ذبيح وزبانة الساورة الشهيد “قيصاري الجيلالي”
بقلم محمد بصري. باحث جزائري
“كما يتحول الماء إلى عناقيد العنب تحت حرارة الشمس إلى خمر،فلتتحول الدموع المّرة بحماسة الإحسان إلى خمر المواساة الروحية”
والتـر هيلتون
العشاء الميتافيزيقي المقدس الأخير الذي يفضل تناوله الجزائريون هم الشهداء. عليك أن تحترس وأنت تتحدث عن مجدهم أو تخدش في هذا الطقس العظيم .منزلة الشهيد تعادل مكانة المسيح الذبيح في اللاوعي المسيحي. نحن ننتفض بذكر هؤلاء الكرام الذين ارتوت الجزائر بدمائهم النقية. كل قطرة سُكبت وابتلعتها الأرض تحكي رواية وقصة وألما ووجعا جزائريا فخفف الوطء والكلام عنهم فهم أحباب الله الكرام. يقول رب العزة “إِن يَمسَسكُم قَرحٌ فَقَد مَسَّ القَومَ قَرحٌ مِثلُهُ وَتِلكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَينَ النّاسِ وَلِيَعلَمَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا وَيَتَّخِذَ مِنكُم شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمينَ”
عليك أن تفترش الألم وتغرق في شلال دموعك وأنت تتحدث عن شهداء الجزائر.
يجب أن تختلط الدموع بالكلمات حتى تتحول إلى نصوص غاضبة. في إحدى آيات إنجيل لوقا “طوبا لكم أيها الباكون الآن لأنكم ستضحكون ” وحده سحر العاطفة واستشعار الألم من يجعل الكلمات تسجد للمواقف .كل ما فعله الساسة الغربيون والفرنسيس بالذات هو أنهم كانوا يختطفون الأبناء من الأمهات ويحولونهم إلى وقود للحروب والمصالح .وأقل عرفان وجبر أن يكتب في شاهد القبر “هنا جندي مجهول” في آخر الصفحات يتم تمجيد السياسي اللعين وتُمنح له التشريفات وتكتب عنه السرديات والمدونات ويُخلد اسمه في التاريخ.
فرنسا الرسمية هي مثل مشين للتجنيد الاجباري المقيت لم يسلم منها موطنوها فكيف بالأهالي في المستعمرات الذين زجت بهم في حروبها و قلاقلها والقوائم تضج بالصرعى والقتلى في براثن الموت والحربين الأولى والثانية و والهند الصينية ولنا نصيب نحن الجزائريون في هذا الميراث المأساوي.
الشهادة هي احتفاء طقسي إلهي أو لاهوتي بالمعنى الانتروبولوجي تجذّر في اللاوعي وطُمس في الذاكرة منذ أمد بعيد .هي نمط من القرابين المقدسة المتعالية والمفارقة التي مارسها البشر اذعانا لإرادة الله ومباركته الأرواح التي تسكن الأجساد الفانية.
في كتاب تاريخ البكاء وتاريخ الدموع يقدم تــــــــــــــــــــوم لوتز Tom Lutz صورة سريالية حول” إباحية الموت”حيث كان الأقارب والأصدقاء يتبرمون من حضور يوتوبيا الموت بل من ذكرها والإفصاح عنها، يتجنب الكل الحديث عنها أمام الأطفال أو المناسبات العامة فالحديث عنه كان يتم خلسة، كما كان الجنس في الثقافة الفيكتورية وفي التقاليد الثقافية الأخلاقية الغربية في القرن 19 مسكوت عنه في أماكن مغلقة . على العكس تماما فالثقافة العربية الإسلامية الجهادية ترى أن الموت في أفق الشهادة قد أعاد المكانة الانتروبولوجية لفكرة الموت والبعث والعود الأبدي حيث يعاد إنتاج الحياة بصور ميتافيزيقية غامضة وقد احتفى العقل الديني الاسلامي بها كبداية لعالمين برزخي وأخروي هو الحياة السامية أمام المفاضلة بين زمن فاني وزمن ثابت خالد.
