المجلة الثقافية الجزائرية

شَرْحُ اُلدَّلِيلِ اُلثَّالِثِ وَاُلرَّابِعِ لِلْفَلاَسِفَةِ فِي قِدَمِ اُلْعَالَمِ، مِنْ كِتَابِ “تَهَافُتُ اُلْفَلاَسِفَةِ” لِلْإِمَامِ اُلْغَزَالِيِّ

شَرْحُ لطفي خيرالله

©تونس، ذو القعدة 1446- ماي 2025.

اُلدَّلِيلُ اُلثَّالِثُ

-I قَالَ اُلإِمَامُ اُلْغَزَالِيُّ “تَمَسَّكُوا بِأَنْ قَالُوا وُجُودُ اُلْعَالَمِ مُمْكِنٌ قَبْلَ وُجُودِهِ1 إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا ثُمَّ يَصِيرُ مُمْكِنًا، وَهَذَا اُلإِمْكَانُ لاَ أَوَّلَ لَهُ2، أَيْ لَمْ يَزَلْ ثَابِتًا وَلَمْ يَزَلْ اُلْعَالَمُ مُمْكِنًا وُجُودُهُ إِذْ لاَ حَالَ مِنَ اُلأَحْوَالِ يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ اُلْعَالَمُ فِيهِ بِأَنَّهُ مُمْتَنِعُ اُلْوُجُودِ3، فَإِذَا كَانَ اُلإِمْكَانُ لَمْ يَزَلْ، فَاُلْمُمْكِنُ عَلَى وِفْقِ اُلإِمْكَانِ أَيْضًا لَمْ يَزَلْ4، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا إِنَّهُ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُحَالاً وُجُودُهُ5، فَإِذَا كَانَ مُمْكِنًا وُجُودُهُ أَبَدًا، لَمْ يَكُنْ مُحَالاً وُجُودُهُ أَبَدًا6، وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَ مُحَالاً وُجُودُهُ أَبَدًا7 بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّهُ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ أَبَدًا8، وَإِنْ بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّهُ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ أَبَدًا، بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّ اُلإِمْكَانَ لَمْ يَزَلْ9، وَإِنْ بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّ اُلإِمْكَانَ لَمْ يَزَلْ، صَحَّ قَوْلُنَا إِنَّ اُلإِمْكَانَ لَهُ أَوَّلٌ، فَإِذَا صَحَّ أَنَّ لَهُ أَوَّلاً، كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ مُمْكِنٍ، فَيُؤَدِّي إِلَى إِثْبَاتِ حَالٍ لَمْ يَكُنْ اُلْعَالَمُ مُمْكِنًا وَلاَ كَانَ اللهُ عَلَيْهِ قَادِرًا10.”

شَرْحٌ -I-

1) [تَمَسَّكُوا بِأَنْ قَالُوا… قَبْلَ وُجُودِهِ]، لاَشَكَّ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ مَوْجُودٌ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِاُلْحِسِّ، إِذَنْ فَهْوَ غَيْرُ مُمْتَنِعِ اُلْوُجُودِ، أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ بِضَرُورِيِّ اُلْعَدَمِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَحَّ أَنْ يُوجَدَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَأَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ اُلْحُدُوثِ تَضَعُونَهُ حَادِثًا، أَعْنِي مَسْبُوقًا بِاُلْعَدَمِ، إِذَنْ فَهْوَ أَيْضًا لَيْسَ بِضَرُورِيِّ اُلْوُجُودِ، إِذْ لَوْكَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا قَبْلَ وُجُودِهِ. فَاُلْعَالَمُ عِنْدَكُمْ غَيْرُ مُمْتَنِعِ اُلْوُجُودِ، وَلاَ وَاجِبُ اُلْوُجُودِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى اُلإِمْكَانِ.

2) [إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا… لاَ أَوَّلَ لَهُ]، لَكِنَّ اُلْعَالَمَ قَبْلَ وُجُودِهِ، فِي كُلِّ اُلأَوْقَاتِ اُللاَّمُتَنَاهِيَةِ الَّتِي سَبَقَتْهُ، هُوَ مَعْدُومٌ. وَحِينَذَاكَ، فَاُلْعَالَمُ غَيْرُ جَائِزٍ قَطْعًا أَنْ يُوصَفَ بِاُلْمَوْجُودِ اُلْوَاجِبِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ أَصْلاً، وَاُلْوُجُوبُ آكَدُ مِنَ اُلْوُجُودِ، وَلاَ أَنْ يُوصَفَ بِاُلْمُمْتَنِعِ، لِأَنَّهُ هَا هُوَ ذَا مَوْجُودٌ. إِذَنْ فَهْوَ لاَ يُوصَفُ إِلاَّ بِالإِمْكَانِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ، بَلْ إِنَّهُ يُوصَفُ بِالاِمْتِنَاعِ فِي حَالِ اُلْعَدَمِ، وَيَصِيرُ مُمْكِنًا مَعَ حَالِ اُلْحُدُوثِ. قِيلَ بَلْ هُوَ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَنْقَلِبَ طَبِيعَةُ اُلْمُمْتَنِعِ إِلَى طَبِيعَةِ الإِمْكَانِ، لِأَنَّهُ مِنَ اُلْحَقَائِقِ اُلْمَعْرُوفَةِ بِذَاتِهَا أَنَّ اُلطَّبَائِعَ لاَ يَجُوزُ اِنْقِلاَبُهَا أَصْلاً. فَيَلْزَمُ ضَرُورَةً أَنَّ إِمْكَانَ اُلْعَالَمِ لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ. أَيْ أَنَّهُ فِي اُلأَزَلِ قَبْلَ حُدُوثِ اُلْعَالَمِ، لَيْسَ هُنَاكَ وَقْتٌ أَلْبَتَّةَ، قَدْ صَحَّ فِيهِ أَنَّ اُلْعَالَمَ كَانَ مُمْكِنًا، وَفِي كُلِّ الأَوْقَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ لاَ إِلَى نِهَايَةٍ، كَانَ مَوْصُوفًا بِعَدَمِ الإِمْكَانِ، أَيْ بِالاِمْتِنَاعِ. إِذَنْ فَإِمْكَانُ اُلْعَالَمِ هُوَ أَزَلِيٌّ، أَعْنِي أَنَّ صِفَةَ الإِمْكَانِ لِلْعَالَمِ هِيَ أَزَلِيَّةٌ، لاَ أَنَّ اُلْعَالَمَ اُلأَزَلِيَّ هُوَ مُمْكِنٌ. فَاُلأَزَلِيَّةُ كَمَا يَقُولُ عُلَمَاءُ اُلْكَلاَمِ هِيَ قَيْدٌ لِإِمْكَانِ اُلْعَالَمِ، وَلَيْسَتْ بِقَيْدٍ لِلْعَالَمِ اُلْمُمْكِنِ.

