المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

حوار مع: أنطونيو نغري (Antonio Negri)

سلوى لوست بولبينا
ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

“لا وجود لشكل هيمنة مطلقة،
فمن الممكن دوما أن تتحطّم السلطة في مكان ما. لقد بات من الواضح من هنا فصاعدا بأنّ التحطيم لا يحصل من خارج. يجب أن يحدث من داخل. هذا هو المهمّ حقّا. ” ( أ. نيغنري)
“يوجد إذن مبرر للأمل: نفذت الحرية إلى رأس الكثرة!”

“لقد كنت أقول دائما بأنّ هناك صراعا سياسيا وحيدا جديرا بأن نخوضه : هو صراع الحبّ مع الأنانية”.( أ. نغري)
****

أنطونيو نقري( 1933- 2023 )، شخصية فكرية من اليسار الإيطالي لسنوات العنف، يعتبر فيلسوفا ذي مرجعية مناهضة للعولمة . يقترح، استنادا لمفاهيم الإمبراطورية والكثرة، شبكة لقراءة الصراعات السياسيّة لعصرنا الراهن.
****

مجلة الفلسفة:
كان العديد من الفلاسفة ، ومنذ القديم، في نزاع مع السلطة. حكم الأثينيون على سقراط بالإعدام. وُأقصِيَ سبينوزا، وحكم على جيوردانو برينو بالحرق من محكمة التفتيش، وهدّد روسو بالسجن …وقد اتهمتم آنتم بالذات من المحكمة الإيطالية بالمشاركة في اغتيال النائب الدو مورو، دون تقديم أيّ دليل عن تورّطكم. ومن 1979 إلى 1983، سجنتم في منطقة تخضع لرقابة شديدة. كيف تنزّل نفسك بالنسبة إلى تقليد الفلاسفة المعارضين؟

أ. نغري:
– ماذا يعني تقليد؟ لا أحد يتنزل ضمن تقليد. نحن نحيا ونصير ، هذا كل ّ شيء. إنّ تاريخ الفلسفة هو عبارة لاهوت، بناء مجرّد. أنا لا أعتبر نفسي بطل التاريخ المجرّد. إنّ ما يحدث لك من أشياء ، طيلة حياتك، ليست أمور طارئة ، ومن الصعب بناء علاقات بينها. وفيما يتعلّق بي ، فقد قمت بلقاءات ، وناضلت ونشرت بعض الكتب: هذا المسار هو جدّ عينيّ.

– مجلة الفلسفة :
طيف يتقاطع لديكم النضال والتفكير الفلسفي؟

– أ. نغري:
لقد جابهت الاثنين، بشكل مواز. لقد استعملت ، طويلا، مُعَرّفين مختلفين. استخدمت اسمي كاملا، انطونيو نغري، لمساري الجامعي، لإمضاء ترجماتي لهيجل إلى الإيطالية. وطيلة هذا الوقت كان انطونيو نغري يكتب وينشر مؤلفات صغيرة ملتزمة ، حول ” التخريب في المصانع” مثلا.

م. الفلسفة:
انطونيو نغري، هذا تقريبا مزدوجة الشرّ لديكم، المعادل لمستر هايد بالنسبة إلى الدكتور جيكيل…

أ. نغري:
آه،لا، ليس هذا بالمرّة. فالطبيب جيكيل كان طيّبًا ومستر هايد شرّيرا. بينما أنا ، لدى منتقديّ على الأقلّ ، فقد كنت دوما شرّيرا. فمن جهة، كنت انطونيو نغري ” الدماغ” المفترض لحركات النزاع المسلّح لأقصى اليسار طيلة سنوات الجمر؛ ومن جهة أخرى كنت انطونيو نغري ” السيد الشرّير” cattivo maestro ، المعلّم السيئ الذي يفسد عقول الطلاّب. وفي هذه الحالة، صحيح أّني واجهت مواقف عنيفة في صلب اليسار. لكننّي لم أتبنّى مطلقا العنف كممارسة. فلم أخلط بالمرّة بين الأعمال الموجّهة ضدّ أدوات الاستغلال و بين تلك التي تستهدف الأشخاص. ولكن، لنتجنّب النفاق: يوجد العنف، حتّى غير القانوني، في المؤسسات و في مجموع العلاقات الاجتماعية. لنا الحقّ في التساؤل عن هذا الحضور.

