المجلة الثقافية الجزائرية

حارس الأنقاض

بقلم: زهير الإمامي

لم يكن في بطاقة هوية نوح سوى ثلاثين عاماً، لكن ظلّه الملقى على الجدار كان يمتدّ كهيئة قصرٍ أثريّ متداعٍ يعود لقرونٍ غابرة.

​بدأ الأمر في اللحظة التي قرر فيها للمرة الأولى أن يحمل خيبة صديقٍ عجز عن احتمالها؛ استيقظ صبيحة ذلك اليوم ليجد نتوءاً حجرياً بارداً قد نبت تحت ترقوته، وباباً خشبياً صغيراً موصداً بإحكام عند أضلاعه السفلية. لم يكترث حينها، وظنّها ندبة عابرة، لكن مع كل انكسارٍ استقبله ليقي غيره، وكل خذلانٍ ابتلعه بصمت، كانت هندسة جسده تتبدل بطريقة مرعبة؛ انفتحت في خاصرته نوافذ زجاجية رمادية لا يمر منها نسيم، بل صقيعٌ دائم يجمّد مجرى دمه، واستحالت أوردته إلى ممرات ضيقة تفوح منها رائحة رطوبة قديمة وعتمة لا نهائية.

​لم يعد نوح يشيخ بمرور الأيام، كان يشيخ بالأمتار المربعة من الألم المتراكم. تحوّل صدره إلى بيتٍ هائل ومهجور، يحوي ردهاتٍ لا يسكنها أحد، وغرفاً موصدة بأقفال صدئة خُبئت خلفها حكايات وأعمار لم تكن له من الأساس. لم يعد يرسم الغد، ولا ينحت في مخيلته ملامح المستقبل كما اعتاد في شبابه حين كان صانعاً للأجنحة وملهماً للحالمين، تلاشت رغباته العريضة كلها، وصار أقصى طموحه ألا تصيبه ريحٌ تهزّ جدرانه المتهالكة.

​وحين يهطل مطر الذكريات المالح، لا يبكي نوح كبقية البشر، بل يخرج من جيبه مطرقة صغيرة وملاطاً من الصبر المتبقي، ويصعد متعباً إلى أعلى تجويف في قفصه الصدري ليرأب الصدوع ويسدّ شقوق السقف، مرعوباً من أن يفيض الماء فيغرق ما تبقّى منه.

​مرّ به عابرٌ في ليلة عاصفة وسأله بدهشة: «أنت الذي كنت تشيّد للناس مدناً من الأمل… ماذا تفعل وحيداً في هذا البرد؟».

مسح نوح غبار الكلس عن يديه المرتجفتين، ونظر إلى الفراغ وقال:

«لقد أغلقتُ ورشة البناء منذ زمن… أنا الآن لست سوى حارسٍ للأنقاض، مهمتي الوحيدة ألا ينهار هذا السقف فوق ما تبقّى من روحي».