3) [أَيْ لَمْ يَزَلْ ثَابِتًا… بِأَنَّهُ مُمْتَنِعُ اُلْوُجُودِ]، وَذَلِكَ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ مَوْجُودٌ الآنَ، فَهْوَ مُمْكِنٌ، وَلَوْ صَحَّ وَلَوْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ أَوْقَاتِ عَدَمِهِ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا، فَلاَ مَحَالَةَ قَدِ اِنْتَقَلَ مِنَ الاِمْتِنَاعِ إِلَى الإِمْكَانِ، وَهَذَا مُحَالٌ كَمَا رَأَيْنَا.

4) [فَإِذَا كَانَ اُلإِمْكَانُ لَمْ يَزَلْ، فَاُلْمُمْكِنُ عَلَى وِفْقِ اُلإِمْكَانِ أَيْضًا لَمْ يَزَلْ]، هَذَا إِيجَابُ اُلْفَلاَسِفَةِ، فَلَمَّا كَانَ إِمْكَانُ اُلْعَالَمِ لاَ أَوَّلَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ لاَ مَحَالَةَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ اُلْعَالَمِ اُلْمُمْكِنِ تَابِعًا لِحُكْمِ إِمْكَانِهِ، وَهْوَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَيْضًا أَزَلِيًّا لاَ أَوَّلَ لَهُ.

5) [فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا إِنَّهُ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُحَالاً وُجُودُهُ]، مَا هُوَ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ إِذَا فُرِضَ مَوْجُودًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ. فَمَثَلاً زَيْدٌ أَخْبَرَ أَنَّ عَمْرًوا فِي اُلدَّارِ حِينَمَا هُوَ فِي اُلسُّوقِ. فَاُلْخَبَرُ كَاذِبٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُحَالٍ، إِذْ لاَ اِمْتِنَاعَ لِكَوْنِهِ فِي اُلدَّارِ. أَمَّا لَوْ أَخْبَرَ بِأَنَّ هَذَا اُلْجِسْمَ الآنَ هُوَ مَعًا أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ، فَخَبَرُهُ كَاذِبٌ، وَأَيْضًا غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِأَنَّهُ مِنَ اُلْمُحَالِ فِي حَالٍ مِنَ اُلأَحْوَالِ أَنْ يَجْتَمِعَ اُلأَبْيَضُ وَاُلأَسْوَدُ مَعًا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ.

6) [فَإِذَا كَانَ مُمْكِنًا وُجُودُهُ أَبَدًا، لَمْ يَكُنْ مُحَالاً وُجُودُهُ أَبَدًا]، يُرِيدُ فَإِذَا كَانَ اُلْعَالَمُ مَا مِنْ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اُلأَزَلِ إِلاَّ وَيُمْكِنُ فَرْضُهُ مَوْجُودًا فِيهِ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ أَنْ لاَ يَخْلُوَ مِنْهُ أَيُّ وَقْتٍ أَبَدًا. فَفَرْضُهُ مَوْجُودًا فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ غَيْرُ مُحَالٍ، أَعْنِي أَنَّ اُلْعَالَمَ اُلأَزَلِيَّ هُوَ غَيْرُ مُحَالٍ ضَرُورَةً.

7) [وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَ مُحَالاً وُجُودُهُ أَبَدًا]، وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَ مُحَالاً أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَزَلِيًّا، مَعَ كَوْنِهِ فِي اُلأَزَلِ هُوَ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ. وَهَذَا اِسْتِثْنَاءٌ لِنَقِيضِ تَالِي اُلشَّرْطِيَّةِ، هَكَذَا، إِذَا كَانَ اُلْعَالَمُ مُمْكِنًا أَزَلاً وُجُودُهُ، فَاُلْعَالَمُ وُجُودُهُ أَزَلاً غَيْرُ مُحَالٍ. لَكِنْ بَاطِلٌ وُجُودُ اُلْعَالَمِ أَزَلاً.

8) [بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّهُ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ أَبَدًا]، نَتِيجَةُ اُلْقِيَاسِ اُلشَّرْطِيِّ، إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ مُمْكِنٌ أَزَلاً وُجُودُهُ، بَاطِلٌ. إِذْ رَفْعُ اُللاَّزِمِ إِنَّمَا يَقْتَضِي رَفْعَ اُلْمَلْزُومِ.