المجلة : كيف عشتم فترة سجنكم؟
أ. نغري: إذا كانت لديك القدرة على مقاومة المصائب والألم ، فلا يعسر عليك تحمّل السجن. قضّيت أربعة اعوام ونصف في الإيقاف التحفّظي. وأقول بأنّه لا يكمن الأسوأ في الحرمان من الحريّة بل الاعتباطية. فالتعرّض في كلّ لحظة إلى نظام عبثي، ولزوم التفاوض باستمرار مع الحرّاس، هذا هو ما لا يطاق. مثلا ، كان مقرّرا أن ليس لي الحقّ إلاّ في كتابين في اليوم. وكان الأصدقاء يجلبون لي وثائق أحتاجها في بحوثي. وكانت هذه الوثائق موضوعة في خزانة خاصّة. وكان عليّ الانتظار حتى أقدر على التقدّم في أعمالي. انغمست طيلة تلك الفترة في أعمال سبينوزا. فقد كانت أعماله تصاحبني منذ مراهقتي، وأستطيع تقريبا أن أردّد عن ظهر قلب الإيتيقا. فقد كان فكره قريبا إلى قلبي، ولكن لم أتمكن قطّ من دراسته. ولما كان لي في زنزانتي ما يكفي الوقت، انكببت على الفلسفة السبينوزية وبدأت في تحرير ” الشذوذ الوحشي”. لقد تركّز اهتمامي على انطولوجيا سبينوزا. فهي تسمح لنا بالتفكير في العالم بوصفه أفقا غير قابل للتجاوز، وفضاء تقيم فيه كائنات متفرّدة، لا يطلّ على أي متعال ولا يوجّه أيّ غائية. فسبينوزا هو أوّل فيلسوف منح إطارا ماديّا للوجود البشري. وعلى العكس ممّا يحصل لدى هوبس، فإنّ الرغبة في الحفاظ على الحياة كما يتصوّرها ليست أنانية وعنيفة، بل تصبح حبّا للآخرين وإنتاجا للحقيقة.

نحن نشهد اليوم تحويلات للسلطة، و أصبح للحكومات القومية أقلّ فاقلّ استقلالية، وصارت منذ الآن أنظمة غير حكومية و فوق- حكومية gouvernementaux -supra تضمن السيادة. إنه تحديدا المنطق الجديد للسلطة الذي اخترت الإشارة إليه بعبارة ” إمبراطورية”.
***

المجلّة:
عام 200، بينما وقع سجنك من جديد بعد عودتك إلى إيطاليا، نشرت كتاب ” إمبراطورية” بالاشتراك مع ميكائيل هارت، جامعي أمريكي. هذا الكتاب الذي رحّبت به “نيويورك تايمز” بوصفه” تأليفية نظرية كبيرة للألفية الجديدة”، قد عرف صيتا دوليا . هل بإمكانكم تعريف مفهوم ” الإمبراطورية” الذي يحتلّ مركز تفكيركم السياسي؟

أ. نغري:
بدأ كلّ شيء من ملاحظةٍ: يوجد اليوم سوق عالمي ، يَمْثُل أمامنا بكثافة لم نعْهَدْها من قبل. يشرح بعض المؤرّخين على غرار فارناند برودال بان العولمة ظاهرة قديمة، وأنه قد وُجدت تجارة دولية في نهاية عصر النهضة… ربّما ، ولكن، كان هذا السوق مقتصرا خاصّة على البحر الأبيض المتوسّط ولا يذهب بالمرّة إلى ما وراء طريق الحرير، نحو الشرق. أما اليوم فالسوق هو حقّا كوكبي. بالإضافة إلى أنّ له بعد بيوسياسي: أعني بهذا بأنّ الأسواق المالية ، والبنى الاقتصادية ، والمؤسّسات السياسيّة وحتّى أنماط الحياة مُدْمَجة فيه. يدعو مفهوم البيوسياسي الذي روّجه ميشيل فوكو، إلى فهم إلى أيّ حدّ تستثمر وتهيكل السلطة البيولوجية حياتنا. لقد مررنا فعليا من نظام تقليدي ، سلطويّ ، من الانضباط إلى مجتمع المراقبة حيث يستوعب الأفراد المعايير وتصبح مدمجة في سلوكاتهم. وفيما يخصّ السوق العالمية ، طرحت على نفسي هذا السؤال البسيط: ما هو شكل السيادة التي تمارس على هذا الكلّ دون خارج؟ لقد غيّرت العوملة طبيعة القوّة. نحن نشهد اليوم تحويلات للسلطة، و أصبح للحكومات القومية أقلّ فاقلّ استقلالية، وصارت منذ الآن أنظمة غير حكومية و فوق- حكومية gouvernementaux -supra تضمن السيادة. إنه تحديدا المنطق الجديد للسلطة الذي اخترت الإشارة إليه بعبارة ” إمبراطورية”.

