المجلة الثقافية الجزائرية

حينَ ينزفُ الياسَمين ويُزهرُ الجُرح: مُقاربة أسلوبيَّة لخطابِ الاغترابِ والتمرّدِ والمقاومةِ في شعر حِلمي الزّواتي

حينَ ينزفُ الياسَمين ويُزهرُ الجُرح: مُقاربة أسلوبيَّة لخطابِ الاغترابِ والتمرّدِ والمقاومةِ في شعر حِلمي الزّواتي – تحليلٌ دلاليٌ لمجموعةِ قوافي الدَمِ والياسَمين

علي عبدالفتاح*

 

ملخص

This article presents a deep stylistic and semantic analysis of the poetic oeuvre of Hilmi Zawati, focusing on his translated collection Rhymes of Blood and Jasmine as a concentrated representation of a poetic journey spanning five decades of exile and struggle. The study adopts an interpretative-analytical approach that highlights how this poetry goes beyond the aesthetic dimension to form an intellectual project grounded in the triad of challenge, exile and resistance, in close interaction with the Palestinian context and its historical transformations.

The study shows that Zawati’s poetic discourse goes beyond the boundaries of the self to establish a humanistic and national horizon, where individual experience intersects with collective memory within a dense symbolic structure that evokes concepts of identity, nostalgia, and revolutionary anger. Stylistically, the text is built upon the dialectic of opposing binaries (blood/jasmine, death/life), producing complex meanings that reflect the tension and metaphysical depth of the experience. The image of the martyr, the wounded city and the child victim also emerge as signifiers that establish a memory of resistance, lending the text a universal human dimension. Thus, its expression surpasses linguistic and national boundaries to engage with major human conditions in the literature of global resistance.

The article also places Zawati’s work in a comparative context with that of international poets, thereby reinforcing its universal dimension. It compares him to major poets such as Brecht, Lorca and Éluard, and spotlights the testimonies of international critics who have praised his collection Rhyme of Blood and Jasmine. The article also analyses themes of revolutionary anger, the image of the martyr, the poet’s relationship with authority, and his position towards ‘salon’ poets, citing his statement: ‘I refused to let politicians write the rhymes for my poems’.

The study also examines self-translation in Zawati’s work as an act of creative reproduction and criticises the reductionist tendency to represent Palestinian poetry through a single model. It concludes that his poetry embodies an advanced model of socially engaged poetry that unites aesthetic value with a human dimension, whilst maintaining its aesthetic independence and rejecting ideological subservience, thereby becoming an active poetic voice that stands for humanity, freedom and dignity.

 كلمات مفتاحية: حلمي الزواتي، قوافي الدم والياسمين، شعر المقاومة الفلسطينية، الإبادة في غزة، الاغتراب والمنفى، الترجمة الشعرية، الالتزام الإنساني. 

مقدمة

أعترف منذ البداية أن هذا العمل ليس بحثا أكاديميا خالصا بما درجت عليه التقاليد العلمية من الصرامة المعهودة، وإنما هو كما يقول العلامة الدكتور شاكر مصطفى في تقديمه لأعمال حلمي الزواتي الشعرية الكاملة، ” فالشعرُ لاَ يُكْتَبُ عَنْهُ بِحُروفِ المَنْطِقِ وَلكِنْ بِالنَّثْرِ المَجْنوُن، بِشِعْرٍ مِن مِثْلِهِ مَسْفوحٍ مَعَ الكُروم، بِجَناحٍ طَليقٍ مَعَ الإِفاقَةِ في الرُّؤى، وَمَعَ خَفْقَةِ النُّجُومِ حَتَّى سِدْرَةِ المُنْتَهى، وَمَعَ مِجْدافِ البِحَارِ السَّبْعَةِ وَالسَّمواتِ السَّبْع.”1

وعليه، فإن هذا المقال يندرج ضمن حقل الدراسات الأدبية التي تتقاطع فيها القراءة النقدية المعمقة مع الحسّ الجمالي والانخراط الوجداني، حيث يسعى إلى مقاربة تجربة شعرية عربية معاصرة تأسست على ثلاثية مركزية: التحدي، الغربة، والمقاومة. ويتخذ المقال من شعر الدكتور حلمي الزواتي نموذجًا تطبيقيًا لتحليل هذه الثلاثية، بوصفه صوتًا شعريًا يتجاوز حدود التعبير الذاتي إلى فضاء الالتزام القومي والإنساني، مستنداً إلى تجربة مَعيشة تتداخل فيها المنافي مع الذاكرة، والجُرح الفردي مع الجُرح الجمعي.

تكمن أهمية هذا المقال في كونه لا يكتفي بتقديم قراءة وصفية لشعر الزواتي، بل يسعى إلى تفكيك بنيته الدلالية والرمزية، واستكشاف آليات اشتغال الخطاب الشعري لديه، خصوصاً في سياق أدب المقاومة الفلسطينية والعربية. كما يكتسب قيمته من تركيزه على مجموعة “قوافي الدم والياسمين” بوصفها نصاً مركزياً يجمع بين التجربة الشعرية والترجمة الذاتية، مما يفتح أفقاً نقدياً إضافياً يتعلق بإشكالية نقل الشعر بين اللغات، والحفاظ على جوهره العاطفي والجمالي.

منهجياً، يعتمد المقال مقاربة تحليلية – تفسيرية ذات طابع تأويلي، تمزج بين القراءة النصية الدقيقة واستحضار السياقات التاريخية والسياسية التي أنتجت هذه النصوص. كما يوظف الكاتب المنهج المقارن عبر ربط تجربة الزواتي بتجارب شعراء عالميين، مما يسهم في إبراز البعد الكوني لشعره، ويؤكد انخراطه في خطاب إنساني عابر للحدود الجغرافية والثقافية.

أما على مستوى البناء، فيتوزع المقال على مجموعة من المحاور المتكاملة، تبدأ بتأطير تجربة الشاعر وسيرته الإبداعية، ثم تنتقل إلى تحليل موضوعات أساسية مثل الغربة، والهوية، والالتزام، والغضب الثوري، وصورة الشهيد، وصولاً إلى استكشاف علاقة الشاعر بالسلطة وبالخطاب الثقافي السائد. كما يولي المقال اهتماماً خاصاً بالبنية التصويرية والرمزية في النصوص، وباللغة الشعرية التي تتراوح بين الحنين والانفجار، وبين التأمل والاحتجاج.

في المحصلة، يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة معمقة في مجموعة الدكتور حلمي الزواتي الشعرية المترجمة “قوافي الدم والياسمين”، لتكشف عن أبعاد شعره الجمالية والفكرية، وتبرز مكانته ضمن شعراء المقاومة، بوصفه شاهداً على زمن عربي مأزوم، وصوتاً يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي العربي والإنساني عبر الكلمة الشعرية الخلاقة.

هذه المجموعة المتميزة

قوافي الدم والياسمين — Rhymes of Blood and Jasmine مجموعة شعرية جديدة للشاعر العربي الدكتور حلمي الزواتي تضم خمس عشرة قصيدة مختارة بعناية فائقة من مجموعاته الشعرية العشر المنشورة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وكذلك بعض القصائد المنشورة خلال العقود الثلاثة الماضية في الصحف والمجلات العربية ترجمها الزواتي بنفسه الى الانكليزية؛ وهي في جوهرها،على حد تعبير البروفيسور مريي ربيز Mireille Rebeiz —رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط والأستاذ المشارك في كلية ديكنسون، في تقديمها لهذه المجموعة المتميزة، “مرافعة” ودعوة للوقوف من أجل العدالة، من أجل المهمشين، من أجل اللاجئ والمنفي، من أجل الطفولة المقتولة، ومن أجل القرى الفلسطينية المدمرة، ومن أجل العراق ولبنان، البلدان العربيان اللذان لم يكونا يوماً بمنأى عن الحروب والاحتلالات الأجنبية.2

اشتق الشاعر الزواتي اسم هذه المجموعة من عنوان إحدى قصائدها المترجمة “تهليلة الدم والياسمين”3 في رثاء الطفل الشهيد محمد الدرة الذي قتلته قوات الاحتلال الصهيوني في حضن ابيه خلال الانتفاضة الثانية بدم بارد، لينبه القارئ إلى أن قصائد هذه المجموعة مثقلة بالجراح، وأوسعها وأعمقها جرح فلسطين المشرع للعذاب منذ سايكس- بيكو حتى كتابة هذه السطور. 

وعلى غير عادته في جميع مجموعاته الشعرية المنشورة السابقة، استهل الدكتور الزواتي مجموعته هذه بمقدمة بعنوان “هذه القصائد ومحنة الشعر الفلسطيني المترجم”، حيث وضَّح فيها ثلاثة أمور في غاية الأهمية: الأول أن مشروع ترجمته لهذه المجموعة قد تأخر ثلاثين سنة على الأقل كونه كان مطاردا بالمقولة الإيطالية الشهيرة “المترجم خائن”— Traduttore, traditore وتعززت مخاوفه

في مطلع الألفية الثالثة عندما كلفه ناشر في نيويورك أن يُحكِّم ترجمة مجموعة شعر عراقية، فلمس فداحة الأخطاء التي وقع فيها المترجم وكيف فشل في التقاط جوهر النُّصوص الأصلية. والأمر الثاني أن ترجمته لمجموعته “قوافي الدم والياسمين” قد منحته تجربة غير مسبوقة في فن ترجمة الشعر، حيث تعلم أن الشعر لا ينبغي أن يُترجم كلمة بكلمة، ولا جملة بجملة، ولا حتى فكرة بفكرة، بل يجب أن ينقل الأحاسيس التي تنبض بها القصيدة بنفس القوة وبنفس الإشراق الشعري الى القارئ المستهدف، وهو في هذه الحالة القارئ المتحدث بالإنكليزية.4

والأمر الثالث هو اكتشافه محنة ترجمة شعر المقاومة الفلسطينية، وكيف انتقلت اليها ظاهرة “التصنيم”— Idolisation من السياسة الى الأدب، حيث وجد أن أكثر من 80% من الشعر الفلسطيني المترجم يخص شاعرا واحدا،5 وهذا على رأي الشاعر الفلسطيني الراحل فيصل قرقطي يعود إلى سببين رئيسين، أحدهما سيطرة أفراد متنفذين سياسيا وأمنيا على إدارة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، حيث كانوا يختارون شعر من يتوافق مع ميولهم أو من يُطلب منهم إبرازه، والسبب الثاني هو تشابك المصالح والعلاقات الشخصية الفاسدة.6

ما يميز هذه المجموعة المختارة عن غيرها من المجموعات الشعرية المترجمة، هو أن الشاعر نفسه هو الذي ترجمها بنفسه، وبالتالي هو الأقدر على الوصول الى أعماقها، ونقل نبضات قلبها الى مسامع وقلب المتلقي بصوت نقي لا يحتمل التأويل والتكهن، حيث اصبح كثير من النصوص المترجمة أشبه بالأحاجي أو اللوحات السريالية المتشابكة. 