9) [وَإِنْ بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّهُ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ أَبَدًا، بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّ اُلإِمْكَانَ لَمْ يَزَلْ]، وَإِذَا بَطَلَ أَنَّ اُلْعَالَمَ مُمْكِنٌ أَزَلاً وُجُودُهُ، بَطَلَ قَوْلُنَا وَقَوْلُكُمْ بِأَنَّ الإِمْكَانَ لَمْ يَزَلْ، لِأَنَّ بُطْلاَنَ اُلْمَوْصُوفِ يَقْتَضِي بُطْلاَنَ اُلصِّفَةِ، مِثْلَمَا أَنَّ بُطْلاَنَ اُلأَسْوَدِ يَقْتَضِي بُطْلاَنَ اُلسَّوَادِ، كَذَلِكَ فَبُطْلاَنُ اُلْمُمْكِنِ أَزَلاً يَقْتَضِي بُطْلاَنَ اُلإِمْكَانِ اُلأَزَلِيِّ.

10) [وَإِنْ بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّ اُلإِمْكَانَ… وَلاَ كَانَ اللهُ عَلَيْهِ قَادِرًا]، وَبُطْلاَنُ الإِمْكَانِ اُلأَزَلِيِّ إِنَّمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَرَّرْنَاهُ وَلاَ يَجُوزُ لَكُمْ دَفْعُهُ مِنْ ضَرُورَةِ أَلاَّ يَكُونَ لِلإِمْكَانِ أَوَّلٌ، لِمَا يَلْزَمُهُ كَمَا قُلْنَا مِنْ مُحَالِ اِنْقِلاَبِ اُلطَّبِيعَةِ مِنَ الاِمْتِنَاعِ إِلَى اُلإِمْكَانِ. وَلَوْ بَقِيَ اُلْعَالَمُ عَلَى اُلاِمْتِنَاعِ، لَمَا أَوْجَدَهُ اُللهُ أَصْلاً، لِأَنَّ اُلْبَارِئَ تَعَالَى لاَ يُوصَفُ بِاُلْقُدْرَةِ عَلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَمَا هُوَ بِاُلعَاجِزِ، لِأَجْلِ ذَلِكَ.

   وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هَذَا اُلدَّلِيلِ اُلثَّالِثِ لِلْفَلاَسِفَةِ بِهَذَا اُلنَّحْوِ، إِنَّا وَإِيَّاكُمْ لاَبُدَّ أَنْ نُقِرَّ بِاُلضَّرُورَةِ أَنَّ إِمْكَانَ اُلْعَالَمِ هُوَ أَزَلِيٌّ، لِأَنَّ اُلْقَوْلَ بِنَقِيضِهِ يَلْزَمُهُ مُحَالُ الاِنْقِلاَبِ مِنَ الاِمْتِنَاعِ إِلَى اُلإِمْكَانِ. وَمَا سَاقَ إِلَى اُلْمُحَالِ، مُحَالٌ. وَنَقِيضُ اُلْمُحَالِ وَاجِبٌ، فَإِمْكَانُ اُلْعَالَمِ إِمْكَانًا أَزَلِيًّا هُوَ وَاجِبٌ. لَكِنَّ أَزَلِيَّةَ إِمْكَانِ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَزَلِيَّةُ اُلْعَالَمِ مُمْكِنَةً، وَهْوَ نَقِيضُ مَا تُثْبِتُونَهُ. لِأَنَّكُمْ تَقُولُونَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ وَاجِبُ اُلْحُدُوثِ مُمْتَنِعُ اُلْقِدَمِ. وَنَقِيضُ اُلْوَاجِبِ مُحَالٌ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ إِمْكَانَ أَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ هِيَ وَاجِبَةٌ. إِذَنْ فَنَقِيضُهُ اِمْتِنَاعُ أَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ هُوَ مُحَالٌ. فَتَحَقَّقَ اُلدَّلِيلُ.

   أَمَّا عِنْدِي فَإِنَّ هَذَا اُلدَّلِيلَ مِنَ اُلْفَلاَسِفَةِ إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ هَكَذَا، إِنَّ اُلْعَالَمَ ثَابِتُ اُلْوُجُودِ. إِذَنْ فَهْوَ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ بِاُلإِمْكَانِ اُلْعَامِّ. أَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَقَطْ. لَكِنَّ مَنْ وَضَعَهُ حَادِثًا، فَقَدْ جَعَلَهُ قَابِلاً لِلْعَدَمِ، كَمَا هُوَ قَابِلٌ لِلْوُجُودِ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ هُوَ مُمْكِنٌ لَيْسَ فَقَطْ بِاُلإِمْكَانِ اُلْعَامِّ اُلْمُسَاوِي لِنَفْيِ اُلاِمْتِنَاعِ، بَلْ أَيْضًا بِاُلإِمْكَانِ اُلْخَاصِّ الَّذِي هُوَ جَوَازُ قُبُولِ اُلْمَاهِيَةِ لِلْوُجُودِ وَلِلْعَدَمِ بِاُلسَّوَاءِ، لاَ مَعًا. وَمَعَ ذَلِكَ فَهْوَ مُضْطَرٌّ أَيْضًا لِأَنْ يُثْبِتَ أَنَّ هَذَا اُلإِمْكَانَ اُلْخَاصَّ لِلْعَالَمِ إِنَّمَا هُوَ أَزَلِيٌّ. وَلِكَنَّ أَزَلِيَّةَ إِمْكَانِ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا تَقْتَضِي إِمْكَانَ أَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ. وَهَاهُنَا فَقَدْ وَجَبَ أَنْ نُنَبِّهَ جَيِّدًا أَنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَصَدُوا بِإِمْكَانِ أَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ إِلاَّ اُلإِمْكَانَ اُلْعَامَّ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى اُللاَّاِمْتِنَاعِ، وَالَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى اُلْوُجُوبِ، لاَ اُلإِمْكَانَ اُلْخَاصَّ. لِأَنَّ اُلأَزَلِيَّةَ لاَ يُمْكِنَ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَوْصُوفِهَا إِلاَّ بِاُلْوُجُوبِ. إِذْ لَوْ حُمِلَتْ بِاُلإِمْكَانِ اُلْخَاصِّ، لَكَانَ جَائِزًا لِلشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ تَارَةً أَزَلِيًّا وَتَارَةً غَيْرَ أَزَلِيٍّ. وَهْوَ فِي اُلْوَقْتِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَزَلِيٍّ يَصِحُّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ مِنَ اُلأَوْقَاتِ غَيْرَ مَوْجُودٍ. وَإِذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي وَقْتٍ، فَإِنَّهُ إِذَنْ مِنَ اُلْمُمْتَنِعِ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا. فَإِذْ لَزِمَ مِنْ أَزَلِيَّةِ إِمْكَانِ اُلْعَالَمِ وُجُوبُ أَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ، فَلاَ يُمْكِنُ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ وَقْتٌ هُوَ فِيهِ مَعْدُومٌ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُ فِيهِ مِنْ وَصْفِ اُلإِمْكَانِ. وَإِذَا اِمْتَنَعَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْعَالَمِ مَعَ إِمْكَانِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا. لِذَلِكَ فَإِمْكَانُ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا هُوَ اُلإِمْكَانُ اُلْعَامُّ اُلْمُسَاوِي لِلْوُجُوبِ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ هُوَ وَاجِبُ اُلْوُجُودُ ضَرُورَةً.

