إبراهيم أبو عواد*
ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا يعرف صاحبُه مصدرَه أحيانًا، ويشتعل في الحنين الذي يأتي مُحَمَّلًا بالألم. ذلك هو التاريخ حين يتحوَّل إلى جُرح مفتوح على كُلِّ الاحتمالاتِ والذكرياتِ والحكايات.
ولعلَّ الأدب، أكثر من أي خطاب آخر، يعرف كيف يقترب من هذا الجُرح دون أن يدَّعي امتلاكَه أو تفسيرَه بالكامل. الروايةُ لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تُصلح ما أفسده التاريخ، لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية، وهو أن تمنح الذاكرةَ صوتًا، وتجعل الإنسانَ الذي سحقته الأحداثُ الكبرى حاضرًا من جديد، ليس بوصفه رقمًا في سِجل، ولا شاهدًا في وثيقة، وإنما بوصفه روحًا لها وجهٌ وارتباك ورغبة وخوف وحُب، وخسارات لا تنتهي عند حدود الصفحة الأخيرة.
من هذه المنطقة الموجعة يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الإريتري حجي جابر ( وُلد 1976 ) إلى جانب تجربة الروائي الألماني برنهارد شلينك ( وُلد 1944 ). كاتبان يأتي كُل واحد منهما من جغرافيا مختلفة، وتاريخٍ شديد الخصوصية، وذاكرةٍ جماعية ليست هي ذاكرة الآخَر. ومعَ ذلك، ثمَّة خيط خفي يجمع بينهما، كلاهما يعرف أنَّ الماضي ليس ماضيًا تمامًا، وأنَّ ما حدث ذات يوم يستطيع أن يواصل حياتَه داخل الأحياء، وأنَّ الإنسان قد يرثُ تاريخًا لَم يصنعه، ثم يقضي عُمره كُلَّه في محاولة فهم ما الذي يفعله به هذا الإرث.
حجي جابر يقترب من التاريخ من جهة الذاكرة الأفريقية والإريترية، ومن جهة المنفى والهُوية والاقتلاع والبحث عن وطن يبدو قريبًا في الخيال، وبعيدًا في الواقع.
أمَّا شلينك فيدخل إلى التاريخ الألماني من باب آخَر، باب المسؤولية والذنب والصمت، وما تفعله الجرائم الكبرى حين تنتقل من جيل إلى جيل، وتصل إلى أولئك الذين لَم يرتكبوها.
يحبُّ الناسُ أن يتعاملوا معَ التاريخ باعتباره شيئًا انتهى. يضعون له التواريخ، ويُرتِّبون أحداثَه، ويحفظون أسماءَ مراحله، ثم ينتقلون إلى الحاضر كأنَّ الماضي غرفة أُغلقتْ بالمفتاح. لكنَّ الرواية تعرف أنَّ الأمر ليس بهذه البساطة.
الماضي لا يغادرنا لأنَّنا نُقَرِّر أنَّه غادرَ. قد يختبئ، وندفنه تحت طبقات من النسيان، ونتعلَّم كيف نتحدث عن أشياء أُخرى، وتنشغل الأجيالُ الجديدة بحياتها اليومية، لكنَّ شيئًا ما يبقى في الداخل. كلمة، أو صورة، أو رائحة، أو اسم مدينة، أو حكاية ناقصة، أو خوف غامض، أو صمت عائلي لا نفهم سببَه. وهُنا تبدأ الرواية.
حجي جابر يعرف هذه المنطقة جيدًا. في عالَمه الروائي لا تبدو الهُوية بطاقة تعريف بسيطة، ولا يكون الوطنُ مكانًا جغرافيًّا يمكن الإشارة إليه على الخريطة ثم الانتهاء من الأمر. الوطن تجربة نفسية، وذاكرة، ولغة، وفقدان، وسؤال مؤلم، ماذا يبقى من الإنسان حين يُنْتَزَع من المكان الذي كان يظنُّه جزءًا من تعريفه لنفسه؟.
في المقابل، يذهب شلينك إلى سؤال آخر، لكنَّه لا يقلُّ قسوةً، ماذا يحدث حين يكون الماضي الذي نرثُه مرتبطًا بجريمة تاريخية؟، هل يكفي أن نقول: لَم نفعل شيئًا؟، وهل يستطيع جيل لَم يرتكب الجريمة أن يعيش خارج ظِلِّها؟، وما هي حدود المسؤولية؟، ومتى يتحول الاعترافُ بالذنب إلى عبء لا يعرف صاحبُه كيف يَحمله؟. هُنا يصبح التاريخُ أشبه بأب غائب، لكنَّه حاضر في كل شيء. لا نراه، لكنه يحدد كثيرًا من تفاصيل حياتنا.