الشاعر المطارد بأوجاع الوطن

الشاعر الزواتي،7 هذا الطائر الجريح، يرفرف بأجنحته في أفق مأساوي مخضب بدم الشهداء ونزيف الوطن المحتل. تنهار المدن الضبابية من حوله وبلاد يغمرها الرماد، ولكنه يظل محلقا في ربوع زواتا، وحيفا، ويافا، والخليل والقدس، ونابلس. يعانق مدن بلاده ويقرأ عليها قصائد التحدي والنضال والثورة.

عرفته شاعراً قلقا لا يستقر على حال،8 مسكونا بحب وطنه، يحمله في ثنايا الروح، ويغنى للمأساة، ويبدع في رسم صور معاناة شعبه الأبي في فلسطين، ويرحل من منفى الى منفى. يغني للوطن الضائع على خارطة الكون، هذ الوطن الذي يسكن روح وقلب الشاعر، رغم المنافي والرحيل من بلد الى اخر، ومن صحراء الى صحراء، ومن مدينة إلى أخرى، فإن الشاعر لا يزال يقف شامخاً كالنخل العربي العالي؛ لا تهزمه الريح ولا تثنيه العواصف مهما كانت عاتية:

سِتُّونَ عاماً

مِنَ القَمْعِ وَالقَهْرِ تَحْتَ ضُلوعي تُهاجِرْ 

سِتُّونَ عاماً أُفَتِّشُ عَن مَوْطِنٍ يَحْتَويني

سِتُّونَ عامًا وَصَدْرِيَ شُبَّاكُ نارْ

وَما كَفَّ قَلبي عَن العِشْقِ يوْماً

وَما كَفَّ يَوْماً عَنِ الانْتِحارْ

وَما كانَ يَوماً يُحِبُّ المَنافي

وَلا الانْتِظار9

عرفته في الكويت10 مطلع ثمانينيات القرن الماضي، فأهداني بعضا من دواوينه الشعرية. وكلما تصفحتُ كلماته تفجرت ينابيع االتمرد في قلبي .. وصعدت وردة الياسمين تمنح المعاني إشراقاً وتفاؤلاً بأن الغد القادم، لا محالة قادم، هو الأفضل، وهو حُلمنا جميعاً في مقاومة أعداء الحق والحرية، والانتصار على قتلة الأطفال ولصوص الأرض، ومزيفي التأريخ. سيأتي يوم تَعزفُ فيه الأرضُ سيمفونية العودة، فيلتئم الجرح وننشد معها ومع الزواتي نشيد الخلاص.

الشاعر الملتزم عاشق وطنه

عرفته شاعراً ملتزماً11 بقضايا وطنه وعروبته. عرفته ايضاً صوتاً يصدح بجماليات وطنه فلسطين ومدرج طفولته زواتا. وفي الحقيقة، كانت اشعاره ولا تزال تلهمنا بجسارة مواجهة التحديات واختراق حدود الغضب، وإعلان الرفض والتمرد في وجه العدو الذي يلتهم ارضنا ويشردُ شعبنا.

إن الشاعر حلمي الزواتي12 لم يكن مجرد شاعر يُعبّر عن عذابات الإنسان الفلسطيني وحده، ولكنه كان يعبر عن جراح الأمه العربية من المحيط الى الخليج، وفي كل أرض تعاني القهر والاضطهاد والظلم، كل أرض يقف فيها الإنسان بوجه الطغاة ومغتصبي السلطة بعيدا عن حدود الجغرافيا والزمن.

مِنَ المَاءِ لِلْماءِ سِجْنٌ

وَ فِي السِّجْنِ سِجْنٌ وَ ُكلٌّ سَجينْ

وَ فِي السِّجْنِ يُؤْكَلُ لَحْمُكَ حَيًّا

وَ لَحْمُ فِلِسْطينَ…

لَحْمُ العِراقْ

يُوَزَّعُ فِي اللَيْلِ سِرًّا

يُسَافِرُ عَبْرَ المُحيطاتِ…

يُهْدى لِحاكِمِ تِكْساسْ 

يُقَدَّمُ شُـكْراً عَلى ذَبْحِنَا

مِنَ المَاءِ لِلْماءِ نُذْبَحُ مُنْذُ عُقُودٍ

وَ نُحْسَدُ أَيْضاً عَلى صَمْتِنَا13

حين تقرأ اشعار14 حلمي الزواتي لا بد ان تنتفضَ روحُك، ويرحل فكرُك إلى أبعاد جديدة، وأحلام دانية قطوفها ذُللت تَذليلا، وتحلم بالحرية لكل من استُعبدوا قهرا وظلما في الأرض. وتشتهي أيضا أن تشهر سيفك وتطعن قلب الخيانات والتخاذل والبغي. أولئك الذين انحازوا إلى قوى القهر في العالم ليحققوا امتيازات وهمية، وهم لا يدرون أنهم انخلعوا من ربقة الإنسانية.

شاعر عالمي

حلمي الزواتي شاعر يقف شامخاً على منصة الشعر العالمي، كتفا بكتف مع شعراء عالميين،15 ويمتزج صوته مع أصواتهم من اجل حرية الشعوب والنضال الانساني ضد الفقر والإرهاب والقمع، وأن تزهر شجرة الياسمين رغم جدب الأرض والصحراء المقفرة، رغم الرصاص والقنابل والصواريخ الحارقة تنهض شجره الياسمين المروية بدموع الأطفال والنساء في الخيام المهترئة المترامية على امتداد الجرح وحدود الوطن.

لقد تجاوزت أشعار الدكتور حلمي الزواتي حدود وطنه فلسطين، بل حدود العالم العربي جميعها، ليصبح شاعرا عالميا حقق لذاته مكانة كبيرة بين مشاهير شعراء وأدباء العالم : برتولدبريخت Bertolt Brecht، جاك رومين Jacques Roumain، إيميه سيزير Aimé Césaire، بول إيلوار Paul Éluard، فيديريكو غارثيا لوركا Federico García Lorca، ألكسندر بوشكين Alexander Pushkin، فلاديمير ماياكوفسكي Vladimir Mayakovsky وغيرهم. هذا ما أشار اليه الأديب المصري الراحل فاروق منيب، وأكده الدكتور شاكر مصطفى في مقدمته الرائعة لأعمال الزواتي الشعرية الكاملة.16 وما يؤكد ذلك في هذا المقام هو استحواذ أشعاره، وبالذات مجموعة “قوافي الدم والياسمين” على إعجاب الكثيرين من مشاهير شعراء ونقاد العالم الغربي، فحمل الغلاف الأخير للمجموعة عددا من شهادات الإعجاب والتقدير. لقد أكدوا جميعهم على أن هذه المجموعة للشاعر الزَّواتي قد أظهرت عمقاً كبيراً في تجسيد التجربة النضالية الفلسطينية، حيث تجاوزت الحدود الجغرافية والثقافية لفلسطين والوطن العربي لتسهم في الحوار الإنساني العالمي. لقد أكدت ميراي ربيزMireille Rebeiz ، رئيسة قسم دراسات الشرق الأوسط والأستاذة في كلية ديكنسون، وإينيس أشيريتش- تود Ines Aščerić-Todd، أستاذة الثقافات العربية والشرق أوسطية في كلية الآداب واللغات والثقافات بجامعة إدنبرة، وجيوفانا ريتشيو Giovanna Riccio، الشاعرة الكندية الحائزة على عدة جوائز،على الأهمية الأدبية لهذه المجموعة الفريدة من شعر المقاومة الفلسطينية، كما سلّطن الضوء على مواضيع التشرد، والحنين، والمقاومة في أعمال الزَّواتي، معتبرات أن شعره يشكل تحدياً حياً وتوثيقاً لحق الشعب الفلسطيني في أرضه التي انتزع منها قسرا بمباركة القوى الكبرى المتصهينة التي غذت آلة العدوان وأغمضت عينيها عن جرائمه. 

كما وضع جورج إليوت كلارك George Elliott Clarke، الشاعر الكبير وأستاذ الأدب الكندي في جامعة تورنتو، الزَّواتي في سلالة شعراء الحرب العالميين، مستشهداً بـِ ويلفريد أوين Wilfred Owen للتأكيد على الأهمية الأخلاقية الملحة لقصائده. بالنسبة لكلارك، هذه القصائد ليست رثاء بل هي مرافعات – مناشدات من أجل العدالة. كما يرى النقاد مثل دانييلا روديكا فيرانيسكو Daniela Rodica Firanescu، الشاعرة الكندية اللامعة وأستاذة الدراسات العربية في جامعة دالهاوزي، وجون بيتر بورتيللي John P. Portelli ،الأستاذ بجامعة تورنتو، والشاعر الفيلسوف والكاتب الروائي الكندي، أن هذه المجموعة تربط بين الحب والمنفى، والمقاومة في سياق من العدالة والذاكرة، كما تؤكد على دور الشعر في تشكيل الوعي الأخلاقي وتعزيز التضامن بين الثقافات، كما أنها تثري كذلك دراسات الأدب العالمي المقارن وعلوم الترجمة.