-II قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلاِعْتِرَاضُ أَنْ يُقَالَ اُلْعَالَمُ لَمْ يَزَلْ مُمْكِنَ اُلْحُدُوثِ، فَلاَ جَرَمَ مَا مِنْ وَقْتٍ إِلاَّ وَيُتَصَوَّرُ إِحْدَاثُهُ فِيهِ، وَإِذَا قُدِّرَ مَوْجُودًا أَبَدًا لَمْ يَكُنْ حَادِثًا، فَلَمْ يَكُنِ اُلْوَاقِعُ عَلَى وِفْقِ اُلإِمْكَانِ بَلْ عَلَى خِلاَفِهِ1. وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ فِي اُلْمَكَانِ2، وَهْوَ أَنَّ تَقْدِيرَ اُلْعَالَمِ أَكْبَرُ مِمَّا هُوَ، أَوْ خَلْقَ جِسْمٍ فَوْقَ اُلْعَالَمِ مُمْكِنٌ، وَكَذَا آخَرُ فَوْقَ ذَلِكَ اُلآخَرِ، وَهَكَذَا إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، فَلاَ نِهَايَةَ لِإِمْكَانِ اُلزِّيَادَةِ3، وَمَعَ ذَلِكَ فَوُجُودُ مَلاَءٍ مُطْلَقٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ4. فَكَذَلِكَ وُجُودٌ لاَ يَنْتَهِي طَرَفُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ5، بَلْ كَمَا يُقَالُ اُلْمُمْكِنُ، جِسْمٌ مُتَنَاهِي اُلسَّطْحِ، وَلَكِنْ لاَ تَتَعَيَّنُ مَقَادِيرُهُ فِي اُلْكِبَرِ وَاُلصِّغَرِ6، فَكَذَلِكَ اُلْمُمْكِنُ اُلْحُدُوثُ7، وَمَبَادِئُ اُلْوُجُودِ لاَ تَتَعَيَّنُ فِي اُلتَّقَدُّمِ وَاُلتَّأَخُّرِ، وَأَصْلُ كَوْنِهِ حَادِثًا مُتَعَيِّنٌ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ لاَ غَيْرَ8.

شَرْحٌ -II-

1) [اُلاِعْتِرَاضُ أَنْ يُقَالَ اُلْعَالَمُ… وِفْقِ اُلإِمْكَانِ بَلْ عَلَى خِلاَفِهِ]، اُلاِعْتِرَاضُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ اُلأَزَلَ هُوَ ظَرْفٌ لِلْإِمْكَانِ، وَاُلإِمْكَانُ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحُدُوثِ اُلْعَالَمِ، أَعْنِي أَنَّهُ مَا مِنْ وَقْتٍ إِلاَّ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ حَادِثًا فِيهِ. إِذَنْ فَلَيْسَ مُمْتَنِعًا أَنْ يَكُونَ إِمْكَانُ اُلْحُدُوثِ أَزَلِيًّا. وَبَيِّنٌ أَنَّ اُلْعَالَمَ اُلْحَادِثَ لَيْسَ بِأَزَلِيٍّ، وَلَوْ كَانَ أَزَلِيًّا لَوَقَعَ خِلاَفَ إِمْكَانِهِ اُلأَزَلِيِّ، وَهْوَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا.

2) [وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ فِي اُلْمَكَانِ]، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَكُونَ ظَرْفُ اُلإِمْكَانِ غَيْرَ مَحْدُودٍ، وَمُتَعَلَّقُ اُلإِمْكَانِ مَحْدُودًا مَا تُثْبِتُونَهُ أَنْتُمْ فِي اُلْمَكَانِ، أَوِ اُلْمِقَدَارِ.

3) [وَهْوَ أَنَّ تَقْدِيرَ اُلْعَالَمِ أَكْبَرُ مِمَّا هُوَ… فَلاَ نِهَايَةَ لِإِمْكَانِ اُلزِّيَادَةِ]، إِنَّهُ كَلاَمٌ عَلَى ظَاهِرِهِ غَيْرُ سَدِيدٍ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا بِأَنَّ اُلْعَالَمَ عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ مَحْدُودُ اُلْمِقْدَارِ لاَ تَعْرِضُ لَهُ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَلْبَتَّةَ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِاُلْبُرْهَانِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ بِحَسَبِ اُلإِمْكَانِ اُلْعَقْلِيِّ اُلْمَحْضِ جَائِزٌ لِلْمِقْدَارِ أَنْ نَزِيدَ عَلَيْهِ أَوْ نُنْقِصَ مِنْهُ أَبَدًا. وَهَذَا اُلْمِقْدَارُ بِحَسَبِ هَذَا اُلْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ اُلْمُسْتَعْمَلُ فِي عِلْمِ اُلْهَنْدَسَةِ وَاُلرِّيَاضِيَّاتِ.