في تجربة حجي جابر، تبدو الجغرافيا في كثير من الأحيان أقل ثباتًا مِمَّا نظن. الإنسانُ قد يَعبر الحدودَ، لكن الحدود لا تَعبره بالضرورة. وقد يغادر المكانَ، لكنه لا يستطيع أن يغادر ما صنعه المكان فيه. وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في تجربة المنفى، أن تصل إلى مكان جديد بجسدك، بينما تظلُّ رُوحك مُعلَّقة في مكان آخر.
ليس المنفى مُجرَّد انتقال من بلد إلى بلد، إنَّه اضطراب في العلاقة بين الإنسان وذاكرته. فجأةً، تصبح الأشياءُ التي كانت عادية ثمينة. والشوارعُ القديمة تتحوَّل إلى أساطير شخصية، والأسماء التي لم نكن نلتفت إليها تصبح أبوابًا لزمن كامل. واللغة تصبح مأوى، وتتحوَّل في الوقت نفسه إلى تذكير دائم بما فُقد.
عند حجي جابر، لا يظهر التاريخُ بوصفه محاضرةً سياسية، بلْ بوصفه أثرًا على مصائر الأفراد. الروايةُ لا تقول لنا فقط إنَّ بلدًا عاش الحربَ أو الاستعمار أو القمع أو الانقسام. الروايةُ الحقيقية تسأل: ماذا فعل كُلُّ ذلك بامرأةٍ واحدة، أو برجلٍ واحد، أو بعائلة، أو بطفل، أو بحبيب، أو بإنسان وجد نفسه ذات صباح مضطرًا إلى أن يختار بين ذاكرته وحياته؟. هُنا تتحول الأحداث الكبرى إلى تفاصيل صغيرة، وهذه التفاصيل هي التي تؤلم.
والإنسانُ لا يعيش التاريخ في الكتب، بل يعيشه في الأشياء اليومية، في حقيبة سفر، أو اسم مُستعار، أو صورة قديمة، أو رسالة لَم تصل، أو شخص لَم يعد، أو بيت لا يستطيع صاحبُه العودةَ إليه، أو وطن صار أكثر حضورًا كلما ابتعد عنه الإنسان. لذلك تبدو رواية حجي جابر، في جوهرها، محاولة للإنصات إلى الإنسان حين يصبح الوطنُ سؤالًا بدل أن يكون جوابًا.
وإذا كان حجي جابر يكتب كثيرًا عن التاريخ من جهة مَن اقْتُلِعُوا منه، أو وَجدوا أنفسهم في مواجهته، فإنَّ شلينك يقترب منه من جهة أُخرى، من جهة الذين ورثوا تاريخًا مثقلًا بالعارِ والمسؤولية، حيث يَحمل الأبناءُ خطايا الآباء. وهذه زاوية شديدة التعقيد، فالجيلُ اللاحق لا يستطيع أن يتحمل المسؤوليةَ عن جريمة لَم يرتكبها، لكنَّه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتصرف كما لو أنَّ شيئًا لم يحدث.هُنا ينشأ السؤالُ الأخلاقي المُربك:ما علاقة الإنسان بما فعله أسلافُه؟.
رُبَّما يقول العقل: لا علاقة له، لكن الذاكرة تقول: هُناك علاقة. ليس لأنَّ الابن مذنب بما فعله الأب، وإنما لأنَّ الماضي دخل بالفعل في تشكيل العالَم الذي يعيش فيه الابن. لقد تركت الجريمةُ وراءها قوانين وخرابًا وصمتًا وعلاقات مكسورة، وَرُبَّما تركتْ أيضًا طريقة في النظر إلى الذات والآخَر. ومِن هُنا تصبح مواجهة الماضي فِعلًا أخلاقيًّا، وليس اهتمامًا بالتاريخ فحسب.
شلينك لا يترك شخصياته في منطقة مريحة، لا يمنحها أجوبة سهلة، إنَّه يدفعها إلى مواجهة الأسئلة التي نُفَضِّل عادةً أن نهرب منها: هل الحُب قادر على تجاوز التاريخ؟، وهل المعرفة تُبرِّئنا أمْ تُعذِّبنا؟، وهل الاعتراف يكفي، وهل يمكن أن يكون الإنسان في الوقت نفسه ضحيةً وجلادًا، أو مُحِبًّا ومشاركًا في الصمت، أو بريئًا من الفعل لكنَّه متورط في نتائجه؟. إنها أسئلة لا تنتهي، لأن التاريخ لا يُقَدِّم لها نهاية نظيفة.