المجلّة:
تلحّون على واقع أن السوق العالمية قد أصبحت من هنا فصاعدا ” كلا بلا خارج”. لماذ؟

أ. نغري:
تشرح روزا لوكسبورغ بأنّ الرأسمالية هي اليوم قدُّت على حساب خارج، أي أنها دائما جزء من مركز كي تمتصّ الهوامش. لقد سمحت هذه الظاهرة بانتشار الرأسمالية فيما وراء حدود الغرب. لنأخذ بعين الاعتبار الاستعمار عبر العالم في القرن 19 أو أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية ، وغزو الغرب إلى حدّ نهاية الحرب الباردة، فقد كان للرأسمالية قوّة جذب مركزي ديناميكية . ولكن، منذ انهيار النظام السوفييتي ، لم يبق لها أي هامش، ولا أي خارجي لامتصاصه. هذه الظاهرة تشغلني، على صعيد فلسفي. والرهان هو في فهم هذا الواقع الجديد لوحدة السلطة الإمبراطورية، لأجل تحديد نقاط الضعف فيها. لا وجود لشكل هيمنة مطلقة ، فمن الممكن للسلطة أن تتحطّم في مكان ما. بات من الواضح من هنا فصاعدا بأنّ التحطيم لا يحصل من خارج.يجب أن يحدث من داخل. هذا هو المهمّ حقّا.

” إنّ التنظيمات غير الحكومية والفوق- حكومية هي التي تضمن من هنا فصاعدا ، السيادة “

المجلّة:
تمارس هيمنة الإمبراطورية على “الكثرة”« multitude »، هذا المفهوم الذي أخذته من سبينوزا ، يشير إلى مجموع أفراد ، أو أيضا ” خصوصيات” singularités. تقترحون استعمال عبارة ” الكثرة” بدلا من عبارة بروليتاريا، التي تبدو لكم عبارة بالية.

أ. نغري:
لقد أضحت مفاهيم الشعب والبروليتاريا والطبقات الاجتماعية من هنا فصاعدا مفاهيم بالية. فهي توافق واقعا تاريخيا معينا، قد اختفى اليوم. ففكرة الشعب مرتبطة بالدولة – الأمّة، وفكرة البروليتاريا مرتبطة بتطوّر الصناعة في القرن 19م. بيد أن الدول – الأمم قد ضعفت واستغلال قوة العمل أخذت شكلا آخر. إنّ أهم مستجدّ يرتبط بازدهار العمل اللامادّي. يميل القطاع الثانوي إلى الزوال، في البلدان الرأسمالية، على حساب الخدمات. وبقدر ما يصبح العمل عرفانيا وفكريا، فلا يمكن تكميمه. فمصوّرك مثلا هو بصدد أخذ صور، لكن ما يفعله، ما قيمته؟ ربما كان جميلا، أو هو غير موفّق تماما. كيف نقيس و ونؤجّر هذا النشاط؟ يهيمن اللايقين عل مجموع العمل اللامادّي. لا يَختزل هذا النمط في نشاطات فكرية أو إبداعية. يجب أيضا آن ندمج فيه القطاع النشيط ، الذي تطوّر تطوّرا كبيرا. يتعلّق الأمر مثلا بالممرّضة التي تعتني بالمرضى، وبمضيفة الطيران المعتنية بالمسافرين والمرشدة الاجتماعية … كان الاستغلال الرأسمالي فيما مضى متصلا بقوّة العمل الخام للعمّال وحيّز هذا الاستغلال كان المصنع. أما اليوم، فإنّ المهارات الذهنية والحاجات الوجدانية هي التي تُستغلّ. وليست المصانع بل المدن الكبرى- التي يعيش فيها من هنا فصاعدا أكثر من نصف البشرية- والتي تمثّل النسيج المنتج. وفي معنى ما ، فإنّ الاستغلال على نحو ما نعيشه في المدن الكبرى المعاصرة هو أكثر سوءا مما سبقه ، إذ لا توجد البتة راحة. فحين تعمل بفكرك آو بانفعالاتك، فأنت في الخدمة لأربع وعشرين ساعة على أربعة وعشرين.