4) [وَمَعَ ذَلِكَ فَوُجُودُ مَلاَءٍ مُطْلَقٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ]، إِنَّكُمْ أَيَّتُهَا اُلْفَلاَسِفَةُ قَدْ بَيَّنْتُمْ أَنَّ وُجُودَ جِسْمٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ، أَوْ مَلاَءٍ مُطْلَقٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ. أَيْ أَنَّ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ الَّذِي قَدْ مَنَعْتُمْ وُجُودَهُ إِنَّمَا هُوَ اُلْمَفْهُومُ عَلَى تَفْسِيرِ اِبْنِ سِينَا لَهُ بِأَنَّهُ “جِسْمٌ، أَوْ أَجْسَامٌ هِيَ بِمِقْدَارِهَا أَوْ عَدَدِهَا بِحَيْثُ أَيُّ شَيْءٍ أَخَذْتَ مِنْهَا دَائِمًا وَجَدْتَ شَيْئًا خَارِجًا عَنْهُ”. أَعْنِي أَنَّ اُلْمَوْجُودَ دَائِمًا هُوَ مِقْدَارٌ مَحْدُودٌ، وَاُلزِّيَادَةُ اُلْمُمْكِنَةُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ لَيْسَتْ هِيَ مَأْخُوذَةً مِنْ نَفْسِ اُلْمِقْدَارِ اُلْمَوْجُودِ، حَتَّى يَلْزَمَ وُجُودُ مَا لاَنِهَايَةَ لَهُ، بَلْ إِنَّ اُلْمِقْدَارَ دَائِمًا مَحْدُودٌ، وَاُلْقُوَّةُ عَلَى اُلزِّيَادَةِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، وَإِذَا صَارَتِ اُلزِّيَادَةُ بِاُلْفِعْلِ، صَارَ اُلْمُجْتَمِعُ دَائِمًا إِنَّمَا هُوَ ضَمُّ مُتَنَاهٍ إِلَى مُتَنَاهٍ، فَيَحْصُلُ كُلٌّ هُوَ دَائِمًا مُتَنَاهٍ لاَ مَحَالَةَ. لِذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي عِلْمِ اُلرِّيَاضِيَّاتِ إِذَا اُسْتُعْمِلَ كَثِيرًا مَعْنَى اُللاَّنِهَايَةِ، فَلَيْسَ اُلْمَقْصُودُ بِهِ مِقْدَارًا مَوْجُودًا فِي اُلأَعْيَانِ مَسْلُوبَ اُلطَّرَفَيْنِ بِاُلْفِعْلِ. بَلْ إِمْكَانٌ لاَ مَحْدُودٌ لِلزِّيَادَةِ أَوِ اُلنُّقْصَانِ مُتَعَلِّقٌ أَبَدًا بِمِقْدَارٍ مَحْدُودٍ، عَلَى مِقْدَارٍ فِي الأَعْيَانِ هُوَ دَائِمًا مَحْدُودٌ، وَاُلْحَاصِلُ أَبَدًا مَحْدُودٌ، لِأَنَّهُ اِجْتِمَاعٌ مِنْ مِقْدَارَيْنِ مُتَنَاهِيَيْنِ. فَهَا ذَا، لَعَمْرِي، إِمْكَانٌ بِلاَ نِهَايَةٍ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ وُجُوبًا مُمْكِنٌ لاَ نِهَايَةَ لَهُ بِاُلْفِعْلِ.

5) [فَكَذَلِكَ وُجُودٌ لاَ يَنْتَهِي طَرَفُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ]، كَذَلِكَ فَكَمَا مَنَعْتُمْ أَنْتُمْ وُجُودَ مِقْدَارٍ مَسْلُوبِ اُلطَّرَفَيْنِ، جَازَ أَنْ نَمْنَعَ وُجُودَ عَالَمٍ زَمَانُهُ يَكُونُ مَسْلُوبَ اُلطَّرَفِ الأَوَّلِ، وَهْوَ طَرَفُ اُلْبِدَايَةِ. وَلَمْ يَقُلِ اُلْغَزِالِيُّ “…لاَ يَنْتَهِي طَرَفَاهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ” مُضَاهَاةً لِلْمِثَالِ، لِأَنَّهُ مُقَرَّرٌ فِي اُلشَّرْعِ أَنَّ مِنَ اُلْمَخْلُوقَاتِ مَا سَيَبْقَى إِلَى اُلأَبَدِ، كَاُلْمَلاَئِكَةِ.

6) [بَلْ كَمَا يُقَالُ اُلْمُمْكِنُ، جِسْمٌ مُتَنَاهِي اُلسَّطْحِ… مَقَادِيرُهُ فِي اُلْكِبَرِ وَاُلصِّغَرِ]، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنْتُمْ مَعَ إِثْبَاتِكُمْ أَنَّ اُلْمِقْدَارَ اُلْمَوْجُودَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَنَاهِيًا، فَإِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَمْنَعُونَ إِمْكَانَ اُلزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَوِ اُلنُّقْصَانِ مِنْهُ إِمَكَانًا غَيْرَ مُتَنَاهٍ. فَهْوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنِ اُلصِّغَرِ وَلاَ اُلْكِبَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُتَنَاهٍ.