هناك فرقٌ عميق بين أن نتذكر وأن نفهم. قد نتذكر شيئًا سنوات طويلة دون أن نعرف كيف نضعه في مكانه الصحيح داخل حياتنا. الذاكرةُ ليست أرشيفًا محايدًا، إنها كائن حي، تنتقي، وتُخفي، وتُضخِّم، وتنسى، وتستعيد ما ظنناه مات، وقد تفعل ذلك كُلَّه دون إذن مِنَّا. وهذا ما يجعل التعاملَ معَ الذاكرة في الأدب شديد الحساسية.
عند حجي جابر، تتحوَّل الذاكرةُ إلى محاولة لاستعادة معنى ما، ورُبَّما لاستعادة ذات تاهتْ بين الأمكنة والتاريخ والتحولات. وعند شلينك، تتحول الذاكرةُ إلى محكمة داخلية لا يعرف الإنسانُ كيف يخرج مِنها.
في التجربتين، هُناك رغبة في العدالة، لكنَّ الأدب لا يُقَدِّم العدالةَ بطريقة قانونية. إنَّه يبحث عن عدالة أُخرى، عدالة أن يُروَى ما حدث، ويُسمَع صوت مَن لَم يَسمعه أحد، ونعرف أنَّ وراء الحدث الكبير إنسانًا صغيرًا كان يعيش يَوْمَه، ويُحب، ويخاف، ويَحلم، ثم جاء التاريخ، وأفسدَ عليه ترتيبَ الأشياء.
مِن السهل أن نقول إنَّ علينا مواجهة الماضي، لكن ماذا يعني ذلك فِعلًا؟. هل يكفي أن نعترف بأنَّ الماضي كان مؤلمًا؟، وهل يكفي أن نُسمِّي الجريمةَ باسمها؟، وهل تكفي الكُتب والمتاحف والنُّصب التذكارية؟. الجُرحُ التاريخي ليس جُرحًا في ورقة، إنَّه جُرح في أشخاص.
حين يكتب حجي جابر عن آثار التاريخ في الوجود الإريتري، وحين يضع شلينك الإنسانَ أمام ثقل الماضي الألماني، فإنَّهما لا يتعاملان معَ الذاكرة باعتبارها واجبًا ثقافيًّا فحسب، بل باعتبارها اختبارًا للإنسان.
ماذا نفعل بما نعرفه؟. هذا واحد من أهم الأسئلة التي يمكن أن تطرحها الرواية. المعرفةُ ليست بريئةً دائمًا. حين نعرف، يصبح علينا أن نعيد النظرَ في أشياء كثيرة، في أنفسنا وعائلاتنا وبلادنا، والصورةِ التي صنعناها عن الخير والشر، والقصصِ التي اعتدنا أن نُصدِّقها دون أن نسأل مَن الذي كتبها ومَن الذي غاب عنها.
وهُنا يصبح الأدبُ خطرًا بطريقة جميلة، إنَّه يزعزع الروايةَ المريحة، ويمنعنا من تحويل الضحية إلى رمز جامد. التاريخُ الرسمي يُحب الأرقام، والروايةُ تُحب الوجوه، والتاريخ يقول: مات الآلاف، والرواية تسأل: كيف عاش واحد منهم يومَه الأخير؟، والتاريخ يقول: هاجرَ الناسُ، والرواية تسأل: ماذا حدث للأم التي أغلقتْ بابَ بيتها وهي لا تعرف إن كانت ستراه مَرَّةً أُخرى؟، والتاريخ يقول: وقعت الجريمة، والرواية تسأل: ماذا حدث بعد ذلك داخل رأس الشخص الذي عرف الحقيقةَ متأخرًا؟. وهذه النقلة من الرقم إلى الإنسان هي إحدى أعظم وظائف الأدب.
حجي جابر لا يترك الذاكرةَ في مستوى الشعارات. حين يقترب من الوطنِ والاقتلاع والهُوية، فإنَّه يجعل هذه المفاهيم تمرُّ عبر الجسدِ والحياة اليومية. وشلينك، من جهته، لا يسمح للذنب التاريخي بأن يبقى مفهومًا مُجَرَّدًا، يضعه داخل علاقات بشرية، داخل الحُبِّ والأسرة والصداقة والرغبة والشك. كأنَّهما يقولان لنا بطريقة مختلفة: التاريخُ لا يؤلم لأنه حدث فقط، بلْ لأنه حدث لأشخاص. واختلافُ الجُرح لا يلغي وحدةَ الإنسان.