قصائد ممنوعة التجوال17

في تلك الفترة التي ازدهرت فيها حركة الشعر المقاوم في العالم العربي، وتألقت فيها قصائد أمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، وأحمد حجازي، وحسن فتح الباب، وعبدالوهاب البياتي، وشاكرالسياب، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زيّاد وغيرهم، توقدت أيضا طاقات حلمي الزواتي الشعرية، حيث غطت قصائده منذ نهاية ستينيات القرن الماضي مساحات واسعة من الأدبيات العربية، وعرفته منابر الشعر في كثير من التجمعات الأدبية والأكاديمية، متفرداً بذات تتسلح بجرأة التعبير والارتباط بقضايا وطنه رغم ما يواجهه من المخاطر. وأذكر أن بعض دواوينه مُنعت من دخول بعض الأقطار العربية خوفا من كلماته التي تلهب المشاعرأو تدين سياسات الأنظمة القائمة على جثث الضحايا والشهداء. ومن تلك الدواوين التي تعرضت للمنع ديوان “قصائد ممنوعة التجوال”. ومن المواقف الساخرة والطريفة معا أن بعض أنظمة الرقابة على المطبوعات في بعض الدول العربية منعت الديوان من دخول أراضيها دون أن تقرأه، وقالت للشاعر إن عنوان ديوانك يدعو لمُصادرته، وها هو قد صادر نفسَه بنفسِه. ومن الجدير بالذكر أن هذا العنوان قد حاز على إعجاب الشاعرة العراقية نازك الملائكة قبل صدور طبعته الأولى عام 18.1980

لم يتفرد ديوان “قصائد ممنوعة التجوال” بهذا النفس المتمرد والروح التواقة للانعتاق، ولكن قصائد الزواتي الأخرى المتقدة قد احتلت مساحات واسعة من دواوينه، فحملت على الأنظمة التي تخاذلت في الدفاع عن العراق وعن بقاع مختلفة من الوطن العربي، حيث تعرض أهلها للقتل والتشريد ولم يجدوا صدرا حانيا ولا يدا تهب لنجدتهم. لم يرق هذا لبعض أنظمة الرقابة عندما شاهدوا وجوه أسيادهم البشعة، فلم يطيقوا رؤيتها، فأمروا بمصادرة تلك الدواوين كي لا تجد طريقها الى القارئ العربي:

كَما النَّفْطُ يا أَيُّها الصُّبْحُ

باعُوا رَخيصاً دِماءَ الحُسَيْنْ

باعُوهُ لَيْلاً بِدُونِ مَزادٍ…

وَ غَلّوا اليَدَيْنْ

وَ ساقَ النَّواطيرُ كُلَّ بَناتِ مُحَمَّدْ 

سَبَايا يُقَدَّمْنَ- بِاسْمِ التَّحَرُّرِ- لِلأَجْنَبِيْ

بَاعُوا الفُراتَ

وَ نَخْلَ العِراقِ 

وَ بَيْتَ الرَّشيدِ

وَ قَبْرَ النَّبِيْ19

في رحاب الشاعر20

كنت رفيقا وصديقا وقارئا للشاعر الزواتي أثناء وجودنا في الكويت، ولا أزال. وللحقيقة التاريخية، لقد أفردت الكويت مساحة كبيرة للنشاطات الثقافية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فكانت تُعقد أكثر من أمسية شعرية أو محاضرة أو ندوة في الوقت ذاته في الجمعيات المهنية أو مدرجات جامعة الكويت، لدرجة أن أحدنا كان يحار إلى أيها يذهب. كان الشاعر الزواتي دائم الحضور والمشاركة في هذه اللقاءات الثرية، وأذكر محاضرته الشهيرة عن فلسفة الأدب الصهيوني وأمسيته الشعرية برابطة الاجتماعيين بدعوة من الاتحاد الوطني لطلبه البحرين بجامعة الكويت بموسمهم الثقافي، وكيف بقي هذا الحدث الثقافي محور حديث الأوساط الثقافية فترة طويلة.21 وقبلها بعامين أو ثلاثه قام المطرب البحريني خالد الشيخ، وكان آنذاك طالبا بجامعة الكويت، بتلحين وغناء عدد من قصائد الزواتي الوطنية من ديوانه “عبير الدماء”. وأذكر أيضا مشاركته الفعالة في الأمسية الشعرية الحاشدة التي عقدت في أعقاب الاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان وحصار بيروت عام 1982، وما تلا ذلك من مذابح، ولا سيما مذبحه صبرا وشاتيلا التي وثقها الشاعر الزواتي في رائعته “وتنشر بيروت أسرارها”.

عندما ارتحل الشاعر الزواتي عن الكويت إلى كندا نهاية ثمانينيات القرن الماضي كتبتُ مقالا عنه أشبه ما يكون بالرثاء22 خوفا على تجربته الفريدة في شعر المقاومة، وألحَّيتُ عليه بالعودة حيث يعيش أهله ومحبوه وقاعدته الجماهيرية العريضة. تبين لي فيما بعد أنه دخل مشروع تعميق تجربته الأدبية والأكاديمية بالعودة الى مقاعد الدراسة فحصل على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي الدولي للطاقة، ثم الدكتوراه في القانون الجنائي الدولي من جامعة مكجيل McGill Universityالعريقة، ودُوّنَ اسمه في صفحة الجامعة تحت بند اشهر الخريجين.23 كان هذا بحد ذاته تحولا إيجابا كبيرا في حياة الزواتي، انعكس في نشاطه السياسي والإبداعي، فدأب على نشر أبحاث ومقالات كثيره تحلل الموقف السياسي والقانوني ومعاناة ابناء وطنه في فلسطين، كما لبى دعوات لأمسيات شعرية ومحاضرات في كثير من المنابر الأكاديمية والتجمعات المهنية في عدد من المدن الكندية والأمريكية والأوروبية. وبنفس القوة دافع عن ضحايا الربيع العربي، فقدم شهادته أمام لجنة حقوق الانسان الدولية ولجنة مناهضة جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في البرلمان الكندي أكثر من مرة، أعقبتها موافقة الحكومة الكندية على استضافة أكثر من خمسة وثلاثين ألف سوري من مخيمات اللجوء في الأردن ولبنان وتركيا.24 وفي أعقاب إخماد نار الانتفاضة الأولى، واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية، التي تهيمن عليها منظمة فتح برئاسة ياسر عرفات، واعترافها بدولة الكيان الصهيوني وتوقيع اتفاقات أوسلو المشؤومة عام 1993، تلاشت معظم الأصوات الشعرية التي تقاوم الاحتلال وتحفز على الثورة. وظل صوت حلمي الزواتي متفردا بغنائياته للوطن ولو من تخوم صحاري الجليد في كندا. وأستطيع أن أؤكد كناقد ودارس لشعر الزواتي على مدى أربعة عقود أنه لم يتغن يوما في “مديح الظل العالي” او ينحز الى مؤسسات أو أنظمة قد تستقطب إبداعه أو تملي عليه قوافي قصائده. نعم، “الزواتي لا يعرف السياسة ولا تعرفه، وإن كانت كل حياته”، كما قال شيخ الأدباء وأديب المؤرخين الدكتور شاكر مصطفى.25

وفي هذا الخصوص، صدع الزواتي26 برأيه في صراحة لا تحتمل التأويل: “فبقدر حبي لفلسطين كنت بعيدا عن التأطير والتحزب، وانا مقتنع تماما بهذا الايمان، لأنني رفضت أن أرهن كلماتي في السوق، أو أن أكتب بمداد الاخرين. لقد رفضت أيضا أن يكتب لي السياسيون قوافي قصائدي، لأن الشعر حرية، وترتيله في معبد الوطن، والشاعر أكبر من كل الأطر والأحزاب”.27

الشاعر والسلطة28

ويمكن أن تسال أين شعراء المقاومه الآن؟ لقد رحل من رحل، واختفى من اختفى، وصمت من صمت، وانحاز البعض الى خندق السكون والتلاشي، وظل على قمة الشعر الثوري والإنساني هذا الشاعر الموزع بين حلم الرجوع الى مدارج طفولته في زواتا، التي أدمت معصميها قيود الاحتلال، وعودة ابناء الخيام الى غزة، وتحرير الأرض المغتصبة رغم دعوات الإحباط والخذلان الجاثمة على صدر شعبه المقتلع.

ويعبّر الزواتي عن مواقف الشعراء الذين انحازوا إلى السلطه فيقول:”لقد كسبت شرف الالتصاق الحقيقي بالجماهير عبر المواجهة المجسدة باللحم الحي والرصاص الحي والاحساس بالعذاب القائم والترحال الدائم، وأما أولئك الذين رهنوا سيوفهم، وبرزوا تحت مظله التبادل الثقافي للأنظمة والتنظيمات فإن جماهير شعبنا الواعيه المثقفة قادرة على كشف ادعاءاتهم وتعريتهم ثم اسقاطهم”.29 كيف يكون شاعر مقاومة من ينفق في ليلة واحدة أكثر ما تنفقه عشر أسر فلسطينية في عام واحد؟30

هوية مواطن بين الخذلان ونزيف الجراح

في قصائد الزواتي31 صور مكثفة حول الإنسان الفلسطيني الذي يواجه تحديات الظهر المكشوف، والغدر والخذلان، ومحاولات العدو الصهيوني محو هويته. ولكن الشاعر قد وقف متصديا لهذه التحديات بجسارة وفخر بانتمائه لوطنه وحلمه الكبير بحريته، فيقول من قصيدته المربدية “آتون من مدن الرماد”:

وُجْهَتُنَا البَصْرَةُ

وَ البَصْرَةُ صَامِدَةٌ

وَ نِسَاءُ البَصْرَةِ شَامِخَةٌ كَالنَّخْل ِالعَرَبِيِّ

اسْتَوْقَفَني النَّخْلُ

امْتَدَّتْ إِحْدى النَّخْلاتِ وَ قَالَتْ فِي خَفَر:ٍ

مَنْ هذا الرَّاحِلُ؟

قُلْتُ أَنا مِنْ أَرْض ِفلِسْطينْ

وَ عَلامَاتي فِي ظَهْرِيَ سِكِّينٌ

فِي صَدْرِيَ إِسْفينْ

وَ بِلادي بِيعَتْ لَيْلاً

كَانَتْ تُذْبَحُ مَهْلاً مَهْلاً

وَ طَويلُ العُمْرِ يُقَصِّرُ عُمْرَ النَّاس ِ،

يَقُصُ جَديلَتَها،

وَ يُمَزِّقُ ثَوْبَ طَهَارَتِهَا،

وَ يُصَادِرُ – عُنْفا ً- دَمْعَتَها …

كَانَ طَويلُ العُمْرِ ذَكِيًّا

وَ يُشارُ إِلَيْهِ بِذِي القَرْنَيْن ِ

وَ قُرونٌ أُخْرَى تَرْبِضُ تَحْتَ عَمَامَتِهِ

يُخْفيهَا مُنْذُ سِنين ٍ

يَا أُخْتَاهُ…

لَقَدْ بِيعَتْ فِي الليْل ِ فِلسْطين32!!

