د. عمرو منير محمد*
كان الراحلُ الفنانُ ” نور الشريف ” من القلائلِ الذينَ استطاعوا أَنْ يحفِـرُوا أسماءَهم على صخرةِ الوطنِ بما قدَّمَهُ من كتيبةٍ عتيدةٍ من الأعمالِ الفنيةِ المختلفةِ ، والمتنوعةِ ؛ والتي كتبَها كبارُ كُتَّابِ مصرَ و حمَلتْ قيمةً فنيةً عاليةً ستخلِّدها السينما والدراما على مدارِ الزمنِ .
قدَّمَ الفنانُ الراحلُ ابن حي السيدة زينب ــ هذا الحي الَّذي تفوحُ من كافةِ أركانِهِ رائحةُ مصرَ الحقيقية الضاربة الجذورِ في ترابِ هذا الوطن ــ العديدَ من الألوان الإبداعيةِ المتنوعةِ فقام بأداء شخصية سواق الأتوبيس ، و الطالبِ الجامعيِّ و الموظفِ ، والمدرسِ و اللصِ ، و تاجرِ المخدراتِ ، ورجلِ الأعمالِ ، ورجلِ المخابرات ، والفتوَّةِ ولاعبِ الكُـرَةِ ، والصَّحافِي رسامِ الكاريكاتير، وغيرهِا الكثيرِ من الشخصياتِ ، والتي أنتجتْ على مدارِ عُـقُـودٍ من الزمنِ ؛ ورصدَ فيها كافةَ التحوُّلاتِ التي طَـرَأَتْ على الشخصيةِ المصريةِ من إيجابياتٍ و سلبياتٍ ، و المدهشُ أنَّ أداءَه في كافةِ الأدوارِ يجعلُكَ تصدِّقُ حتمًا أنَّ هذا الفنانَ لا يؤدِّي أداءً تمثيليًّا معتادًا ، ولكنَّهُ يذوبُ مع الشخصيةِ الَّتي يؤدِّي دورَها بحالةٍ صُوفيَّةٍ فنيةٍ عاليةٍ.
من المُلفتِ أيضًا هذا الإصرار من “نور الشريف” على خَـوْضِ التجاربِ الفنيةِ الشائكةِ ؛ والَّتي في بعضِ الأحيانِ قام بإنتاجِها على نفقتِهِ الخاصَّةِ بسببِ إيمانِهِ بِها حتَّى لو كانتْ تلك الأعمالُ ستثيرُ عليه عواصفَ نقدٍ لا حصرَ لها..!
فمثلًا لا أحدَ ينسى فيلم “ناجي العلي” وما أحدثَهُ من ضجَّةٍ سياسيةٍ وقتَها ؛ وأيضًا دورُهُ في فيلم الكرنك ؛ والذي جعلَهُ محلًّا للنقـدِ العارمِ من مؤيِّدي العهدِ الناصريِّ ، وغيرُها الكثيرُ من الأعمالِ التي لم تحملْ إلى فنانِنا الراحلِ إلا كلَّ ما هو نقدٌ لاذعٌ واصطدامٌ بالأنظمةِ السياسيةِ القائمةِ وقتَها ؛ كما أنَّهُ تبنَّى خَطَّا سياسيًّا عروبيًّا ثابتًا لمْ يتزحزحْ أبدًا أمامَ كافةِ المتغيراتِ السياسيةِ في العالمِ العربيِّ ، والإسلاميِّ فنجدُ أنَّهُ استمر على موقفهِ المسانِدِ للقضيةِ الفلسطينيةِ وما يعانيهِ شعـبُها من احتلالٍ صهيونيٍّ استيطانيٍّ شرسٍ وكانَ أفضلُ تعبيرٍ عن ذلكَ قيامَهُ بالمشاركةِ في العديدِ من الأعمالِ التي تناولتْ الصراعَ العربيَّ الإسرائيليَّ مثل (كتيبة إعدام) و (بئر الخيانة )و مسلسل (الثعلب )و( متخافوش) … وشارك عام ١٩٩٣ في فيلم (خيط أبيض وخيط أسود) من إنتاج مصري إيطالي مشترك و بطولة مجموعةٍ من الفنانين المصريين و المغاربة والإيطاليين والذي يتناول القضيةَ الفلسطينيةَ و ينتقدُ الكِيانَ الغاصبَ وللمفاجأة لم يظهرْ الفيلمُ إلى النور حيثُ تمَّ سرقةُ (نيجاتيف) الفيلم من معمل التحميض في روما حَسْبَ ما رواهُ (نور الشريف) في أحد حواراتِهِ التلفزيونية.
اهتمَّ (نور الشريف) بالقوالبِ الفنيةِ الجديدةِ فنجدُ أنهُ شاركَ في العديدِ من الأعمالِ الحديثةِ الأفكارِ من أمثالِ أفلام الخيال العلميِّ ؛ والتي شاركَ في بطولةِ العديد منها مثلَ (قاهر الزمن) و (جري الوحوش) و(الرقص مع الشيطان) والتي ترك فيها بصمةً واضحةً سجَّلَتْ له السَّبقَ في الاهتمام بمثل تلك النوعيةِ من الأعمالِ الفنية.