7) [فَكَذَلِكَ اُلْمُمْكِنُ اُلْحُدُوثُ]، كَذَلِكَ حُدُوثُ اُلْعَالَمِ فَهْوَ وَإِنْ جَازَ أَنْ نَفْرِضَهُ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ فِي وَقْتٍ آخَرَ قَبْلَهُ، ثُمَّ فِي وَقْتٍ آخَرَ قَبْلَهُ، إِلَى مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ دَائِمًا إِلاَّ مُتَنَاهِيَ اُلزَّمَانِ، أَيْ غَيْرَ أَزَلِيٍّ، كَمَا كَانَ إِمْكَانُ اُلزِّيَادَةِ أَبَدًا لاَ يُخْرِجُ اُلْمِقْدَارَ أَلْبَتَّةَ مِنْ كَوْنِهِ مَحْدُودًا.

8) [وَمَبَادِئُ اُلْوُجُودِ لاَ تَتَعَيَّنُ… فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ لاَ غَيْرَ]، يُرِيدُ أَنَّ اِبْتِدَاءَ اُلْوُجُودِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ وَقْتٍ يَحْدُثُ فِيهِ اُلْوُجُودُ إِلاَّ وَجَازَ أَنْ يَتَقَدَّمَ حُدُوثُهُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ. وَهْوَ فِي كُلِّ تِلْكَ اُلأَحْوَالِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ حَادِثًا لاَ أَزَلِيًّا. أَمَّا نَفْسُ كَوْنِهِ حَادِثًا فَهْوَ مُتَعَيِّنٌ وَوَاجِبٌ. وَقَوْلُهُ “فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ لاَ غَيْرَ” فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلإِمْكَانَ هُوَ فَقَطْ مُتَعَلِّقٌ بِتَقَدُّمِ اُلْحُدُوثِ أَوْ تَأَخُّرِهِ، وَلَيْسَ بِكَوْنِ اُلْعَالَمِ اُلْحَادِثِ هُوَ ثَابِتًا فِي كُلِّ أَوْقَاتِ ذَلِكِ اُلإِمْكَانِ اُلْمُتَقَدِّمَةِ وَاُلْمُتَأَخِّرَةِ، فَتَلْزَمَ أَزَلِيَّةُ اُلْعَالَمِ ضَرُورَةً.

   تَنْبِيهٌ

   لَقَدْ كَانَ دَلِيلُ اُلْفَلاَسِفَةِ، وَهْوَ شُبْهَةٌ عِنْدَ خُصُومِهِمْ، ضَرُورَةَ أَلاَّ يَكُونَ لِإِمْكَانِ اُلْعَالَمِ أَوَّلٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَا أَوَّلٍ لَصَارَ اُلْمُمْتَنِعُ مُمْكِنًا مَعَ اُلْحُدُوثِ، وَهَذَا مُحَالٌ. وَإِذْ لاَ أَوَّلَ لِإِمْكَانِ اُلْعَالَمِ، فَلاَ وَقْتَ مِنْ اُلأَوْقَاتِ إِطْلاَقًا إِلاَّ وَيُمْكِنُ فَرْضُ اُلْعَالَمِ مَوْجُودًا فِيهِ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ يُمْكِنُ فَرْضُهُ مَوْجُودًا فِي كُلِّ اُلأَوْقَاتِ جَمِيعًا، عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَزَلِيَّةَ اُلْعَالَمِ هِيَ مُمْكِنَةٌ. لَكِنَّ اُلْمُمْكِنَ فِي اُلأَزَلِ، كَمَا يَقُولُ أَرُسْطُو، هُوَ وَاجِبٌ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ هُوَ أَزَلِيٌّ لاَ مَحَالَةَ.