لقد منح الشاعر هنا الصور الرمزية بعدا تاريخيا عن هؤلاء الذين تاجروا بأرض فلسطين، وباعوا التاريخ والأرض، وظلت صفحات التاريخ مخضبة بدماء الاطفال والنساء ضحايا المؤامرة التي نُسجت خيوطُها في الظلام على منوال مهندسي سايكس – بيكو دون أن يدري أبناء الأرض ما يحاك لهم. فالخيانات جرح آخر ينزف في حسرة وألم، وبين هذا وذاك يقف ذو القرنين بعمامته يتيهُ بذاته الخربة، وسقوطه الماساوي في براثن الطغاة وإغراءات الزّعامة الموهومة.

فلتنصب اللعنات السوداء على أم رأس هذا العالم الذي تجرد من إنسانيته كما صور ذلك الكاتب الانجليزي جون اسبورن John Osborne في مسرحية “أنظر وراءك في غضب”33 حيث يقف البطل المسلوب المطعون في حياته ووطنه بعد اعتداء انجلترا وفرنسا ودولة الكيان الصهيوني على مصر عام 1965، ويصرخ قائلا: اللعنه عليكم جميعا! تقهرون الشعوب، وتشربون النبيذ، وتضحكون، وخلفكم أوطان تنهار، وشعوب تغرق في مأساتها الدامية.

أنظر وراءك في غضب  

تتجلى سمة الغضب في قصائد حلمي الزواتي للقارئ دون عناء. هذا الغضب المقدس الذي يضيء ظلمات الدرب أمام الشعوب، ويكشف حقيقة مناضلي الصالونات المخملية والفنادق الفارهة، أولئك الذين يحققون تميزا وامتيازا من القضية ويختفون وراء الاقنعة الكاذبة. سمه الغضب ثورة ضد هزيمة الإنسان العربي المقاوم سواء في فلسطين أو غيرها من بقاع الوطن العربي المنكوب، فيقول :

ضَاقَ الحِصَارْ…

طَالَ الحِصَارْ…

وَ عَوَاصِمُ الوَطَنِ الأَغَرْ

مِنَ المُحِيطِ إِلَى الخَليِج عَمَّهَا الغَضَبْ

فَأَشْعَلوا الخُطَبْ

وَ أَخْمَدُوا اللَّهَبْ

يَا أَيُّهَا “العَرَبْ”

كَفَى صَخَبْ!

تَبَتْ يَدَا أَبِيكُمُ وَتَبْ !

لَمْ يُغْنِ عَنْكُمْ نَفْطُـكُمْ وَلاَ الذَّهَبْ

لاَ تُطْعِموُا لَحْمَ العُرُوبَةَ لِلْعَرَبْ34

صيحة غضب ورفض لتلك الأنظمة المتخاذله، التي تماهت مع دولة الاحتلال وبقيت تحرسها وتنفذ مخططاتها لسبعة عقود ونيف، في تناص موفق مع الآية الأولى من سورة المسد 35 فصرخ في وجوههم” تَبَتْ يَدَا أَبِيكُمُ وَتَبْ”. لا بد لهؤلاء ان يتعقبهم الموت وعقاب الله لتخاذلهم عن نصرة الحق والصدق والقيم الإنسانية في الدنيا، وهم في الآخرة أشد وأخزى. لقد اطلق الصيحة ذاتها شاعر غاضب من المكسيك هو أوكتافيو باث 36Octavio Paz الذي كان يمجد ثورة الإنسان على الظلم ومناصرة المسحوقين والبؤساء، فيقول في احدى قصائده:

نحن باقون ضد الطغاة

نحن اللهب المستعر ضد الخونة

نحن الانفجار الكبير ضد اعدائنا

نحن باقون حتى الموت على ارضنا

حلمي الزواتي: فلسطين ملهمتي وسيدة الحضور في قصائدي37

ورغم ما يحدث في العالم من هزائم وانكسارات، وتلبية لصرخات الغضب في كافة أرجاءالأرض، يتوحد الشاعر الزواتي مع وطنه ويوحد فلسطين في زواتا كما يتوحد العالم كله في فلسطين. هذا التوحد يشف عن مدى التزام الشاعر بقضايا بلاده. فزواتا ليست مجرد أرض أو وطن أو أهل أو شعب، ولكنها الحبيبة التي تنتظر حبيبها خلف السياج لنصف قرن ونيف. إنها الأم والمستقبل والحلم والفجر القادم.

زَواتا تُحاصِرُني الشَّمسُ عندَ المغيبِ 

فأغفو على سَفْحِكِ الزّعتريِّ 

كطفلٍ يتيمٍ تَهاوى

زَواتا يُحاصِرُني البُعْدُ وَ الليلُ وَالبُرتُقالُ 

فَأبكي …

و أمسحُ وَجهي بِكُلِّ السَّنابلِ

أجمعُ قلبي على راحتيكِ

فيجلدُ رُوحيَ بردُ المَسافاتِ

أعرفُ أنَّ الضَّياع لدينا تَنامى

أنامُ على راحتيكِ

وأحلُمُ أنَّ الزَّمانَ

تحولَ خبزاً وسيفاً و نارا38

صورة شعرية حالمة حين يتوحد الشاعر مع الأرض ومعالم وطنه ومدارج طفولته، وها هي زواتا تعلن ميلاداً آخر للشاعر، ولكنه ميلادٌ ثوري ينعش روحه، ويمنحها الانطلاق والثورة، شاهرا سيفاً من نور ونار ليحقق بطولة الانتصار على العدم،39 ومحنة الوجود الإنساني في عالم تجرد من القيم الإنسانية السامية، وسمح بسحق جماجم أطفال غزة أمام الكاميرات دون أن يرف له جفن.

هذه الصورة الشعرية في التوحد مع الوطن ومعالمه تتوافق مع الشاعر العالمي بول ايلوار Paul Éluard الذي اطلق شرارات قصائده في عتمة مدينة باريس، التي كانت تناضل ضد الاحتلال النازي، فيقول للمدينة :

أنت يا من كنت في لحمي ودمي

ضميرا يحس

أنت يامن أحب إلى الأبد .. يا من ابتكرتني

لم تكوني تحتملين الطغيان

ولا الإهانه

كنت تغنين وأنت تحلمين

بالسعادة على الأرض ..

تحلمين أن تكوني حرة

وأنا امتدادك

الفناء في الوطن 

وبذلك يتجلى صوت الشاعر حلمي الزواتي في التعبير عن الوجود الإنساني بين المناضل الفلسطيني وبلاده التي تحترق وتشتعل بالثورات، ويقف الشاعر مع شعراء العالم المناضلين من أجل الحرية والعدل والسلام.

الصور الشعرية في قصائد حلمي الزواتي مثقلة بالحنين، والشوق الجريح إلى الوطن، والإحساس بعذاب الغربة وقهر الرحيل حين يصبح الوطن صورا في اعلانات الصحف وعلى شاشات الأخبار، أو حتى حوارات على الاجهزة اللوحية الحديثة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي. فمن يخمد هجير العشق للأرض والروح الظامئه إلى الحقول والتلال والمزارع، وصور الأطفال في درب العلم، وحمائم السلام فوق الاقصى ومآذن القدس؟

أمْسَحُ دمعَكِ

أرسمُ بالدمِ عَهداً و قُبله

أُسافر فيكِ بغيرِ اكتراثً

فأسبرُ أعماقَ دربي

أذوِّبُ فيكِ حنيني و عُمري

و أَرسو على كلِّ رأسٍ و ثَغره

و أنقشُ رسمكِ فوقَ ضُلوعي

“فينبتُ عُشبا و زَهرَه” 40

وذات الصورة الفياضة بالحنين للقرية والوطن التي عبر عنها حلمي الزواتي نقرأ للشاعر الإيرلندي أوليفر جولدسميث 41Oliver Goldsmith عن قريته المقهورة، فيقول :

قريتي يابسمة الوادى الجميل المزهر

ما لأفراحك قد ولت وغابت

ولهذه الوحشة الضارية

ويد الباغي استباحة مغانيك

وطوقت قبضته ارضك بالظلم

لم يعد جدولك الرقراق يجلوها بطاحا

وغناء الطير الشحرور قد امسى عويلا

مارا في الروض غريبا

ويستمر الشاعر العالمي حلمي الزواتي في تصوير علاقته بالأرض وتجسيد لحظات الانفعال والغضب الثوري، فقد أصبح محاصرا بين أعداء الوطن الذين يحتلون بلاده وبين الطغاة المتخاذلين الذي أداروا ظهورهم، وأغمضوا عيونهم، ووضعوا أصابعهم في آذانهم كي لا يسمعوا استغثات أهل غزة وهم يذبحون، فليس فى هذا الكون سوى جرحه النازف الذي يزهر ياسمينا عابقا بالكفاح والنضال على الدوام، كما أن العلاقه مع الأرض السليبة مصدر إلهام الشاعر ودافعه الى الثورة والتحدي حتى آخر ثانية من عمره.42

زواتا يُحاصرني المارِقون

دعاةُ النِّضالِ

فأصرخُ من أينَ أبدأ؟

بِعْتُم دِمائي

سَحقتُم عِظامي، 

زَرعتم على جبهتي كُلَّ عارِ

سأبدأ من بسمةِ الفجرِ

من لحظةِ الانكسارِ

و مِنْ فوقِ عينيكِ أبدأُ

من ليلِ هذي السنينِ العجافِ

من الاندثارِ إلى الانتصارِ43

الحس القومي الثائر

من رحم الاحزان ومن بحار الفجيعة تولد شرارات المقاومة والانتصار، مبشرة بأن الأرض باقية والغزاة زائلون. هذا ما أكده الشاعر الزواتي في قصيدته المربدية “البغدادية” والعراق يخوض حربا ضروسا على بوابة الوطن العربي الشرقية في ثمانينيات القرن الماضي، وقصيدته “ولكن شبه لهم” الذي وصف فيها حال بغداد بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

كَسيرَةٌ بَغدادْ

جَريحَةٌ

مَكلومَةُ الفُؤادْ

مَهيضَةُ الجَناحْ

مَغروسَةٌ في صَدرِها الرِّماحْ

لكِنَّها تُقاتِلُ الغُزاةْ

وَ تَرقُبُ الصَّباحْ 44

ويتأثر الشاعر الزواتي بالكارثة التي حاصرت لبنان والحرب الأهلية45 التي استنزفت موارد البلاد وشردت أبناء الوطن على خارطة العالم .. لكن هناك دائما فعل المقاومة، حيث ينهض أبناء الوطن ليعيدوا الروح إلى جسد بيروت المدفون تحت ركام الحروب ورماد القنابل. ولعل هذه الروح الجامحة لمقاومة الغزاة تجلت بوضوح في قصيدته المشهورة “وتنشر بيروت أسرارها”، فيقول منها:

لاَ تَقْلَقُوا…

بَيْروتُ مَا زَالَتْ

وَ شَمْسُ اللّهِ تَفْقِدُ لَوْنَهَا

وَ المَوْتُ فِي الطُّرُقَاتِ

يَبْحَثُ عَنْ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ بَلَدٍ بَعيدْ

لاَ تَحْزَنُوا…

بَيْرُوتُ مَاضِيهَا تَليدْ…

بَيْرُوتُ تُبْعَثُ مِنْ جَديدْ46

ترنيمة الموت والشهادة

يرى الشاعر الزواتي أن التضحيات والموت والفناء من أجل الأرض والثورة من أجل القضية ليست مجرد أحلام أو كلمات تطلق في الفراغ، بل نظرية الموت المتجدد دائما في مواجهة البنادق والقنابل والقيود والسلاسل، في رفض السجون والمعتقلات، والإيمان العميق بالشهادة في ساحة النضال. وبينما كان العراق يقاوم الخونة، والأنظمة الفاسدة، وكانت بيروت تقف وحدها في مواجهة المدافع والغزو الغادر، كانت أرض فلسطين، ولا تزال، نبع المقاومة والشهادة والهدف الأسمى للخلاص من الغزاة والطغاة والطامعين.

