المجلة الثقافية الجزائرية

رواية ثورة الأيام الأربعة لعبد الكريم الجويطي

حميد المصباحي

عندما تكون الرواية سياسية، فهي لا تستحضر فقط الوقائع السياسية، كالثورات والتحرر من قبضة المستعمر، بل تطل أيضا على تمثلات المجتمع للسياسة والسياسيين، وهذا ما تستحضره الرواية وتصر عليه، بل تبرزه ليظهر كمتحكم في فشل الثورات، ويتمثل ذلك في كل أشكال السرد المحكية من خلال مشارك، فهنا الشخصيات دالة:

1- شخوص مغايرون:

إنهم يمثلون كل أنماط الناس المتضررين من اختيارات الدولة السياسية، لكن شعورهم مختلف، الفخاري التاجر المقاوم السابق وحتى بعض من رجالات السلطة القائد.

هناك المندفع خوفا، المتحمس حلما وحتى وهما، وهناك المثقف الأستاذ الذي سموه الجنرال، إدراكا منهم لحاجته إلى سلطة القيادة، وهناك المندفع بجسده والراغب في ممارسة سلطة كما عاشها، وهناك الجندي الذي انجذب بالحب والزواج فصار منتميا لجماعة تمردت وهاجمت ثكنة للقوات المساعدة.

أرادت الجماعة البداية بممارسة سلطتها، فلم تجد غير الماخور لتعطله عن العهارة طمعا في نيل رضى السكان أخلاقيا، لكن ذلك لم يحدث، فالقبيلة صامتة بحكم تاريخها الذي ما يزال حاضرا، فهي رغم قوتها الجبارة وصمودها في وجه المستعمر، اصطدمت مع بعضها فحارب أبناء العمومة بعضهم وتقاتلوا، مدركين أن الماضي الذي لا يفهم يتكرر بأشكال مختلفة ومخيفة في الوقت نفسه.

في الرواية حضور تمثيلي لرجل السلطة العسكري والمثقف الراغب في الفهم قبل الفعل، وهو بذلك يصطدم ضرورة بالعسكري، الذي لا يهمه إلا الفعل والمغامرة، وهو مستعد ليحيك كل حيل تصفية الخصوم والأعداء كما أصدقاء الدرب إن لم يعترفوا بضرورته والحاجة الملحة إليه، فهو الأرنب والمثقف سلحفاة، تصل رغم بطئها لغايتها صادمة من يسخرون من بطئها ونومها الثقيل.

الثورة موجهة بالغائبين عنها، وهي رسالة دالة، إذ يعيد السارد التذكير بهذا الغائب، مسميا إياه بالذي يعرف كل شيء، أو العالم بكل ما يروج على الأرض وربما فوقها، فهم نبراس النفوس المعتمة ودليلها بآلة اتصال معطوبة.

بهذا العطب تحولت رفقة الثورة إلى لحظتين قاتلتين:

لحظة الانتظار حتى يطل صوت العالم والموجه الذي يعرف تحركات السلطة ويرصدها.

لحظة المغامرة التي تنشد الفعل قبل الفهم، فالمغامرون يشيدون والساسة ينظمون ما لم ينتظم.

بين هاتين اللحظتين، كانت الحرقة حرقتين:

حرقة اليقين بقدوم القوة الداعمة للنظام بانتقامها الحاسم والذي لن يتأجل مهما طال الانتظار وحتى التردد.

حرقة المجتمع القبلي الذي يخاف السلطة وحتى المتمردين عليها، وهو بهذه الغريزة السياسية، يستحضر بصور الغائبين ممن حاربوا إلى جانب المحتل، فاختفى بعضهم وجن البعض الآخر أو عاد بعاهة جسدية يأبى التسول بها لأنها دليل بطولة لا ضعف، منتظرا تدخل سلطته الوطنية لتعيد رفاة القتلى أو تطالب المستعمر بمعرفة مصيرهم.

وبعدها استقلت البلاد وبقيت السلطة تذكر محاربيهم وتتوجس منهم، فوقفت خلفهم مراقبة لما يقدمون عليهم في انشغالهم ببعضهم ومصيرهم المراد اعتباره قدرا، الصبر عليه حكمة وإيمان.

هكذا تعود الرواية إلى ماضي المكان الجغرافي وتربطه بأهله، وهم يفكرون بجروحهم في الخلاص ويخافون نتائجه، هذا ما يجمعهم ويتفقون حوله بدون نقاشات الساسة وحذلقة المثقفين الراغبين في التحول إلى مقاتلين، يجمعون بين السلاح والأقلام أو الخطب المحمسة أو الحالمة بغد مشرق دون تأمل الحاضر والتصالح مع الماضي، بفهمه واستيعاب وقائعه التاريخية بالمعايشة وليس التعالي عليه.

هناك غرابات رمزية في الرواية، كما هي عادة السارد، يرسم صورا عن ذوات فاعلة في الحكاية، نفسيا أو اجتماعيا، بتصريح أو تلميح، لكن هناك شخوص بدون ماض أو ماض مشوش، وفي المقابل، السلحفاة، كان لها وجود مغاير، إنها بطيئة بفعل العادة، لكن تختفي فجأة، وكأنها تعرف حيل السرية أكثر من بعض البشر المسيسين خفية، وهي أيضا قادرة على أن توجد حيث لا يريد لها مالكها أو مربيها، فلا يعرف كيف لهذا الكائن أن يبتعد كل هذه المسافات مخترقا سياجا أو سورا مقتفيا أثرا ما بدون أن يحيل على مكان تواجده أو يسترشد بأحد من جنسه أو أجناس مختلفة عنه.

لطالما كانت السحالي مثالا في البطء وربما الجمود، لكنها رغم افتقادها للسرعة في أساطير اليونان، سبقت الأرنب الذي اطمأن إلى سرعته ورشاقته، ربما هي ثقة الحالمين بالثورة أو ما سمي ماركسيا بقطع المراحل رغم رفض التاريخي للإمكانات الإرادية المستعجلة، حتى لا نقول المتهورة.