المجلة الثقافية الجزائرية

سماء صافية 

عبدالعزيز الظاهري‬‎ 

 

وأنا اقف بجوار مدخل أحد الفنادق في شمال أوروبا، أخذت أسأل نفسي بانزعاج: هل يعقل أن أخرج من غرفتي وأعرض نفسي للبرد القارص كل نصف ساعة لأقف بخشوع وإذلال أمام طفاية السجائر؛ كأنني شخص يؤدي نُسكًا دينيًّا من أجل تدخين سيجارة منزوعة النكهة لا أميز ما يخرج من فمي أهو دخان السيجارة أم بخار بسبب برودة الطقس؟؟

وأنا في هذا الوضع السيئ تسللت من بين شفتي ابتسامة ساخرة، وسرحت بفكري وأنا أشاهد في الطرف الآخر للشارع، رجلًا عجوزًا واقفًا، رغم برودة الجو يحملق فيّ بفضول!!

افتكرت (نظرية الطقس) الخاصة بصديقي الذي قضى جلَّ حياته جوّالًا من بلد إلى آخر؛ بحكم عمله. حيث يقول: إن سبب الاختلاف بيننا وبين شعوب شمال أوروبا هو الطقس لا غير، فنهارهم بلا شمس وليلهم بلا قمر ولا نجوم تلمع، وأشجار حقولهم صامتة دون حراك، إنهم يسكنون تحت قبة سماء داكنة حزينة تذرف دموعها دون توقف ولا يرافقها نحيب، فالمنظر المواجه لنوافذهم يحمل منظرًا جامدًا، لا شيء يجبرهم على رفع أبصارهم أو يسترعي انتباههم، لذا حياتهم رتيبة خالية من الحركة وعنصر المفاجأة، وكذا هي عواطفهم باردة، تراهم يمرون من أمامك واضعين أيديهم في جيوب معاطفهم محنيي الرؤوس، لا أحد ينظر إليك، فهم حبيسو أنفسهم القلقة، بينما نهار أرضنا تتربع فيه الشمس، وليلنا يظهر بكامل زينته، ومطرنا رغم ندرته حركي، اجتماعي، ينادي غيماته المتباعدة، ويبدأ الطرب، فتلمع سيوف برقه، ويصدح بالموال رعده وتتساقط متتابعة متسارعة قطرات مائه، وترقص بفوضى جنونية عاصفته، وتحرك ستائر مائه يمينًا وشمالًا محولة منظر الجمادات والبشر أشباحًا تتمايل وتمشي على الأرض، مع أن مدة عزف سيمفونيته لا تتعدى دقائق، لذا لن تكون وحيدًا، سترمقك العيون، ستبحث وتسأل عنك وسبب هذا الفضول والعاطفة هو طقس الصحراء.

أطفأت سيجارتي، وأخذت أتمتم مع نفسي: ها يا سندباد؟؟

أين نظريتك الخاصة بـ(الطقس)؟! فأمامي عجوز من أهل الشمال يحملق فيّ؟

وعندما هممت بالدخول للفندق لاحظت العجوز يلتفت يمنة ويسرة، ثم سار مسرعًا نحوي، وما إن وصل سألني دون مقدمات:

هل أنت عربي؟

فقلت بعد تردد: نعم!

فقال: عرفت ذلك.

على كل حال اسمي ميكل أو (مكتل) كما يسميني أصدقائي العرب، فقد ولدت وترعرعت وعملت وتزوجت في بلاد العرب، كم أنا مشتاق لتلك البلاد.

وواصل حديثه وعيناه تتوسلان قائلًا: إنني أسكن قريبًا من هنا، يمكنك زيارتي، ستفرح زوجتي، توقف لبرهة، وكست وجهه ابتسامة حنونة وقال: سنصنع لك قهوة عربية إضافة لذلك سنسمح لك بالتدخين!