وفي صورة من صور التماهي والامتزاج بالأرض الحبيبة تتجسد معاناة الشاعر في عالم يسوده الفوضى والظلم والحروب وسيطرة القوى العظمى على مصائر البشر. في هذا الواقع الرديء يعمِّق الشاعر علاقته بالأرض وينساب في أعماقها ويسكن نبضها وجذورها وسنابلها الخضراء ليفيض النور وينسكب في روح الشاعر التي لا تعرف اليأس أو الهزيمة، فيقول :

وأَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ

عَلى صَهْوَةِ الجُرْح جِئْتُكِ طِفْلاً مُقاتِلْ

تَعَلَّقَ وَجْهي بِنَجْم السَّماءِ

انْتَظَرْتُ

تَصالَبَ في داخلي الانْتِظارُ

وما أَعْذَبَ الانْتِظارَ وجُرْحي

وأَنْتِ هُنا تُبْحِرينْ

وأَنْتِ هُنا الياسَمينْ

فَكَيْفَ أَجيئُكِ مِنْكِ؟

وكَيْفَ أُعانِقُ ظِلَّكِ؟

إِنَّ الرِّياحَ، كَما أَعْلَموني،

تَكيدُ المُحِبينَ دَوْماً

وتُنْسي الحَنينْ47

وهذا المزيج من مشاعر العشق والالتحام مع الوطن يمثل تضحيات شعب فلسطين في مواجهة الغزاة، ومقاومة واقع تسيطر عليه منظومات طاغية تغتال الشعر والشاعر، وتصادر الكلمة الحرة الثورية، وتنهش كيان الحرية، وترفض الابداع والحياة القائمة على العدل والحب والجمال .

ويؤكد الشاعر الإنجليزي بيرسي شيللي Percy Bysshe Shelley قيمة الشعر والشاعر في هذا الزمن، فيقول:48

الشعر سجل لتمرد اللحظات وثورتها

والشعراء هم مشرعو العالم غير المعترف بهم

وحلمي الزواتي لا يزال مسكونا بومضات الشعر المقاوم، يُهدي روحه للأرض، ويُحفز الأحرار إلى الانتفاضة الثالثة، ومقاومة الطغاة، وكسر أغلال الوطن، وشعاره الوحيد: أنا مع فلسطين ومن سيقاتل.

شعراء السلطة

إن الحس الثوري، واللغة العاصفة المتمردة، يمزجها الشاعر بعشقه الكبير للوطن ورفضه للاستبداد، وإغراءات أصحاب المعالي، والطبقات الرأسمالية التي تقهر الشعوب. إنه يواجه زمانه الفاسد وانقلاب مواقف الشعراء وانحيازهم للسلطات الغاشمة ( إن هؤلاء الشعراء يمارسون الكذب والخداع والدجل، وربما القهر والاضطهاد في النهار، وعندما يلجاون في الليل إلى أوراقهم وقصائدهم يصبحون ملائكة على الورق، وهذا هو الخداع والتضليل بعينة. انهم يمارسون بطولات ورقيه موهومة)49. حقا، إن هذا العالم بتناقضاته العجيبة أشبه ما يكون بقصة أبطالها مجانين يرويها أبلة. ولذلك نرى الشاعر الزواتي يشهر سيف الإدانة جهارا نهارا في وجه أولئك المتخاذلين، لينتصر الدم على السيف وينتصرالمظلوم على الظالم، وتنتصر إرادة الحياة على أعداء الحرية وحلفاء التعسف والقهر، متألما تارة ومتهكما تارة أخرى. ولعل مشهد المقاتلين الفلسطينيين وقد أجبروا على مغادرة بيروت في أيلول/سبتمبر 1982 أبلغ صورة لهذا المشهد المأساوي، فيقول من قصيدة “وتنشر بيروت اسرارها”:

ضاق الحصار

طال الحصار

فلتصمدوا آيها الثوار

فلتصمدوا ياآيها الأحرار

البحر من أمامكم

والعرب من ورائكم

فلتصمدوا فلتصمدوا50

أعداء الحرية 

وصف الشاعر الالماني فريدريك شيلر 51Friedrich Schiller هذه الصورة في هلاك أعداء الحرية، فقال:

ها هو ذا القبر رفات الأمراء ذوى الكبرياء

وكان من قبل أصناما في عوالمها

بقايا ممتدة وبريق رهيب من نور باهت يضيئها

هنا ترقد جماجم انمحت نظرتها

وكانت من قبل في علياء

ترنو بالوعيد لمن دونها

وكانت تحمل للإنسانية الرعب والفزع

لأن إيماءاتها كانت تعني الحياة أو الممات

صورة الشهيد

وعلى إيقاعات “قوافي الدم والياسمين” تنتشر صور الشهداء، حيث عبَّر عنها الزواتي في نسيج روحي ينبض بمعاني العزة والنضال. وإذا كان رمز الشهيد هنا هو “طه” أو “محمد الدرة”، فالمشهد الحزين يتحول إلى إصرار على النضال وثورة ضد أعداء الوطن، ليظل هذا الشهيد رمزا ليس آيلا للسقوط أو الانهيار، وإنما للإصرار والتحدي، حتى تتحول الدموع إلى رصاصات، والحزن إلى مقاومة، وحروف القصائد إلى مشانق وحراب في وجه الخونة. وفي هذا المقام يصف الشاعر الزواتي الشهيد في قصيدته “طه عاشق البحر والزيتون”، فيقول:

يُسْتَشْهَدُ طهَ هذا الوَلَدُ الصَّفْصافُ،

اللَّوزُ، وَنورُ الشَّمْسِ، وَأشكالُ الحَرْفِ العَرَبِي

يُسْتَشْهَدُ طهَ، يُولَدُ مِنْ رَحْمِ الأَرْضِ

ويَحْلُمُ بِالزَّهْرِ الأَحْمَرِ وَالزِّيِّ البَدَوِي

يُولَدُ مِنْ ضِلْعي الآنَ

وَيَخْرُجُ للثَّورَةِ “جيفارا و”الرَّبَذِي”

يُسْتَشْهَدُ طهَ، يُولَدُ، 

يَعْرِفُ أنَّ حُدودَ فِلِسطينَ مِنَ “المَاءِ إلى المَاءِ” 

إلى وَجَعِ المَحرومينَ

إلى جَسدِ الثورةِ والنَّفطِ العَرَبِي52

ويرى الشاعر الزواتي أن روح الشهيد تبعث مرة اخرى في عزائم الثوار. فإن ارتقى شهيد فهناك آلاف آخرون ينتظرون، وما بدلوا تبديلا. إنهم قادرون على التضحية والموت على تراب الوطن. إن هذا البعث للشهيد يوحي بالآمال الكبيرة والطموحات الثورية التي يسعى اليها أبناء فلسطين.

تذكرنا هذه الصورة بقصيدة الشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف Mikhail Lermontovعن الشهيد والابطال الذين وقفوا ضد حكم القيصر فيقول :53

على درب الوطن سقط الأبطال

فالأعداء من كان انتصر

وهو من كان سقط .. كان مات

حيث أن الموت أضحى المحارب

ترفع الزوجة ذلك الطفل

من فوق الشهيد

فوق وجه الوالد الممتقع:

هكذا الناس يموتون

ألا فانظر وتعلم كيف تثأر!

وهكذا، يتعلم الإبن كيف يكون شهيدا، وكيف تُبعث روح أبيه في أعماقه، ليكون هو الاخر شهيد الوطن، فالشهداء لا يموتون أبدا. ويظل المجد للياسمين الصاعد من أديم الأرض الى عنان السماء، واعدا بالتلاحم بين الانسان العربي الفلسطيني ورفاقه في زحف يطهر الأرض، ويمنح الياسمين بهجة النماء، وروعة الحضور. إنها صرخة في وجه الظلام لتوقظ المدن الغارقة في ليل القهر. 

تفاجئني الآن غزة54

تصبح ثورة الشاعر قادرة على ان تلهم الارض بالتمرد وتمنح الجماهير العاشقة للأرض والسهول والبيوت والمراعي شرارة الرفض والعصيان ضد تماثيل الرماد ونواطير سايكس – بيكو على حد تعبير الشاعر الزواتي في أكثر من مقال أو حوار. أولئك الذين وقفوا ضد شعوبهم يستنزفون طاقاتهم الإبداعية، ويحاولون قتل كل جميل في حياتنا. إنها ثورة الشاعر في مواجهة الاحتلال والقوى الغادرة الظالمة التي تحاول السيطرة على العالم .

لَقَدْ نَامَ هذَا المَسَاءُ حَزيناً عَلى حُزْنِنَا

وَ بَعْضُ النَّواطِيرِ نَاموا سُـكارى

وَ بَعْضٌ عَرايَا

وَ َبعْضٌ بَغَايَا

وَ َبعْضٌ يُسَفِّهُ أَحْلامَنا

لَقَدْ ضَاقَ- يَا رَبُّ- هذَا الفَضَاءُ 

وَ زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَنَا 

وَ أَثْقَلتِ الأَرْضَ أَوْزارُنا

وَ سَوْفَ يُحَدِّثُ نَخْلُ العِراقِ

و أَطْفالُ بَغْدادَ – فِي الفَجْرِ- أَخْبارَنا55

حين يعلن الشاعر تلك المفاجأة التي فجرتها غزة في وجه أعدائها، لم يكن ذلك حلما، ولكنها كانت الحقيقية في الواقع. فرغم الدمار الذى شهدته غزة وتعالي صيحات الغزاة بترحيل ابناء غزة، إلا انهم رفضوا تلك الصيحات الغادرة، وانغرست قلوب ابناء غزة في الأرض، جلسوا على حطام البيوت والمدارس والمستشفيات، يدفنون موتاهم، يحزنون ويفرحون، ويواصلون التحدي حتى اخر شهيد.

