المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

حين تحلق أحلامنا خارج المألوف

 د/ محمود حسن محمد

   

  في زوايا الحياة الروتينية، حيث تتكدس الأيام فوق بعضها البعض كرفوف مكتبة قديمة، وحيث يغرق الكثيرون في منطق المألوف وواقع الحسابات الدقيقة، قد تأتي لحظة واحدة لتنسف كل تلك الجدران، وتعلن أن للروح جناحين لم تعرف كيف تحلق بهما بعد .

       هذه اللحظة، التي قد تبدأ بنظرة، أو كلمة، أو حتى عنوان كتاب، هي اللحظة التي تكتشف فيها أحلامنا قدرتها على التحليق خارج المألوف.

       كثيرون يرون الواقع قفصاً، تحدّه الأسوار التي بنيت من تجارب الماضي، ومن خوف المستقبل، ومن منطق “ما يجب أن يكون”، لكن القليلين فقط يدركون أن هذا القفص وهمي، وأن مفتاح التحرر يكمن في الإيمان بقوة لا ترى بالعين المجردة: قوة الأحلام التي لا تخضع لقوانين الجاذبية الأرضية.

       إنها ليست مجرد أمنيات عابرة، بل هي تلك الرؤى العميقة التي تسكن أرواحنا، والتي ترفض الاستسلام لمقولة “هذا مستحيل” أو “هذا ليس منطقياً”. هي الشرارة التي تدفعنا لتجاوز حدودنا، لكسر قوالبنا، وللبحث عن المعنى حيث لا يجرؤ الآخرون على البحث…

    حين تتحلى الأحلام بجرأة الخروج عن المسار المعبّد، فإنها تكتشف دروباً جديدة، وجمالاً لم يكن ليُرى في ضوء الشمس العادية.

         وهنا يأتي دور اللقاءات الاستثنائية، قد يكون شخصاً ما، يدخل حياتك مصادفة، ليصبح بمثابة محفز يحرر تلك الأحلام المكبلة، بنظرة واحدة، أو بكلمة واحدة، أو حتى بسؤال بسيط عن “كتاب كنت تقرأه”، قد يُعيد صياغة مفهومك للواقع…..

      يصبح ذلك الشخص مرآة تعكس لك أعمق أمنياتك، ونافذة تطل منها على قدرات لم تكن تعلم بوجودها، إنه يهمس لقلبك بأن ما كنت تظنه وهماً، هو في الحقيقة دعوة لتجربة أعظم.

        “حين تحلق أحلامنا خارج المألوف”، فإنها لا تعني الهروب من الواقع، بل هي دعوة لإعادة تشكيل هذا الواقع، لصبغه بألوان الشغف والدهشة….

  إنها تذكرنا بأن أعظم الاكتشافات ليست في الفضاء الخارجي، بل في الفضاء اللامحدود داخل قلوبنا وعقولنا، حيث ينتظر الحب، والإلهام، والمعجزات، فقط لكي نجرؤ على إطلاق سراحها.

        فلا تخشَ أن تحلق أحلامك عالياً، حتى لو بدت غريبة في عيون الآخرين. ففي نهاية المطاف، كل ما هو عظيم بدأ بفكرة، بحلم، برغبة في تجاوز ما هو مألوف.