جودت هوشيار
في 15 أيار/مايو 1939، أُلقي القبض على الكاتب إسحاق بابل في داتشا له في بيريديلكينو. وأثناء تفتيش المنزل، صودرت أرشيفاته كلها، ولم يُعثر عليها حتى يومنا هذا. وكانت تاتيانا ستاخ، صديقة بابل منذ أيام أوديسا، قد وصفت عملية اعتقاله على النحو الآتي:
«استيقظت على ضوء كهربائي. كان رجلان بملابس مدنية يقفان عند مكتب الكتابة ويعبثان بالهاتف. وما إن دخل هؤلاء الرجال إلى المكتب حتى بادروا إلى تفريغ المكتب، فأخرجوا منه كل شيء على الإطلاق، ثم انتقلوا إلى الخزانة. وأخذوا منها بعض الملفات، إضافة إلى عدد هائل من الرسائل، من ر. رولان، ومن بياتاكوف، وريكوف، وغوركي، ومن ألف شخص ممن كان إسحاق إيمانويلوفيتش يعرفهم. لقد كانت غنيمة “جديرة” بهم! كانوا في غاية السعادة؛ فمثل هذه الأسماء لم تكن تخطر لهم على بال… وعندما عثروا على كتاب لتروتسكي، كُتب عليه: “إلى أفضل كاتب روسي، إس. إ. بابل”، لم يكن لابتهاجهم حدّ».
كان بابل، الذي كان قد كفّ تقريباً عن النشر في ذلك الوقت، قد اتُّهم بالنشاط التروتسكي المعادي للسوفييت وبالتجسس. وكما كان متوقعاً، انقسم الناس إزاء أدبه: فمنهم من كان معجباً به، ومنهم من كان ينتقده. وكان النقد موجهاً في الأساس إلى «إضفاء الطابع الرومانسي على اللصوصية» في «قصص أوديسا»، وإلى «العداء لقضية الطبقة العاملة» في «الفرسان الحمر»، وكذلك إلى ما وصفه في أعماله من حالات نهب ارتكبتها قوات بوديوني.
وكان يُقال إن بابل استطاع النجاة من «الإرهاب الكبير» بفضل علاقته بمفوض الشعب للشؤون الداخلية نيكولاي ييجوف. لكن هذه العلاقة نفسها انقلبت عليه الآن؛ فقد كان ييجوف قد اعتُقل قبل ذلك بشهر. وكان من أسباب النهاية المأساوية للكاتب الكبير أيضاً صداقته مع بعض التروتسكيين من العسكريين المشاركين في الحرب الأهلية. وفوق كل ذلك، كان هناك أيضاً «الصمت الإبداعي الغريب» الذي لاذ به بابل في وقت كان الجميع ينتظرون منه «أعمالاً جماهيرية» جديدة تمجّد الدور العظيم للحزب، وتنشد قصائد المديح للزعيم ولنشاطه.
ومع ذلك، لم يكن بابل، في دائرة أصدقائه التي كان فيها كثير من الأجانب والمهاجرين الروس، معروفاً بالصمت على الإطلاق. فقد وصف المؤتمر الأول للكتّاب بأنه «مأتم أدبي، كل شيء فيه ميت، مثل استعراض ملكي».
وفي 27 كانون الثاني/يناير 1940، أُعدم بابل رمياً بالرصاص بقرار من المجلس العسكري للمحكمة العليا. ولم يُعرف ذلك إلا بعد خمسة عشر عاماً، أي بعد وفاة ستالين..