   أَمَّا جَوَابُ اُلْغَزَالِيِّ فَقَدْ رَامَ فِيهِ أَنْ يُبَيِّنَ جَوَازَ تَعَلُّقِ اُلإِمْكَانِ اُلأَزَلِيِّ بِغَيْرِ اُلأَزَلِيِّ، كَتَعَلُّقِ اُلإِمْكَانِ اُلأَزَلِيِّ لِلْحُدُوثِ بِاُلْحُدُوثِ، عَلَى مِثَالِ مَا جَازَ تَعَلُّقُ اُلإِمْكَانِ اُللاَّمَحْدُودِ فِي اُلزِّيَادَةِ وَاُلنُّقْصَانِ بِاُلْمِقْدَارِ اُلْمَحْدُودِ. وَقَدْ تَابَعَ عُلَمَاءُ اُلأَشْعَرِيَّةِ كَاُلْفَخْرِ اُلرَّازِيِّ وَالإِيِجِيِّ اُلْغَزَالِيَّ فِي هَذَا اُلْمَعْنَى. لَكِنَّ شَارِحَ اُلْمَوَاقِفِ اُلشَّرِيفَ اُلْجُرْجَانِيَّ اُلْمُتَوَفِّيَ سَنَةَ 816 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فَكَانَ لَهُ بَحْثٌ فِي هَذَا اُلْجَوَابِ الَّذِي كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ شَافِيًا مُقْنِعًا فَقَالَ “هَذَا هُوَ اُلْمَسْطُورُ فِي كُتُبِ اُلْقَوْمِ، وَلَنَا فِيهِ بَحْثٌ، وَهْوَ أَنَّ إِمْكَانَهُ إِذَا كَانَ مُسْتَمِرًّا أَزَلاً لَمْ يَكُنْ هُوَ فِي ذَاتِهِ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ اُلْوُجُودِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اُلأَزَلِ، فَيَكُونُ عَدَمُ مَنْعِهِ مِنْهُ أَمْرًا مُسْتَمِرًّا فِي جَمِيعِ تِلْكَ اُلأَجْزَاءِ، فَإِذَا نُظِرَ إِلَى ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اِتِّصَافِهِ بِاُلْوُجُودِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، بَلْ جَازَ اِتِّصَافُهُ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْهَا، لاَ بَدَلاً فَقَطْ، بَلْ مَعًا أَيْضًا. وَجَوَازُ اِتِّصَافِهِ بِهِ كُلٌّ مِنْهَا مَعًا هُوَ إِمْكَانُ اِتِّصَافِهِ بِاُلْوُجُودِ اُلْمُسْتَمِرِّ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ اُلأَزَلِ بِاُلنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ، فَأَزَلِيَّةُ اُلإِمْكَانِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِإِمْكَانِ اُلأَزَلِيَّةِ. نَعَمْ رُبَّمَا اِمْتَنَعَتِ اُلأَزَلِيَّةُ بِسَبَبِ اُلْغَيْرِ، وَذَلِكَ لاَ يُنَافِي اُلإِمْكَانَ اُلذَّاتِيَّ، مَثَلاً اُلْحَادِثُ يُمْكِنُ أَزَلِيَّتُهُ بِاُلنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَيَمْتَنِعُ إِذَا أُخِذَ اُلْحَادِثُ مُقَيَّدًا بِحُدُوثِهِ، فَذَاتُ اُلْحَادِثِ مِنْ حَيْثُ إِمْكَانُهُ أَزَلِيٌّ، وَأَزَلِيَّتُهُ مُمْكِنَةٌ، وَإِذَا أُخِذَ مَعَ قَيْدِ اُلْحُدُوثِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا اُلْمَجْمُوعِ إِمْكَانُ وُجُودٍ أَصْلاً.” شَرْحُ اُلْمَوَاقِفِ، مِنْ صَفْحَةِ 177 إلى صفحة 179، اُلسَّيِّدُ اُلشَّرِيفُ اُلْجُرْجَانِيُّ، دَارُ اُلْكُتُبِ اُلْعِلْمِيَّةِ بَيْرُوتُ، لُبْنَان. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ مُرَادِهِ بِهَذَا اُلنَّحْوِ، وَهْوَ أَنَّ اُلْعَالَمَ اُلْمُمْكِنَ لِذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، هُوَ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِذَاتِهِ عَدَمَ اُلْوُجُودِ فِي كُلِّ اُلأَوْقَاتِ، لِأَنَّهُ سَيَكُونُ مُمْتَنِعًا. وَلاَ أَيْضًا عَدَمَ اُلْوُجُودِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنَ اُلأَوْقَاتِ، لِأَنَّهُ كُلَّ وَقْتٍ هُوَ جَائِزُ اُلْوُجُودِ فِيهِ نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ اُلْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ هُوَ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِذَاتِهِ اِمْتِنَاعَ اُلْوُجُودِ فِي كُلِّ اُلأَوْقَاتِ مَعًا. وَعَدَمُ اُلاِمْتِنَاعِ إِمْكَانٌ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ اُلْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ هُوَ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ فِي كُلِّ اُلأَوْقَاتِ، أَيْ أَنَّهُ مُمْكِنُ اُلأَزَلِيَّةِ.

ــــــ

اُلدَّلِيلُ اُلرَّابِعُ1

-I قَالَ اُلإِمَامُ اُلْغَزَالِيُّ “وَهْوَ أَنَّهُمْ قَالُوا كُلُّ حَادِثٍ فَاُلْمَادَّةُ فِيهِ تَسْبِقُهُ، إِذْ لاَ يَسْتَغْنِي اُلْحَادِثُ عَنِ مَادَّةٍ2 فَلاَ تَكُونُ اُلْمَادَّةُ حَادِثَةً3، وَإِنَّمَا اُلْحَادِثُ اُلصُّوَرُ وَاُلأَعْرَاضُ وَاُلْكَيْفِيَّاتُ اُلطَّارِئَةُ عَلَى اُلْمَوَادِّ4.

   وَبَيَانُهُ5 أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ فَهْوَ قَبْلَ حُدُوثِهِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنَ اُلْوُجُودِ أَوْ مُمْتَنِعَ اُلْوُجُودِ أَوْ وَاجِبَ اُلْوُجُودِ6. وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا لِأَنَّ اُلْمُمْتَنِعَ فِي ذَاتِهِ لاَ يُوجَدُ قَطُّ. وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ اُلْوُجُودِ لِذَاتِهِ، فَإِنَّ اُلْوَاجِبَ لِذَاتِهِ لاَ يَعْدَمُ قَطُّ7. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ لِذَاتِهِ8، فَإِذَنْ إِمْكَانُ اُلْوُجُودِ حَاصِلٌ لَهُ قَبْلَ وُجُودِهِ9، وَإِمْكَانُ اُلْوُجُودِ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ لاَ قِوَامَ لَهُ بِنَفْسِهِ، فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ يُضَافُ إِلَيْهِ10، وَلاَ مَحَلَّ إِلاَّ اُلْمَادَّةُ، فَيُضَافُ إِلَيْهَا، كَمَا يُقَالُ هَذِهِ اُلْمَادَّةُ قَابِلَةٌ لِلْحَرَارَةِ وَاُلْبُرُودَةِ، أَوِ اُلسَّوَادِ وَاُلْبَيَاضِ، أَوِ اُلْحَرَكَةِ وَاُلسُّكُونِ، أَيْ مُمْكِنٌ لَهَا حُدُوثُ هَذِهِ اُلْكَيْفِيَّاتِ وَطَرَيَانُ هَذِهِ اُلتَّغْيِيرَاتِ11. فَيَكُونُ اُلإِمْكَانُ وَصْفًا لِلْمَادَّةِ12 وَاُلْمَادَّةُ لاَ يَكُونُ لَهَا مَادَّةٌ13، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تَحْدُثَ، إِذْ لَوْحَدَثَتْ لَكَانَ إِمْكَانُ وُجُودِهَا سَابِقًا عَلَى وُجُودِهَا، وَكَانَ اُلإِمْكَانُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُضَافٍ إِلَى شَيْءٍ مَعَ أَنَّهُ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ لاَيُعْقَلُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ14. وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ مَعْنَى اُلإِمْكَانِ يَرْجِعُ إِلَى كَوْنِهِ مَقْدُورًا وَكَوْنِ اُلْقَدِيمِ قَادِرًا عَلَيْهِ، لِأَنَّا لاَ نَعْرِفُ كَوْنَ اُلشَّيْءِ مَقْدُورًا إِلاَّ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، فَنَقُولُ هُوَ مَقْدُورٌ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَلَيْسَ بِمَقْدُورٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ. فَإِنْ كَانَ قَوْلُنَا هُوَ مُمْكِنٌ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ مَقْدُورٌ، فَكَأَنَّا قُلْنَا هُوَ مَقْدُورٌ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ، وَلَيْسَ بِمَقْدُورٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ، وَهْوَ تَعْرِيفُ اُلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ15. فَدَلَّ أَنَّ كَوْنَهُ مُمْكِنًا قَضِيَّةٌ أُخْرَى فِي اُلْعَقْلِ ظَاهِرَةٌ، بِهَا تُعْرَفُ اُلْقَضِيَّةُ اُلثَّانِيَةُ وَهْيَ كَوْنُهُ مَقْدُورًا16، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِ اُلْقَدِيمِ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، فَإِنَّ اُلْعِلْمَ يَسْتَدْعِي مَعْلُومًا، فَاُلإِمْكَانُ اُلْمَعْلُومُ غَيْرُ اُلْعِلْمِ لاَ مَحَالَةَ، ثُمَّ هُوَ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ ذَاتٍ يُضَافُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ إِلاَّ اُلْمَادَّةُ17. فَكُلُّ حَادِثٍ فَقَدْ سَبَقَهُ مَادَّةٌ، فَلَمْ تَكُنِ اُلْمَادَّةُ اُلأُولَى حَادِثَةً بِحَالٍ18.”