نقلا عن كتاب تاريخ الدموع يقول ت.لوتز أن روسو يعتقد أننا حين نبكي نكون في حالتنا الإلهية واللاهوتية والطبيعية البدائية.مما نكون في قبضة الذنب والفخر اللذين يشكلان المشاعر الحديثة المتمدنة” .الدموع “هي معيار الحقيقة” يقول فيرجيني (( دموعك المؤثرة أطفأت شعلة الأحاديث الباطلة)).
يُعتبر الشهيد قيصاري الجيلالي من مواليد سنة 1929 بالقنادسة ولاية بشار الجنوب الغربي الجزائري، قتيل سردية لم تُنشر بعد أو هو ضحية الورقة البيضاء في التاريخ المكتوبة بحبر أكادي سري وبلغة آرامية مشفرة . أعاد المؤرخون قراءة متونها بصعوبة رمزية. هو كما يقول الفنان المسرحي برتولد بريشت ” لا سيرة تُذكر، لإنسان فهم كل شيء.” وُلد واعيا وفهم كل شيء لذا يسهل ارتقاء هذه الكائنات المبجلة “أي الشهداء ” إلى الملكوت الأعظم فهي تضيق بالبقاء في دار الفناء .
لاشيء ملفت في حياته غير الرتابة والروتين فأغلب من سكنوا القنادسة كانوا عمالاً منجميين يعيشون إغترابين وألينة، استعمارا لعينا وعبودية اضافية هي العمل الفظيع في مناجم تحت الأرض بالقنادسة التي تم اكتشافها سنة 1912 وبدأ استغلالها والاستثمار فيها بشكل رهيب وغير آدمي وهو وجع ميتافيزيقي تاريخي مؤلم عاشه القندوسيون وصدق على الأبناء والأحفاد من بعدهم . شهيدنا هو ابن هذه المنظومة البائسة التي تم استغلالها بشكل بشع ولا زال أبناء اخوته وأفرادًا من عائلته الصغيرة يسكنون حيا يدعى “البيرينيه “شمل كل عمال المناجم. في القنادسة .

حسب جريدة l’écho d’oran. الناطقة بالفرنسية، العملية تمت 15 أكتوبر الساعة 20 سنة 1959 بقيادة قيصاري الجيلالي وتخطيط المجموعة بوغريس عبد الرحمان مجاهد راحل ربي يرحمه وعبد السلام عباسي مجاهد مشمول برحمة الله والتي تشير الى أن الفريق والثلاثة كانوا يعمون في مصلحة التموين العسكري H.S.O. تم التنفيذ في الخمارة التي كان يرتادها عناصر الجيش والدر ك الفرنسي اضافة إلى فريق الفرسان .أسفرت عن قتلى و مصابين .جراء إلقاء قنابل des grenades يدويا. غير أن الاعلام الفرنسي ذكر المصابين فقط وهو ديدنه في التقليل من الوقائع و نشر العماء والتمويه الاستعماري على ثغراته ونقائصه. يُروى أن فرنسا جمعت كل الأهالي وطوقت القصر وأخرجتهم و ضغطت عليهم بالبروباغندا والتخويف بالإعدام الجماعي ما لم يم تسليم الجناة .حينها خرج المجاهدان “الراحل بوغريس وعباسي وسلما نفسيهما حتى لا يكون هناك مجزرة وعقاب جماعي للمعتقلين سياسيا وإداريا من السكان وفي رواية أخرى أن التحقيق الاستعماري الذي قاده القبطان capitaine ricate وصل به إلى مكان وهوية المناضلين المنفذين بوشاية من طرف الحركي الذين باعوا الوطن “البياعة”. أما قيصاري الجيلا لي فتم القبض عليه بعد 24 ساعة من الحادثة وفي حوزته أداة الاختراق وسيلة النضال والتمرد “مسدس” المجموعة المتبقية تم القبض عليها خمسة أيام بعد العملية الجهادية.
