي ومن خلال الشمعة السحرية التي يحصل عليها من العجوز، أن يأخذ بثأره من الملك الذي طرده.
وفي حكاية \”تضحية أخت\”() تقدم الأخت الأزهار السحرية دون علمها بذلك، فيتحول الأخوة الى غربان، ولفك ذلك السحر تصوم الأخت سبع سنين عن الكلام والضحك.
***
– شم رائحة الانسان:
في أغلب القصص الشعبي يشم المارد، أو العفريت، أو الغول، رائحة الانسان الذي خبأته الفتاة التي سرقها من أهلها في مكان ما، فيقول لها: أشم رائحة أنسي. كما يقول الغول الى الفتاة في حكاية: \”الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان\”(). وحكاية \”الشواك\”().
***
– الكلمة المعجزة:
1 – كقول الغيلان أمام باب قصرهم: \”سد المسدود بحر الممدود خاتم سليمان بن داود\” كما في حكاية \”الشوّاك\”.
2 – اشتري عقل: كما يشتري \”حسن\” بطل حكاية \”حسن آكل قشور الباقلاء\”() الحكمة التي تقول: \”الجميل هو العين وما تنظر والقلب وما تشتهي\” ففيها يتخلص من المارد في البئر.
***
– خطف البنات:
دائما ما يقوم المارد، أو الغول، بختطف بنتا من عائلتها ويحتفظ بها داخل صندوق صغير، كما في حكاية \”الملك وأولاده الثلاثة\”() إذ خطف المارد الفتاة من أهلها. وهي ثيمة الحكاية الاطار في ألف ليلة وليلة، إذ يرى شهريار وأخوه المارد الذي خبأ الفتاة التي خطفها من أهلها.
***
– البئر:
البئر في القصص الشعبي يعد منفذا لعوالم آخرى، العالم السفلي، عالم المجهول، والدخول فيه يتم بسهولة ويسر، أما الخروج منه فيتطلب مجهودا مضاعفا، ولا يمكن أن يتم ذلك إلّا بمساعدة ما تقدم له، وتكون هذه المساعدة على يد حيوان غيّر وظيفته، كالكبش الطائر، كما في حكاية \”الملك وأولاده الثلاثة\” الذي يخرج حبيبة البطل من البئر. ويكون البئر مأوى للحيوانات الخرافية، كالمارد مثلا، كما في حكاية \”حسن آكل قشور الباقلاء\”.
وهناك آبار متنوعة منها:
1 – البئر الذي يكون بابا الى المدينة التي تقع في باطن الأرض. كما في حكاية \”الملك وأولاده الثلاثة\”.
2 – البئر الذي ينفتح على عوالم جديد. كما في حكاية \”الأخوة الثلاثة\”().
3 – البئر الذي يلتهم كل من ينزل فيه لأن فيه المارد، أو العفريت، الذي يوجه له سؤالا. كما في حكاية \”حسن آكل قشور الباقلاء\”
***
– رضاع السعلوة، أو الغولة:
هناك صورتان للسعلوة، أوالغولة، في القصص الشعبي، أحداهما صورتها الشريرة، والأخرى صورتها الخيّرة. ومن صورها الخيرة ان من يرضع من ثديها يكون بمثابة ابنها فتساعدة، كما في حكاية \”الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان\”. أو السعلاة كما في حكاية \”السرادق السحري\”().
وهذه الممارسة هي من تأثير الفكر الاسلامي في الثقافة الشعبية، وهي أن يرضع الرضيع من ثدي امرأة أخرى غير أمه فيكون أخا بالرضاعة لمواليد المرضعة، هذا في المذهب الشيعي \”رضاعة الصغير\”، أما في المذهب السني فيجوز رضاعة الكبير. وأنا أرى ان مثل هذه الحكايات هي من وضع راوٍ من المذهب السني، أو مشهورة في المجتمعات ذات المذهب السني().
***
– وضع مادة في العين تمنع النوم:
يحاول الراوي الشعبي، أو واضع الحكاية المجهول، الى اختيار حيلة يبقي فيها شخصا ما غير نائم، وهذه الحيلة لا تعدو أكثر من عمر صناعة السيكاير، أو النارگيلة \”الشيشة\”. فيضع البطل مادة في عينيه ليمنع النوم عنهما، كمادة \”التتن/ التبغ\”، مثلا، كما في حكاية \”الملك وأولاده الثلاثة\”.
***
– تكرار الفعل ثلاث مرات:
تكرار الفعل ثلاث مرات، أو وجود العدد ثلاثة في حكاية \”الملك وأولاده الثلاثة\”، وتكرار الفعل ثلاث مرات، كما في حكاية \”الفرسان الثلاثة\”()، وتكرار مراحل تنقل الأمير نور الزمان في حكاية \”الأمير نور الزمان والأميرة فتيت الرمان\” للوصول الى حبيبته ثلاث مرات، من الشيخ الكبير، الى السعلوة، الى الغول. وفي حكاية \”حديدان\” يكرر الفعل ثلاث مرات لوجود ثلاثة أشخاص، حيث أن الحكاية الخرافية يستهويها هذا التكرار، وقياساً على ذلك لا تشعر بكمال التجربة، بل لابد من أن تجرب ثلاث مرات، والمرة الثالثة هي الحاسمة. والمثل الشعبي العراقي يقول \”في الثالثة المنية\”، فيما المصري يقول \”التالتة تابته\”.
***
العراق