تُفاجِئُني الآنَ غَزَّةُ إنِّي أُحِبُّكْ

تَعَلَّقَ قَلْبِيَ بَيْنَ النَّدى والنَّخيلْ

وبَيْنَ المَسافاتِ والمُسٍتَحيلْ

غَريبان نَحْنُ..؟

بكيت على صَدْرِ غَزَهْ

غَريبان ِنَحْنُ..؟

وأَسْرَجْتُ قَلبِيَ

أَبْحَرْتُ في الذَّاتِ

أَحْرَقْتُ كُلَّ الحُدودْ

غَريبان ِنَحْنُ..؟

تَعالَيْ بِقُربي لِكَيْ لا يَرانا الجُنودْ

غَريبانِ إنَّا التَقَيْنا

كَريح تُعانِقُ طَيْراً مُهاجِرْ56

بهذه المعاني المثقلة بالهم والوجع، جسد شاعر المقاومة العالمي حلمي الزواتي بطولات ابناء وطنه في غزة، فهي المدينة البطلة ورمز الصمود والنضال رغم تخاذل القريب والبعيد، وسقوط الاقنعة عن وجوه دعاة الحرية وحماية حقوق الإنسان. لقد فاجأت غزة كل الوجوه المستبدة، وأعلنت تجذرها في الأرض والانطلاق إلى فجر الخلاص من هذا الاحتلال وأعوانه وحماته.

لقد تجلى وجع الشاعر ممزوجا بالغضب عندما رأى غزة تقاوم حافية القدمين في عالم يسوده العبث واللامعقول! فهل من الممكن أن يمحو جيش الاحتلال الصهيوني، مسلحا بتخاذلنا وبدعم أعتى قوى الهيمنة والشر في العالم، مدينة غزة ويرحِّل أهلها إلى منافي بعيدة؟ اليس هذا التخاذل والتكالب على غزة توحش ينهش قلب وروح من لديه بقية ضمير أو إنسانية؟ هنا يشهر الشاعر الزواتي سخطه على عالم فقد منطقه العقلاني وسقطت فيه المعتقدات الزائفة، وتمدد الخراب الروحي في كيان البشر كاشفا عورة دعاة الحرية والرخاء والحكمة. أليس هذا كله سوى أوهام لا وجود لها في عالم الغزاة؟ 

يقول الأديب يوجين يونسكو 57Eugène Ionesco: إننا نصدم عندما ندرك أننا نحيا في وهم كبير، والسلوك الإنساني يؤكد عبث التاريخ، ولا جدوى مما يحدث حولنا. فكل شيء ممزق وفارغ من محتواه. وهكذا، يتجسد كذب ونفاق دعاة حقوق الإنسان الذين يدعون الى وقف آلة الحرب الصهيونية في النهار، ويغذونها بكل أسباب القوة في الليل. هذا تناقض ونفاق لم تشهد مثله البشرية على مختلف العصور والأزمنة!

أن وحشية الغزاة وقتلهم أطفال غزة في سادية رهيبة لم تهزم أهل غزة، وإنما هزمت ضمير العالم الذي يدعي الحرية وحماية حقوق الإنسان. إن مواجهة الغزاة وقتلة الأطفال والمعاناة اليومية هي الدرس الحقيقي الذي نتعلم منه معنى الحرية والنضال الانساني كما قال الاديب ألبير كامو: “لم نتعلم الحرية من الكتب ولكن تعلمناها من البؤس والنضال ضد الغزاة”.

خاتمة

أفضت هذه القراءة في شعر الدكتور حلمي الزواتي إلى جملة من النتائج التي تؤكد أن تجربته الشعرية ليست مجرد تعبير جمالي عن معاناة فردية أو جماعية، بل هي مشروع شعري متكامل تتداخل فيه الأبعاد الفنية والفكرية والنضالية. فقد تبيّن أن الزواتي يؤسس لخطاب شعري يقوم على جدلية معقدة بين الغربة والانتماء، حيث تتحول المنافي إلى فضاءات لإعادة إنتاج الوطن في الذاكرة، بينما يغدو الوطن ذاته فكرة متحركة تتجاوز حدوده الجغرافية لتستقر في الوجدان.

لقد كشف المقال أن المقاومة في شعر الزواتي لا تقتصر أبدا على بعدها السياسي المباشر، بل تتخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من مقاومة النسيان والتهميش، وتمرّ بمقاومة القهر والاستبداد، وصولاً إلى مقاومة التشويه الثقافي واللغوي، خاصة في سياق ترجمة الشعر. ومن هنا، فإن تجربة الزواتي في ترجمة أعماله بنفسه تمثل بعداً إبداعياً إضافياً، يكرّس وعياً نقدياً عميقاً بإشكالية نقل الشعر، ويؤكد أن الترجمة ليست نقلاً حرفياً بل إعادة خلق للنص في لغة أخرى.

كما أظهرت الدراسة أن اللغة الشعرية لدى الزواتي تتسم بكثافة رمزية عالية، حيث تتداخل صور الدم والياسمين، الموت والحياة، الفقد والأمل، في نسيج شعري يعكس توتر التجربة وعمقها. وتبرز صورة الشهيد، والمدينة الجريحة، والطفل الضحية، بوصفها رموزاً مركزية تؤسس لذاكرة جماعية مقاومة، وتمنح النص بعداً إنسانياً يتجاوز الخصوصية الفلسطينية إلى أفق عالمي.

ومن ناحية أخرى، يضع المقال تجربة الزواتي في سياقها المقارن، ليؤكد انتماءها إلى تقليد شعري عالمي يضم شعراء المقاومة والحرية، وهو ما يعزز من حضورها في فضاء الأدب الإنساني، ويمنحها بعداً كونياً يتجاوز الانغلاق المحلي. غير أن ما يميز الزواتي، كما خلصت الدراسة، هو حفاظه على استقلاليته الشعرية، ورفضه الانخراط في أطر أيديولوجية أو مؤسساتية قد تقيد صوته أو توجه خطابه.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن شعر الزواتي يمثل نموذجاً حياً للشعر الملتزم الذي لا يفقد قيمته الجمالية، بل يعيد تعريف الالتزام بوصفه فعلاً إبداعياً حراً، ينحاز للإنسان وقضاياه دون أن يتحول إلى خطاب دعائي أو شعاراتي. كما يطرح هذا الشعر أسئلة جوهرية حول دور المثقف في زمن الأزمات، وحول قدرة الكلمة على مواجهة العنف والتهميش.

ختاماً، يفتح هذا المقال أفقاً لمزيد من الدراسات حول شعر حلمي الزواتي، سواء من زاوية نقدية أو مقارنة أو ترجميّة، كما يدعو إلى إعادة النظر في موقع شعر المقاومة الفلسطينية في الأدب العربي المعاصر، ليس بوصفه مرحلة عابرة، بل كخطاب مستمر يعكس تحولات الواقع ويواكب تطلعات الإنسان نحو الحرية والعدالة والكرامة.

إشارات ختامية

* علي عبد الفتاح أديب وإعلامي مصري، صدر له على مدى العقود الأربعة الماضية العديد من الكتب الادبية في النقد، والقصص القصيرة، والدراسات الإسلامية، والتراجم الأدبية لمشاهير الأدباء في الوطن العربي والعالم. هذا الى جانب عشرات المقالات واللقاءات، والتحقيقات الصحفية المؤثرة. من كتبه المنشورة: الصعاليك ينفجرون بالغناء، 1978، العصفور والسنبلة،1988، أعلام المبدعين من علماء العرب والمسلمين، 1995، شخصيات أدبية، 2009، أعلام في الأدب العالمي، 2014، و الغاضبون في الأدب، 2008. 

1 شاكر مصطفى، “هجرة في الجرح”، الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر حلمي الزواتي، ط 7 (بيروت: مؤسسة السنابل الثقافية، 2019)، ص 3. [فيما بعد شاكر مصطفى].

2 ميريي ربيز، “تقديم”، قوافي الدم والياسمين (ويكفيلد، كيبك: داراجا للنشر، 2026)، ص xi. [فيما بعد ميريي ربيز].

3 حلمي الزواتي، قوافي الدم والياسمين (ويكفيلد، كيبك: داراجا للنشر، 2026)، ص 107. [فيما بعد قوافي الدم والياسمين].

4 حلمي الزواتي، ” مقدمة المترجم: هذه القصائد ومحنة الشعر الفلسطيني المترجم”، قوافي الدم والياسمين (2026)، ص xvi. [فيما بعد محنة الشعر الفلسطيني المترجم].

5 المصدر السابق نفسه، ص xvii. 

6 توفيق العيسى، “شعراء فلسطينيون يتحدثون عن طه محمد علي: الشاعر الذي مشى ضد التيار”، القدس العربي (18 تشرين الأول/أكتوبر 2011). متوفر في شبكة المعلومات على هذا الرابط: <https://shorturl.at/ jw9CE>.(تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026).