كانت علاقةُ (نور) بكاتبنا الكبير نجيب محفوظ نموذجًا لارتباطِ ممثلٍ بأديبٍ كبيرٍ ارتباطًا فكريًّا ؛ فنجدُ أنَّ الأولَ كان صاحبَ أكبرِ عددٍ من الأفلامِ التي كانتْ مستوحاةً من أعمالِ الأخير، و كان أداءُ (نور الشريف) لها يعبِّرُ عن حالةٍ من التوحُّدِ مع قصصِ أديبنا الراحلِ المتمكِّنِ في التعبيرِ عن هذا الوطن في كافةِ الأزمنةِ ، وكافةِ الظروفِ المختلفةِ ممَّا جعلَ من علاقةِ هذا الثنائيِّ أشبهَ بعلاقةِ النحلِ والزهورِ الأول يُغّذِّي الثاني بالأفكار؛ بينما يمدُّ الثاني الأولَ بالرحيقِ مُـسَـوِّقًا أعمالَهُ إلى الجمهورِ العريضِ ممَّنْ لا يقرأونَ رواياتِ الأديب الكبير.
ولا نستطيعُ أنْ ننسى اهتمامَ فناننا الراحل بالدِّراما التلفزيونية ؛ والتي ابتعدَ عنها الكثيرُ مِن نجومِ السينما خوفًا من تأثيرِها على شعبيَّتِهم السينمائية ؛ والتي تجعلُ المشاهدَ غيرَ متحمِّسٍ للذهابِ إلى السينما لمتابعةِ فنانٍ يراهُ بشكلٍ متكرِّرٍ في التلفزيون بلا مقابل ؛ ولكنْ هكذا كان (نور الشريف) لا يعبأُ إلا بالفنِّ والأفكارِ ، وأداء واجبِهِ الَّذي تمليهِ عليه مرجعياتُه الفكريةُ الراسخةُ .!
جميعُنا لا يَنْسى توأمته مع (عبدالسلام أمين) في مسلسلين تاريخيين من علاماتِ الدِّراما التاريخيةِ المصريةِ ؛ وهما (عمر بن عبدالعزيز) و (هارون الرشيد) بالإضافة إلى توأمتِهِ مع الراحلِ المُبدعِ المخرج والممثل (أحمد توفيق) الذي نتجَ عنها عملٌ دراميٌّ بديعٌ ؛ وعاشَ في ذاكرةِ المصريين وهو ( لن أعيش في جلباب أبي).
و بالتأكيد كانت توأمتُه الأهمُّ مع المبدع الراحلِ المخرجِ (يوسف شاهين) حيثُ تلاقيا فكريًّا وسينمائيا وعلي حسب تعبير المخرج (أمير رمسيس) ”الثقافة جمعت بينهما” ، تعليقًا علي علاقه (شاهين) الذي عمل معهُ كمساعدِ مخرج ، و(نور الشريف) الذي لعبَ بطولَةَ أحدث أفلام (رمسيس) في أكثر من عملٍ فنيٍّ ، ولذا فعلاقةُ (نور و يوسف) لم تكنْ فنيةً فقطْ بل امتدَّتْ إلى الأدبِ ، والفلسفةِ ، والموسيقى ؛ لدرجةِ أنَّ الأخيرَ قد وقع اختيارَهُ على الأولِ لكى يقومَ بأداءِ شخصيتِهِ في فيلم (حدوته مصرية) والتي تناولتْ سيرةَ (شاهين) الذاتية .
وفي النهاية أتساءلُ :
ــ هل نور الشريف كان ظاهرةً وانتهتْ بوفاتِه ورحيلِه عن دنيانا …؟
ــ هل حقًّا كان يمثِّـلُ آخرَ الرجال المحترمين في مجال السينما والدراما المصرية واللذين استحقَّا عن جدارةٍ هذا الوصفَ بسبب معاركِهِ السينمائية ، وأدوارِه الفنيةِ الهادفةِ والتي لم تتركْ أيةَ مساحةٍ خاليةٍ لأي فنانٍ مصريٍّ ليملأها بنفسِ الشكلِ والمضمونِ والوطنية..؟
أتمنَّى ألَّا أكونَ في هذا التساؤلِ مبالِغًا ؛ خصوصًا أنَّ مصرَ وترابَها مازالا ولَّادَيْنِ لعددٍ لا حصرَ لَهُ من النوابغِ والمبدعينَ الذين ينتظرونَ دورَهم في خدمةِ هذهِ الأمةِ العربيةِ العريقةِ إذا ما وجَدُوا الظروفَ التي شكَّلتْ فنانَنَا الراحلَ.
*روائي وناقد و عضو اتحاد كتاب مصر





