المجلة الثقافية الجزائرية

من ذكريات ماياكوفسكي عن يسينين

جودت هوشيار

كنت أعرف يسينين منذ زمن بعيد، منذ نحو عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة. التقيته للمرة الأولى مرتدياً حذاءً ريفياً من لحاء الشجر (لابتي) وقميصاً عليه نوع من التطريز المتقاطع. كان ذلك في إحدى الشقق اللينينغرادية الراقية.

وبما أنني كنت أعرف جيداً مقدار السرور الذي يشعر به الرجل الريفي الحقيقي، لا الرجل الريفي للزينة والاستعراض، حين يستبدل ملابسه بالأحذية الجلدية والسترة، لم أصدّق يسينين. بدا لي كأنه شخصية من أوبريت، أو دمية مسرحية مصطنعة. ولا سيما أنه كان قد بدأ بالفعل يكتب أشعاراً محبوبة، ومن الواضح أنه كان يستطيع تدبير بضعة روبلات لشراء حذاء.

وبصفتي شخصاً سبق له في زمن ما أن ارتدى القميص الأصفر ثم خلعه، سألتُه، على نحو عملي، عن ملابسه:

— وما هذا إذن؟ للدعاية؟

أجابني يسينين بصوت لو أن زيت قنديلٍ أيقظته الحياة لكان من المحتمل أن يتحدث بمثله. قال شيئاً من قبيل:

— نحن أهل الريف، لا نفهم شيئاً من هذا الذي عندكم… نحن هكذا… بطريقتنا… بالطريقة الأصيلة، الخشنة، الريفية…

كانت أشعاره، الموهوبة جداً والريفية جداً، بالطبع، معادية لنا نحن المستقبليين. لكنه، مع ذلك، كان شاباً يبدو مضحكاً ولطيفاً.

وعندما كنت أغادر، قلت له، احتياطاً:

— أراهنك أنك ستتخلى عن كل هذه الأحذية الريفية وكل مظاهر الريف هذه!
اعترض يسينين بحماسة وحرارة نابعة من الاقتناع. وكان كليويف قد أخذه تحت جناحه، مثل أمّ تجذب ابنتها التي تخشى عليها من الفساد، حين تخاف أن تفتقر ابنتها نفسها إلى القوة والرغبة في المقاومة.

كان يسينين يظهر بين حين وآخر. أما اللقاء الحقيقي المتواصل معه فكان بعد الثورة، عند غوركي. وما إن رأيته حتى صرخت، بكل ما لديّ من فظاظة فطرية:

— هات ما راهنتَ عليه يا يسينين! ها أنت ترتدي السترة وربطة العنق!

فغضب يسينين وراح يستفزني ويتحداني.

كان لقائي الأخير بيسينين قد ترك في نفسي انطباعاً ثقيلاً وعميقاً. رأيت عند شباك التذاكر في دار النشر الحكومية رجلاً يندفع نحوي، بوجه متورم، وربطة عنق ملتوية، وقبعة بالكاد تستقر على رأسه، متعلقة عرضاً بخصلة من شعره الأشقر. وكانت تفوح منه ومن رفيقيه ذوي المظهر المعتم، بالنسبة إليّ على الأقل، رائحة الكحول. بالكاد عرفت يسينين. وبصعوبة أفلتُّ من طلبه الفوري بأن نشرب معاً، وهو يعزز طلبه بالتلويح بحزم من الأوراق النقدية ذات اللون الأحمر القاني.

ظللت طوال اليوم أفكر في مظهره البائس، وفي المساء، بطبيعة الحال، تحدثت طويلاً مع الرفاق ــ وللأسف، غالباً ما ينتهي الأمر عند الجميع، وفي كل زمان، عند مجرد الكلام ــ عن ضرورة أن نفعل شيئاً ما من أجل يسينين. أخذنا نلعن «الوسط» الذي يعيش فيه، وافترقنا ونحن مقتنعون بأن أصدقاء يسينين، أي «اليسينينيين»، يراقبونه ويهتمون به.

لكن اتضح أن الأمر لم يكن كذلك.

لقد أحزنني موت يسينين، أحزنني حزناً عادياً، حزناً إنسانياً. غير أن هذه النهاية بدت لي، منذ اللحظة الأولى، طبيعية ومنطقية تماماً.

علمت بالأمر في الليل. وكان من المفترض أن يبقى حزني مجرد حزن، وربما كان ليتبدد بعض الشيء مع حلول الصباح. لكن الصحف في الصباح حملت إلينا سطريه الأخيرين:

ليس جديداً أن نموت في هذه الحياة،
لكنّ العيش، بالطبع، ليس جديداً أيضاً
.
بعد هذين السطرين، أصبح موت يسينين حقيقةً أدبية.

ملاحظة – عندما نقرأ ذكريات ما ياكوفسكي عن يسينين، ينبغي أن نأخذ في الإعتبار انهما كانا المنافسان الرئيسيان في الشعر الروسي في العشرينات من القرن العشرين.