7 الدكتور حلمي الزواتي فقيه قانوني دولي وشاعر عربي- عالمي من فلسطين يقيم في كندا منذ أربعة عقود. له إسهامات متعددة التخصصات في القانون الجنائي الدولي، واقتصادات الطاقة، والأدب العربي. يتركز عمله القانوني في الدفاع عن ضحايا الحروب، خاصة ضحايا العنف الجنسي خلال النزاعات المسلحة، والاجتهادات القضائية للمحاكم الجنائية الدولية، والقانون الإنساني الدولي. هذا إلى جانب إرثه الشعري المتميزالممتد لأكثر من نصف قرن، مؤكدا على مشاركته المركبة التي تعكس التزاماً أخلاقياً موحداً بالعدالة والهوية والإبداع تجلت في أكثر من 27 كتابا و160 بحثا أكاديميا بالعربية والإنكليزية نشرت في أهم المجلات العلمية ودور النشر العالمية، منها دار نشر جامعة أكسفورد التي نشرت نظريتة حول “التوسيم وعدالة التناسب” في القانون الجنائي الدولي عام 2014، والتي تُدرَّس حاليا في أهم الجامعات الغربية في أوروبا وكندا وأمريكا، وكانت ولا تزال محل نقاش في عدة رسائل جامعية، كما دُوِّنت آراؤُه الفقهية في وثائق المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية ذات الاختصاص العالمي. وبينما تعالج أبحاثه القانونية العيوب المنهجية في القانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي، خاصة فيما يتعلق بتحقيق العدالة لضحايا حروب الإبادة العرقية وإبادة الجنس البشري، فإن شعره يقدم تأملاً ابداعيا في المنفى والذاكرة والفقدان الثقافي وحب وطنه المسلوب فلسطين. أنظر:

“الدكتور حلمي الزواتي: مُنظّرٌ وفقيهٌ قانوني دولي، وشاعرٌ، وداعية حقوق الإنسان”، مجلة ساخر سبيل، العدد 154، السنة 12، (28 حزيران 2025) ص15. وأنظر كذلك دائرة المعارف الفلسطينية، “حلمي الزواتي”، <https://shorturl.at/q0OBG> (تم التصفح يوم 15 آب/أغسطس 2026؛ موسوعة النخبة الفلسطينية،”حلمي الزواتي”، <https://shorturl.at/7tfJ9> (تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026)؛ موسوعة ويكيبيديا الحرة، “حلمي الزواتي”، https://shorturl.at/c0P2h>> (تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026).

8 أعني أنه تغرب في بلاد كثيرة، وتنقل من منفى إلى منفى حاملا وطنه فلسطين في قلبه وباقات أشعاره بين يديه، محرضا الناس على الثورة ومقاومة الاحتلال. إقرأ حواره مع مجلة الشراع: لامع الحر، “حلمي الزواتي: شعرنا لتحريض الجماهير وحملها على المقاومة،” مقابلة مع حلمي الزواتي، مجلة الشراع، العدد 255 (2 شباط/فبراير 1987) ص ص 66-67.

9 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 71.

10 احتضنت الكويت منذ تأسيسها قضايا العرب القومية، وفي طليعتها قضية فلسطين، حتى اطلق عليها في ستينيات القرن الماضي “الكويت بلاد العرب”. لقد منحت الكويت مساحات واسعة من حرية التعبير لشعراء من فلسطين ومصر والعراق ولبنان واليمن وسوريا، ونظمت أسابيع ثقافية ومعارض فنية وأمسيات شعرية شارك فيها شعراء فلسطينيون وغيرهم، مجدوا فيها المقاومة ودعوا الى مساندتها.

11 حلمي الزواتي شاعر الالتزام بقضايا الأمة العربية بلا منازع. والوطن عند الزواتي ليس البقعة الممتدة من شواطئ يافا غربا الى ضفاف نهر الأردن شرقا، ومن الناقورة شمالا الى سهل العريش جنوبا. كان يرى ويعتقد أن حدود فلسطين تمتد من المحيط الأطلسي غربا الى شواطئ الخليج العربي شرقا في تعبيره الخاص “من الماء الى الماء”، ونادرا ما جلستُ معه إلا وكانت قضية فلسطين شغله الشاغل ومحور حديثه، مركِّزا على دور شعر المقاومة والفن التشكيلي الملتزم في حمل هذه القضية الى العالم. ومن الجدير بالذكر أن الشاعر الزواتي كان دائم الحضور في معظم المهرجانات الثقافية المنعقدة في الكويت وبعض الأقطار العربية الأخرى، كما كان ضيفا مشاركا على مهرجان المربد الشعري في العراق منذ تأسيسه.

12 حفلت دواوين الشاعر الزواتي العشرة المنشورة خلال العقود الخمسة الماضية بقصائد تدعم قضايا العروبة والإسلام. لقد كتب قصائد مميزة عن احتلال العراق ومذابح لبنان والغزو الصهيوني لجنوبه، وطوفان الأقصى وما تلاه من إبادة جماعية في غزة.

13 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 137.

14 يمكن ببساطة تصنيف قصائد حلمي الزواتي ضمن فصيلة الشعر الثوري المقاوم، حيث تجد عبارته الشعرية مفعمة بالرموز التراثية، والدينية، وصور الشهداء، وبطولات الفدائيين. وفي ختام حواري معه المنشور في جريدة الرأي العام الكويتيّة ربيع عام 1989، قال: “الشاعر الحقيقي هو الذي يتجاوز جميع الأطر والأحزاب، ويشحن كلماته ويعبئها نارا وبارودا، ويجذر انتماءه لوطنه ولمن سيقاتل”. أنظر: “الرأي العام تحاور الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي: المرأة الفلسطينية توأم الوطن” مقابلة أجراها علي عبدالفتاح (7 أيار/مايو 1989)، جريدة الرأي العام، ص 4. [فيما بعد الرأي العام تحاور الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي].

15 استطاع حلمي الزواتي أن يحمل أشعاره إلى العالمية، حيث تُرجِمت أشعارُه إلى الإنكليزية ولغات أخرى، وتمت قراءتها في المنتديات الثقافية في مختلف المدن الكندية والأمريكية والأوروبية، وكانت ولا تزال محل اعجاب وتقدير كثير من النقاد والشعراء وأساتذة الأدب في الجامعات الغربية كونها تحمل بعداً إنسانياً يمجد الانسان ويقف الى جانب المقهور بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه، هذا بالإضافة الى ما تحفل به أشعاره من دعوة مخلصة إلى مقاومة القهر والتعسف والظلم والدفاع عن قيم الحق والعدالة والحرية.

16 شاكر مصطفى، المرجع السابق رقم 1، ص 28. وفي هذا السياق عقد الأديب المصري فاروق منيب مقارنة بين حلمي الزواتي والشاعر بابلو نيرودا وناظم حكمت. أنظر فاروق منيب، “أحدثكم عن هذا الشاعر،” مجلة الاقتصاد العربي، العدد 29 (تشرين الثاني/نوفمبر 1978)، ص 66.

17 “قصائد ممنوعة التجوال” من أهم دواوين الشاعر حلمي الزواتي، فقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الديوان عام 1980، والطبعة الثانية عام 1982 عن مؤسسة السنابل الثقافية في بيروت، واحتوى الديوان على خمس قصائد ملحمية عبر فيها الشاعر عن مشاعرة الوطنية والقومية ومدى ارتباطه بأرض فلسطين، ومن الجدير بالذكر أن الرقابة اعترضت دخول هذا الديوان في أكثر من بلد، وأزيل من قوائم الكتب المشاركة في معظم معارض الكتب لعنوانه الذي يبرر مصادرته على حد قول الرقيب: “قصائد ممنوعة التجوال”.

18 ربطت الدكتور الزواتي علاقة متينة مع الشاعرة العراقية نازك الملائكة ومع زوجها الدكتور عبدالهدي محبوبة، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما كانا استاذين في كلية الآداب بجامعة الكويت.

19 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 133.

20 تشرفت بصداقة الشاعر الزواتي منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، واقتربت من افكاره ومشاعره، وتاثرت كثيرا بكتاباته ومواقفه ضد أدعياء الحرية وشعاراتهم الوطنية الزائفة، ولم أجده يوما يمجد من خلال قصائده ملكاً أو أميراً أو رئيساً كما يفعل كثير من الشعراء المرتزقة، بل هو منشغل دائما بالإبداع، ومقارعة الاحتلال ووكلائه الحصريين في الوطن العربي، بعيدا عن ثرثرة شعراء السلطة و (البلاط الثوري). أنظر المرجع السابق رقم 14، الرأي العام تحاور الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي.

21 أحمد مطر، “شعر ومحاضرة حلمي الزواتي في رابطة الاجتماعيين: القصائد مطولات تميزت بتعدد المواضيع، ومناقشة المحاضرة تحولت الى معركة”، جريدة القبس (20 أيار/مايو 1981)، ص 9.

22 علي عبدالفتاح، “أيها الشاعر الراحل في شرايين الأرض…حلمي الزواتي”، جريدة المصري (22 أيلول/سبتمبر 2000)، ص 31.

23 موسوعة ويكيبديا الحرة، كلية القانون، جامعة مكجيل. متوفر على هذا الرابط: <https://en.wikipedia.org/wiki/McGill_Faculty_of_Law> (تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026).

24 “البرلمان الكندي يفتح ملف الاغتصاب خلال الحرب الدائرة في سوريا”، جريدة الدستور (10 أيار/مايو 2014)، ص 15.

25 شاكر مصطفى، المرجع السابق رقم 1، ص 36.

26 علي عبد الفتاح، “حوار مع الشاعر العربي الفلسطيني حلمي الزواتي”، مجلة المشكاة، العدد 11، المجلد 3 (1989)، ص ص 93-100. [فيما بعد علي عبد الفتاح].

27 المرجع السابق نفسه، ص 94. 

28 من المدهش حقا أن أصوات كثير من الشعراء الذين هيمنوا على المنافذ الإعلامية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قد خفتت، بل تلاشت. فبعضهم توفاه الله، وآخرون آثروا الصَّمت، وهناك من وجد راحته في ركاب السلطة والبلاط الثوري حتى بلغ مرحلة “التصنيم” على حد قول الشاعر الدكتور عزالدين المناصرة. ويحضرني في هذا المقام قصيدة محمود درويش “مديح الظل العالي” في مدح ياسر عرفات بعد غزو دولة الكيان الصهيوني جنوب لبنان، ورحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان خريف 1982. ومن الغريب ايضا أن تجد محمود درويش يهيم عشقا بفتاة يهودية اسمها “ريتا” إلى حد العبادة، فهل يليق هذا بشاعر المقاومة؟ إقرأ قصيدة “ريتا والبندقية” في ديوان محمود درويش (بيروت: دار العودة، 1981)، ص 192.

29 علي عبد الفتاح، المرجع السابق رقم 26، ص 95.

30 “حوار مع الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي”، مجلة الثائر العربي، العدد 1، السنة 19 (15 نيسان/ابريل 1987)، ص 61.  