إنَّ تجربة الاستعمار والاقتلاع والهُوية والمنفى ليست هي تجربة مواجهة إرث النازية والذنبِ التاريخي. لكلِّ مجتمع ذاكرته، ولكلِّ جُرح لغته، ولكلِّ ضحية سياقها، ولكلِّ تاريخ شروطه التي لا يجوز محوها باسم التشابه.
ومعَ ذلك، فإنَّ الإنسان يظلُّ هو الحَلْقة التي تصل بين التجارب. الخوفُ واحد حين يدخل الجسد، والفقدُ واحد حين يصبح الغائب حاضرًا في كل شيء، والحنينُ واحد حين يتحوَّل المكانُ إلى شيء لا يمكن الوصول إليه، والعارُ واحد حين يكتشف الإنسانُ أن الصورة التي حملها عن نفسه ليست كاملة. لهذا يمكن للأدب أن يَعبر الحدودَ التي لا تستطيع السياسةُ عبورها بسهولة.
من أكثر الأسئلة إلحاحًا في أدب الذاكرة سؤالُ الأجيال.ماذا يفعل الأبناءُ بتاريخ لَم يصنعوه؟، وهل يحق لهم أن يبدؤوا من الصفر؟، رُبَّما لا يوجد بدء من الصفر أصلًا.
كُلُّ جيل يصل إلى العالَم ولديه أشياء لَم يخترها: لغة، وعائلة، وبلد، وذاكرة، ومعتقدات، وصور عن الآخَر، ومخاوف قديمة، وأسرار.
وهُنا يلتقي حجي جابر وشلينك، رغم اختلاف المسارات، في منطقة شديدة الحساسية: الإنسان ليس ابن الحاضر وحده. إنَّه ابنُ ما سبقه أيضًا، لكن أن تكون ابنًا للتاريخ لا يعني أن تكون أسيرَه، وهذا هو التحدي الحقيقي، أن نتذكر دون أن نتحول إلى سجناء للذاكرة، ونعترف بالماضي دون أن نُقَدِّسَه، ونُحاسِب دون أن نرثَ الكراهية، ونحب الوطنَ دون أن نُحوِّله إلى صنم، ونعرف الجريمةَ دون أن نعيش إلى الأبد داخل دور الجلاد أو الضحية. هذه الموازنة صعبة، لهذا تبدو الرواية المكان الأنسب لطرحها. الروايةُ لا تحتاج إلى إصدار حُكم نهائي، يكفيها أن تتركنا أمام السؤال.
في عالَم شلينك، يصبح الصمتُ شيئًا لا يقل أهمية عن الكلام. وفي تجربة حجي جابر، لا تكون الأشياءُ التي لا تُقَال أقل حضورًا من الأشياء التي تُقَال.
والصمتُ ليس فراغًا، أحيانًا يكون الصمتُ أكثر الأشياء امتلاءً، لأنه يَحمل ما لم نستطع قولَه، أو ما لم نرد قولَه، أو ما لم نَعرف كيف نقوله، لهذا تبدو الروايةُ كأنها عملية تفكيك لهذا الصمت المتراكم.
شلينك يجعل المسؤوليةَ الأخلاقية حاضرة حتى حين يصبح تحديدها مُعَقَّدًا، وحجي جابر يَجعل آثارَ الماضي قائمة حتى حين يحاول الإنسانُ أن يجد لنفسه مكانًا جديدًا في الحياة.
حجي جابر وشلينك لا يكتبان كَي يمنحا القارئَ راحةً سهلة، إنهما يضعانه أمام تاريخ غير مريح، وأسئلةٍ لا يمكن الإجابة عنها بجملة واحدة. والروايةُ ليست عيادةً تعطي الماضي دواءً، إنها غرفة يضيء فيها القارئُ مصباحًا، وينظر إلى ما كان يخاف أن يَراه.
حين يعطي حجي جابر مساحة للذاكرة الإريترية، فإنه لا يكتب عن بلد فحسب، بل يفتح نافذةً على إنسان قد لا يجد مكانَه في الرواية الكبرى التي تكتبها السياسة.
وحين يعيد شلينك فتحَ ملفات الماضي الألماني داخل العلاقات الشخصية، فإنه يُذكِّرنا بأن التاريخ لا ينتهي حين تنتهي المحاكم. هناك محاكم أُخرى: الضمير والذاكرة والعلاقات الإنسانية.
*كاتب من الأردن





