بقلم: مها الورهاني
كانت مثل مطر خفيف الوزن وشمس مواربة تقطر حنينا ودهشة شغف، لا مقال بعينه ينصفها أو يرد بعض حقوقها على المعنيين والمهتمين والقراء.. على التربية والوجدان والثقافة بأسرها تنوعاً وثراءً وتأسيساً حدَّ تشكيل الهوية… وفي بوح كثيف الشجن.. نقول: إنها الأديبة والشاعرة والناقدة والمترجمة الأكاديمية الفلسطينية القديرة سلمى صبحي الخضراء الجيوسي التي رحلت عن الدنيا الفانية في (20 نيسان / أبريل 2023).
تذكر المصادر أن سلمى ولدت في العام 1928م من أب فلسطيني وأم لبنانية في مدينة صفد الفلسطينية وترعرعت في مدينة عكا وفي حي البقعة في القدس الغربية، وحصلت على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة لندن، ودرَّست في جامعات الخرطوم والجزائر، ثم سافرت إلى أمريكا لتدرّس في عدد من جامعاتها إلى أن أسست العام 1980 مشروع “بروتا” لنقل الأدب والثقافة العربية إلى العالم الأنجلوسكسوني، وقد أنتجت “بروتا” الموسوعات، وكتباً في الحضارة العربية الإسلامية، وروايات ومسرحيات وسيراً شعبية وغيرها. كما نشرت شعرها في العديد من المجلات العربية، وأهم دواوينها الشعرية: العودة من النبع الحالم 1960.
ومن أهم أعمالها: دراسة عن “الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث”، حيث يعتبر الكتاب مرجعاً لا يتقادم، بما يتوفر فيه من معرفة دقيقة لأوضاع التحديث الشعري ولمبادئه وخصائصه ومرجعياته. مع ما لهذا الكتاب من عمق في النظرة وموضوعية في الانتقاء والتقويم والتحليل. ثم إنه غني بالمعلومات الدقيقة، التي لا يمكن لأي باحث أن يستغني عنها. وهو لذلك كتاب يظل جديداً باستمرار، حتى ولو كان مر على صدوره في الإنجليزية ما يقرب من أربعين سنة وفي العربية ما يقرب من عشرين سنة.

أما الموسوعة التي أنجزتها عن الحضارة الأندلسية فهي أيقونة متفردة بين الدراسات والأعمال التي جعلت من الأندلس موضوعاً لها. فهي تجمع بين تعدد مجالات الحضارة الأندلسية وبين أهم وأكبر الباحثين والدارسين من عرب وأجانب، الذين هم من أصحاب الاختصاص في الدراسات الأندلسية.
وتعتبر دراستها عن الأدب الفلسطيني مساهمة كبرى في التعريف بالثقافة الفلسطينية، بما هي عنوان الهوية الفلسطينية. جمعت فيه بين الأعمال والأعلام والدراسات، وألفت بين التأريخ والتوثيق والتحليل. وهذه كلها تعطي عملها في آن قوة ومصداقية المرجعية والنزاهة الفكرية.
وحصلت سلمى على عدد من الجوائز، منها جائزة شخصية العام الثقافية للدورة 14 من “جائزة الشيخ زايد للكتاب” العام 2020، وجائزة “الإنجاز الثقافي والعلمي” الصادرة عن مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية العام 2007، وجائزة “سلطان بن علي العويس” العام 2006، بالإضافة إلى وسام القدس للإنجاز الأدبي، ومنحت الشاعرة سلمى وسام القدس للثقافة والفنون العام 1990 ووسام اتحاد المرأة الفلسطينية الأمريكية للخدمة الوطنية المتفوقة 1991. كما حصلت على “جائزة محمود درويش للإبداع” العام 2023.
لقد منحتنا قراءة إبداع سلمى الخضراء الجيوسي ثقافة أكثر ثراءً، وألقت بنا في كنوز المعرفة العميق، وساعدتنا على التعامل مع أكبر الأسئلة التي يمكن أن يطرحها الإنسان حول إبداع المرأة العربية ضمن سياق دعوة قوية للعمل على تخليد سير أمثال سلمى حتى لا يموت هذا الثراء ونموت نحن وأجيالنا القادمة بعده .
كاتبة واعلامية/ ألمانيا