31 على مدى نصف قرن ونيف، بقي الشاعر الزواتي يقاوم محاولات دولة الاحتلال الصهيوني محو الهوية الفلسطينية وطمس معالمها من خلال قصائده الخارجة “للتو من فوهة البندقية” على حد تعبير الشاعر والأديب المصري الراحل محمد يوسف، أومن خلال ابحاثه القانونية بالعربية والانكليزية التي فضحت جرائم الاحتلال. أنظر: حلمي الزواتي، حقوق الفلسطينيين بين الواقع النظري والتطبيق العملي في الأرض المحتلة (بيروت: مؤسسة السنابل الثقافية، 1979)؛ حلمي الزواتي، القانون الدولي والمستوطنات اليهودية في الأرض العربية المحتلة (بيروت: مؤسسة السنابل الثقافية، 1986). وأنظر أيضا محمد يوسف، “قراءة في تضاريس تجربة الزواتي الشعرية: هذه اللعبة الدموية الكاملة من يجرؤ على الركض في جحيمها؟”، جريدة الأنباء (23 تموز/يوليو 1987)، ص 8.

32 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 123.

33 تعتبر مسرحية انظر وراءك في غضب Look Back in Anger، التي كتبها الكاتب الإنجليزي جون أوسبورن John Osborne وعُرضت لأول مرة عام 1956 على مسرح رويال كورت Royal Court في لندن، واحدة من أهم الأعمال المسرحية في القرن العشرين. لقد قدم في هذه المسرحية ثورة احتجاج وغضب ضد انجلترا التي تَدَّعى حرية الشعوب وشاركت في الوقت ذاته بالاعتداء على مصر عام 1956 مع فرنسا ودولة الكيان الصهيوني. انظر علي عبدالفتاح، “عشاق الصدق والجمال”، صحيفة دنيا الرأي الإلكترونية (7 أيار/مايو 2011).

34 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 97.

35 يلمح القارئ في قصائد الزواتي تأثره الواضح بنصوص القران الكريم، حيث وظف كثيرا من الآيات القرآنية في تناص بديع تخلل نسيج معظم قصائده. إقرأ ندى شداد، “جدلية التَّناص القرآني وتجلياته الدلالية في شعر الدكتور حلمي الزَّواتي: قراءة في قصيدة”الطوفان”، المجلة الثقافية الجزائرية، تشرين الأول/أكتوبر 2025، ص ص1-17. [فيما بعد جدلية التَّناص القرآني وتجلياته الدلالية في شعر الدكتور حلمي الزَّواتي].

36 أوكتافيو باث (1914-1998) شاعر، وكاتب، وديبلوماسي مكسيكي بارز، ويُعد من أهم أدباء أمريكا اللاتينية في القرن العشرين. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1990، وتميزت أعماله بمزج الشعر بالسريالية، النقد الاجتماعي، والفلسفة. كان سفيرا لبلاده في الهند، وفجاة قامت تظاهرات شعبية في المكسيك جُوبِهت من قبل السلطة بقوة السلاح والرصاص، فسقط آلاف القتلى، وعندها استقال من العمل الديبلوماسي وانضم الى صفوف شعبه معريّا بطش السلطة التي استخدمت الارهاب والقتل والذبح علنا في الشوارع ضد الشعب الأعزل. أنظر الموسوعة البريطانية <https://www.imdb.com/name/nm0668583/> (تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026).

37 انظر علي عبدالفتاح، “حلمي الزواتي لا يكتب كلماته بمداد الآخرين: مقابلة مع حلمي الزواتي،” (11 أيلول/سبتمبر 1989) مجلة كل العرب، العدد 368، ص 62.

38 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 149.

39 شاكر مصطفى، المرجع السابق رقم 1، ص 2.

40 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 153.

41 أوليفر جولد سميث Oliver Goldsmith (10 تشرين الثاني/نوفمبر 1728 – 4 نيسان/ أبريل 1774)، روائي إنجليزي – أيرلندي، كاتب مسرحي وشاعر، اشتهر بقصيدته القرية المهجورة (The Deserted Village 1770). ارتبط بعاطفة قوية مع قريته والناس البسطاء وقدم قصائد كثيرة عن قريته التي هجم عليها رجال الصناعه وقضوا على جمالها من حقول وأشجار وجداول مائية. أنظر الموسوعة البريطانية على هذا الرابط: 

<https://www.britannica.com/biography/Oliver-Goldsmith-Anglo-Irish-author>.

(تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026).

42 لقد ظل حلمي الزواتي في المنفى يحمل اسطورة المدائن الفلسطينية التي تقاوم، وظل أمينا لمعشوقته الأولى والأخيرة “زواتا”، فوحد فلسطين في “زواتا” كما يتوحد العالم كله في فلسطين. انظر المرجع السابق رقم 14، الرأي العام تحاور الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي.

43 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 153.

44 المرجع السابق نفسه، ص 169.

45 خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاما، بدءا بحادث عين الرمانه في 13 نيسان/ابريل عام 1975 وانتهاء باتفاق الطائف في تشرين أول/أكتوبر 1990، وما تخللها من أحداث جسام تمثلت بمذابح تل الزعتر (آب/أغسطس 1976) ومذابح صبرا وشاتيلا، والاحتلال الصهيوني لبيروت وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت (أيلول/سبتمبر 1982)، كتب الزواتي أبلغ قصائده معبرا عن حزنه العميق لما أصاب هذا الوطن الجميل، ومؤكدا على روح المقاومة التي لا يمكن أن تنكسر.

46 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 95.

47 المرجع السابق نفسه، ص 25.

48 بيرسي بيش شيلي Percy Bysshe Shelley شاعرإنكليزي رومانسي مهم، يعتبر واحداً من أفضل الشعراء الغنائيين باللغة الإنكليزية. وُلد في 4 أب/أغسطس 1792 وتوفي في8 تموز/يوليو 1822. الشاعر شيلي من أهم شعراء الحركة الرومانسية في إنجلترا، وكان يؤكد دائما على أن الشعراء هم الذين يفتحون أبواب المستقبل المُشرِق للعالم. أنظر الموسوعة البريطانية <https://www.britannica.com/biography/Percy-Bysshe-Shelley>.

(تم التصفح 29 15 آب/أغسطس 2026).

49 أنظر المرجع السابق رقم 14، الرأي العام تحاور الشاعر الفلسطيني حلمي الزواتي.

50 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 97.

51 يعتبر الشاعر الألماني فريدريك شيلر Friedrich Schiller (10 تشرين الثاني/نوفمبر 1759 – 9 أيار/مايو 1805) أحد أعظم رموز الأدب الألماني، وشخصية مركزية في الكلاسيكية الفايمارية إلى جانب صديقه المقرب يوهان فون غوته. عُرف شيلر كـ “شاعر للحرية” ودافع في أعماله عن المثل العليا، والكرامة الإنسانية، والحرية السياسية. أنظر الموسوعة البريطانية:<https://www.britannica.com/biography/Friedrich-Schiller >

(تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026).

52 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 177.

53 ميخائيل ليرمنتوف Mikhail Lermontov (1814-1841)، شاعر وروائي ورسام روسي بارز، يُعتبر من أعظم أدباء الرومانسية الروسية. ولد في موسكو لعائلة نبيلة ذات أصول اسكتلندية، وتربى في قرية تارخاني، ورأى فيه البعض خليفة لبوشكين. وقف الشاعر ليرمنتوف ضد حكم القيصر، وقد تأثر كثيرا حين شاهد بلاده تهوى تحت سياط الفقر والخديعة والحكم الديكتاتوري، وقد وصف مشهد زوجة الشهيد تقول لولدها: تعلم أن تكون شهيداً. انظر الموسوعة البريطانية: <https://www.britannica.com/biography/Mikhail-Yuryevich-Lermontov>

(تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026).

54 وضعت قصيدةُ “الطوفان” للشاعر الزواتي حجر الأساس لما أطلقت عليه الدكتورة ندى شداد “أدب الطوفان”، حيث أشادت القصيدة ببطولة أهل غزة وصمودهم في وجه آلة الحرب الصهيونية الشرسة وخذلان عربي لا مثيل له، مبينة أن عملية الطوفان فجر السابع من أكتوبر 2023 لم تكن سوى حرب دفاعية امتدت لأكثر من 75 عاما من تهجير وقتل الفلسطينيين وسلب ممتلكاتهم، ولتحرير أكثر من عشرة آلاف معتقل فلسطيني تم تغييبهم قسريا في سجون الكيان الصهيوني في أسوأ ظروف عرفتها البشرية منذ عشرات السنين. أقرأ حلمي الزَّواتي، “الطوفان”، جريدة الشرق (2 كانون الأول/ديسمبر 2023)، ص 9؛ وانظر أيضا المرجع رقم 35، جدلية التَّناص القرآني وتجلياته الدلالية في شعر الدكتور حلمي الزَّواتي.

وخلال مشاركته في مؤتمر كلية القانون بجامعة روتجرز الأمريكية المنعقد في 28 شباط/فبراير 2025 بعنوان “القانون القديم والحرب الجديدة: القانون الإنساني الدولي والنزاعات بعد مرور 75 عاما على اتفاقات جنيف” قدم الدكتور الزواتي ورقة بعنوان “خيانة الإنسانية: فشل آليات القانون الدولي الإنساني في حماية المدنيين في غزة”، مبينا الجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال الصهيوني ضد النساء والأطفال والشيوخ دون رادع، وموضّحا أن “الطوفان” معركة عادلة قاومت الظلم الواقع على الفلسطينيين قبل وبعد توقيع اتفاقات جنيف التي تطبق على مناطق النزاع في العالم انتقائيا. أنظر مقال جريدة الدستور الأردنية: “أكد أن المشكلة لم تبدأ 7 أكتوبر وإنما تمتد لـ 77 عاما: الفقيه القانوني الزواتي: حرب الإبادة في غزة أثبتت فشل القانون الدولي”، جريدةالدستور (9 آذار/مارس 2025)، ص 8.

55 قوافي الدم والياسمين، المرجع السابق رقم 3، ص 137.

56 المرجع السابق نفسه، ص 11.

57 يوجين يونسكو Eugène Ionesco (26 تشرين الثاني/نوفمبر 1909- 28 آذار/مارس 1994)، كاتب مسرحي فرنسي يُعد من الادباء الغاضبين على الواقع وأحد أبرز أعلام المسرح العالمي في القرن العشرين، والمؤسس لـ “مسرح اللامعقول إلى جانب صمويل بيكيت. لقد أكد أن ما يحدث في العالم نوع من العبث، ودعا إلى مقاومة الطغاة والمستعمرين. يُعرف بلقب “مولير القرن العشرين” لقدرته على السخرية والملاحظة الثاقبة. انظر الموسوعة البريطانية: <https://www.britannica.com/biography/Eugene-Ionesco>

(تم التصفح 15 آب/أغسطس 2026).