​​​​​​ **
بقدر ما يصبح العمل عرفانيا وفكريا، يتعسّر تكميمه.
. يهيمن اللايقين عل مجموع العمل اللامادّي.
**

المجلّة:
ترون في الكثرة سلطة مضادة للإمبراطورية، كيف لخصوصيات متفرقة أن تنتظم وتعيش معا؟

أ. نغري:
نمسك هنا بمشكل كبير للتقليد الفلسفي الغربي، على نحو ما تأكّد بشكل نهائي في الحداثة، التي تسلم بهيمنة الفرد وقوّته التملّك لديه. لقد أصبح التفكير في العلاقات الاجتماعية وتنظيمها على أساس العقل الأداتي فحسب. ونجد في الفلسفة السياسية للحداثة ، من هوبس إلى روسّو وحتى هيجل ،نفس الأولوية للخصوصية، التي تؤسّس دفعة واحدة العلاقات الاجتماعية، وتصوّر السيادة والمشروعية الدستورية. ساد الاعتقاد لوقت طويل بأن التفرّد أو الخصوصية يُعبّر عنها لأنها تقيم علاقة مميّزة مع الإله، والطبيعة أو مع الفنّ. لقد كان خطأ . كل كائن متفرّد لا يمكنه التغذية والصيرورة والتحوّل إلاّ في علاقة مع الآخرين. فالطفل يموت لو لم يعتني به أحد. لم يوجد روبنسون كريزوي قطّ ولن يوجد. فلا أحد يستطيع العيش بمفرده. والخصوصيات أو الكائنات المتفرّدة في علاقة وتتقاسم نفس الحياة. نحن نحيا في مشترك عفويّ ، نخلقه باستمرار. ونقيضا لنزعة التعالي لمفكري العصر الحديث، فإنّ أهمية المشترك قد أكد عليها فلاسفة آخرون ذوي أهمية قصوى في نظري ، هم ماكيافللي وسبينوزا وماركس. فبالنسبة إلى ماكيافللي ، ليس دور الشعب فحسب، في بناء جمهورية هي في الآن نفسه عادلة وقويّة، دورا مركزيّا، بل الفقراء أيضا. توجد استمرارية ما بين ماكيافللي وسبينوزا حول هذه النقطة. لقد بيّن سبينوزا بأنّ الكثرة ليست بالمرّة معطى، بل أنها تُبْنى. وعند ماركس كانت مفاهيم الطبقة أو صراع الطبقات متراوحة دوما بين بعد اقتصادي وانفتاح على الحرية. يدعونا هؤلاء المفكرين إلى التساؤل عن مسألة تدبير المشترك ، الذي هو منبع الثراء بالذات. نشهد اليوم ظاهرة استغلال الإمبراطورية للكثرة ، والتي علينا مقاومتها. لقد كنت أقول دائما بأنّ هناك صراعا سياسيا وحيدا جديرا بأن نخوضه : هو صراع الحبّ مع الأنانية”.

نغري المتمرّد
ولد انطونيو نغري في بادو 1 اوت 1933 ، في إيطاليا زمن موسيليني . مات أبوه، مؤسس الحزن السيوعي في ليفورنو، سنة 1936. وبعد عشر سنوات، مات أخوه في الجبهة، بعد انخراطه في الجيش. ناضل انطونيو نغري مبكرا في العمل الكاثوليكي، مؤسسة دينية للشباب. وفي سنوات 1950، راود أوساط اليسار الجديد وشارك في إنشاء ” الأوربيرايسم l’« opéraïsme، وهي حركة تدعو إلى تسيير العمال المصانع تسييرا ذاتيا. وفي سنة 1969 ، كان نغري احد مؤسّسي السلطة العمالية ثم استقلالية العمال بدءا من سنة 1973. وقد خاض بشكل مواز مسيرة أستاذ مختص في فلسفة الحقّ، في جامعة بادو. في سنوات 1970، انخرط فصيل من اليسار الإيطالي في العنف. لتصل سنوات الجمر إلى أوجها سنة 1979 مع اغتيال ألدومورو النائب الديمقراطي المسيحي . اتهم نغري بكونه قائد الألوية الحمراء ، وسجن مع عشرات من المناضلين الآخرين بعد عملية محاصرة لأوساط الاستقلالية العمالية. وكانت تهمة نغري هي التمرد المسلح ضدّ الدولة، والاختطاف والمشاركة الطوعية في عملية اغتيال ألدومورو، وفي سبعة عشرة عملية قتل أيضا – لتسقط هذه الاتهامات فيما بعد. ومن عام1979 إلى 1983، وضع تحت الرقابة الجبرية. انتخب نائبا سنة 1983 عن قائمة الحزب الراديكالي غير العنيف والسلمي، وتمتّع بالحصانة البرلمانية، التي سمحت له بالخروج من السجن. وبعد مضي أشهر ونتيجة لتصويت في البرلمان طالبت به الأحزاب المحافظة ، رفعت عنه الحصانة. وفي اليوم السابق لهذا التصويت، اختار نغري النفي في باريس. وسميّ سنة 1983، عضوا بالمعهد العالمي للفلسفة ، الذي ينشطه جاك داريدا. درس في باريس 8 وفي المدرسة العليا للمعلمين. اشتغل نغري، وهو القريب من جيل دولوز وفيليكس قاتاري ، مع ميكائيل هارد على مخطوطة “الإمبراطورية”. وفي سنة 1997، وفي عودته إلى إيطاليا، وقع سجنه مرّة أخرى. وخضع لنظام المراقبة البوليسية سنة 1999، ثم وقع إطلاق سراحه سنة 2003. وفي عام 2005، صوّت بنعم للاستفتاء على دستور الإتحاد الأوروبي، مثيرا بذلك عديد الاعتراضات في صلب اليسار.