الطالب الجيلالي ولد الميلود “قيصاري”ولفظة الطالب في المنطقة تُطلق على مُعلّم القرآن الحافظ لكتاب الله تم تعذيبه بشدة وقذارة وقسوة رهيبة وتروي زوجته أنها لما استلمت لباسه وجدت بقايا لحمه ودمه وقد امتزجت بخيوط قميصه، هذه الزوجة المكلومة الثكلى التي فارقها وهي حبلى بطفله عبد الله الذي لم يره أبدا ليعيش بعده الاستقلال شاهدا على رجل وهب جسده الطاهر ورأسه الفخم ضريبة للدم والانتصار .فرنسا الاستعمارية الرسمية مع زبانيتها نقلت المقاتلين الثلاثة إلى سجن الحراش .أقيمت لهم محاكمة سريعة .بسبب الضغط تم الاعتراف بالقضايا المنسوبة إليهم وبالإدانات الجاهزة وكان الحكم الصادم هو المؤبد مع الأعمال الشاقة لعباسي عبد السلام وصديقه بوغريس عبد الرحمان و بالإعدام بالمقصلة للطالب الجيلالي القيصاري الذي اتهم بحيازة الأسلحة والعمل الفدائي اللوجيستي وقيادة جماعة ارهابية والانتماء لحزب محظور هو جبهة التحرير .ما يرويه المؤرخون والذين حظروا الجلسات أن الجيلالي رفض أن يكون له محامي وأصر بشكل صارم على عدم الاعتراف بالذنب مؤكدا للمحكمة أن عمله وطني ومبديا فخره بالانتماء الى جبهة التحرير الوطني وهو ما جعل سجانيه الفرانسيس ينفجرون حنقا عليه. ويسارعون إلى اعدامه بالآلة اللعينة “المقصلة” التي هي بالمناسبة صناعة فرنسية تدخل في ميراثهم اللاإنساني.
تم تنفيذ الاعدام على الخامسة صبيحة 02 جويلية 1960 في سجن المرسى بوهران ليكون الشهيد رقم 02 في الغرب بعد أحمد زبانة الذي يتم سلب روحه بالآلة والماركة الفرنسية. العميق في المسألة ان المناضلين في السجن أطلقوا على الجيلالي “زبانة الساورة”.
لطالما استشعرت روح هذا البطل قربان الحرية شهيد الحق التصق بمخيالي صورته وهو يُزف إلى الرفيق الأعلى وجسده الطاهر يوضع فوق طاولة المقصلة، تلكم اللحظات الرهيبة وهو يساق إلى النطع حين تهوي آلة حادة لتفصل الجزء الهرمي في نبل الذات وهو الرأس لتقص رواية أمجاد ميتافيزيقية لا يعلمها إلا شهود الغيب وخالق هذا الكون فقد سُجل الجيلالي في أعيانه الثابتة شهيدا على هذه الأمة.
لا أريد أن تنال منا فرنسا ولا أي استعمار حديث أو حالي بل يجب أن نستبعد الشكل الاحتفالي للشهداء أو أن نستذكرهم فقط في مواقيت التحرير والاستقلال .الشهداء هم مشاريع وطن وأمة ومجتمع. يجب أن يتبدى سلوكهم في مراسنا اليومي وفي واقعنا هم جزء من فلسفة الواقع واليومي للإنسان الجزائري ويجب أن يبقى الشهيد كذلك.
رحم الله الطالب الجيلالي القيصاري ولد الميلود الذي لم يكتمل عامه الرابع والعشرين .رحل يافعا مباركا قديسا راقيا وشهيدا شاهدا على ظلمة الكلونيالية وظلامية الإجرام الفرنسي والأعجمي .
تحيا الجزائر حرة أبية . الرحمة للشهداء في عليين و العاقبة للأحرار في كل العالم وعلى رأسهم فلسطين.
محمد بصري