المجلة :
هل المناهضين للعوملة هو في نظرك حاملي مشروع سياسي جدير بالثقة؟

أ. نغري:
لدي بالأحرى تعاطف مع المناهضين للعولمة واجد نفسي قريبا من فريق المتمرّدين، الذي لعب دورا حاسما في جنوة عام 2001، في إبان المظاهرات ضدّ قمة ج 8. لكنّني ألاحظ بأنّ حركة المناهضين للعولمة قد دخلت في أزمة عميقة، مرتبطة بعجزها عن اقتراح أشكال تنظيم دائمة. وخلف هذه الأزمة، يوجد مشكل أثر جوهرية هو مشكل التمثّيل. فاليوم، وفي البلدان الغربية ، لا يمثّل المنتخبون بالاقتراع العام مصالح المواطنين. فالتمثيل كما مورس ليس له أيّ طابع وساطة اجتماعية، ولا يوافق ما تصوّره آباء الديمقراطية التحرّرية. إنّ تطوّر وسائل الاتصال ، وأشكال الصراع من أجل التأثير، الناتجة عن العولمة تمنع حسن اشتغاله(أي التمثيل). إنّ الرهان الأبرز للمناهضين للعولمة هو الدخول إلى هذا الميدان واقتراح إصلاحات دستورية. نحن لا نرى قطّ أيّ حدود يمكن أن تؤدّي إليها هذه المقترحات.

المجلّة:
يحصل لنا انطباع ، ونحن نستمع إليك، بأنّ كلّ موضوع معاصر ، في البلدان الغربية ، هو فصاميّ : الاستفادة من السوق في ذات الوقت الذي يستغلهّ فيه هذا السوق، فيجد نفسه بشكل متزامن في جانب الإمبراطورية والكثرة؟

أ. نغري:
هو تناقض أقدم من الرأسمالية . يقارن ماركس بعدُ العامل بعصفور حرّ: ففي الوقت الذي يبني فيه عشّه يطير هنا وهناك. هذا بالضبط لأنّكم تشعرون بالحرية وأنكم منتجين أكثر من عبْد ، محروم من كلّ حريّة. فبقدر ما يكون العمل لاماديّا ، فكريا ، بقدر ما تكون حرية الفكر ضرورية حتى نكون منتجين. لابد من اكتساب نوع من مستوى من التربية، والقدرة على إظهار نوعا من استقلالية القرار. يوجد إذن مبرر للأمل: الحرية نفذت إلى رأس الكثرة!

المجلّة :
ما هي نظرتكم إلى الانتخابات الأخيرة( انتخابات 2006) في إيطاليا؟

أ. نغري: إنّ النتيجة التي هي على أقلّ تقدير ملتبسة تجعلنا نتوقّع بمخاطر شديدة بالنسبة إلى مستقبل الديمقراطية في بلادنا. فسيلفيو بارلوسكوني يُمثّل كل ما أكرهه في السياسة، لكن يجب الإقرار بأنّ تمرين السلطة البيولوجية التلفزية من قِبَلِه، قد كشفت خواء اليسار المابعد شيوعي في إيطاليا. لقد أصبحت إيطاليا ، مثلما هو الحال في 1920 ، مخبرا لليمين الشعبوي. يجب الحذر مما سيقع الآن، إذ تبدو لي مظاهر العنف ممكنة من جديد.” ( مجلة الفلسفة عدد2 ماي 2006)

Article issu du magazine n°2 mai 2006
propos recueillis par Seloua Luste Boulbina publié le 24 mai 2006