شَرْحٌ -I-

1) [اُلدَّلِيلُ اُلرَّابِعُ]، هَذَا اُلدَّلِيلُ ذَكَرَهُ اِبْنُ سِينَا فِي مَوَاضِعَ ثَلاَثَةٍ مَشْهُورَةٍ وَهْيَ، اُلْفَصْلُ اُلثَّانِي مِنَ اُلْمَقَالَةِ اُلرَّابِعَةِ مِنْ إِلاَهِيَّاتِ اُلشِّفَاءِ، وَاُلْمَقَالَةُ اُلأُولَى مِنْ إِلاَهِيَّاتِ اُلنَّجَاةِ، وَاُلْفَصْلُ اُلسَّادِسُ مِنَ اُلنَّمَطِ اُلْخَامِسِ مِنْ إِلاَهِيَّاتِ اُلإِشَارَاتِ وَاُلتَّنْبِيهَاتِ. وَمَا كَانَ غَرَضُهُ مِنْهُ إِثْبَاتَ قِدَمِ اُلْعَالَمِ عَلَى اُلْقَصْدِ اُلأَوَّلِ، بَلْ إِثْبَاتَ قِدَمِ اُلْمَادَّةِ. وَلاَ شَكَّ بِأَنَّ قِدَمَ اُلْمَادَّةِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِقِدَمِ اُلْعَالَمِ.

2) [وَهْوَ أَنَّهُمْ قَالُوا… لاَ يَسْتَغْنِي اُلْحَادِثُ عَنِ مَادَّةٍ]، كُلُّ مَوْجُودٍ مَسْبُوقٍ بِاُلْعَدَمِ، فَهْوَ مَسْبُوقٌ بِمَادَّةٍ، لِأَنَّ نَفْسَ حُدُوثِ اُلْحَادِثِ إِنَّمَا يَقْتَضِي مَوْضُوعًا لِلْحُدُوثِ، وَهْوَ اُلْمَادَّةُ، فَهْيَ شَرْطٌ فِي اُلْحَادِثِ، وَاُلشَّرْطُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى اُلْمَشْرُوطِ.

3) [فَلاَ تَكُونُ اُلْمَادَّةُ حَادِثَةً]، يُرِيدُ بِهَا اُلْمَادَّةَ اُلأُولَى، أَوِ اُلْهَيُولَى، إِذْ قَدْ بَيَّنَ أَرُسْطُو أَنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوضَةٍ لِلْكَوْنِ وَلاَ لِلْفَسَادِ أَصْلاً، وَذَلِكَ خَاصَّةً فِي اُلْفَصْلِ اُلثَّامِنِ مِنْ اُلْمَقَالَةِ اُلسَّابِعَةِ اُلْمَوْسُومَةِ بِحَرْفِ زَايْ مِمَّا بَعْدَ اُلطَّبِيعَةِ.

4) [وَإِنَّمَا اُلْحَادِثُ اُلصُّوَرُ… وَاُلْكَيْفِيَّاتُ اُلطَّارِئَةُ عَلَى اُلْمَوَادِّ]، اُلْبَسِيطُ مِنْ حَيْثُ هُوَ بَسِيطٌ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، وَهَذَا إِمَّا صُورَةٌ مُجَرَّدَةٌ، أَوِ اُلْهَيُولَى اُلأُولَى. أَمَّا اُلْحَادِثُ فَكُلُّ مُرَكَّبٍ سِوَى اُلأَجْرَامِ اُلسَّمَاوِيَّةِ. وَاُلتَّرْكِيبُ إِمَّا بِصُورَةٍ وَمَادَّةٍ، وَهْوَ لِكُلِّ اُلْجَوَاهِرِ اُلْجِسْمِيَّةِ، وَإِمَّا بِمَوْضُوعٍ وَعَرَضٍ، كَاُلْجِسْمِ اُلأَبْيَضِ. وَاُلأَعْرَاضُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى اُلْكَيْفِيَّاتِ، كَاُللَّوْنِ، وَاُلْحَرَارَةِ، وَاُلْيُبُوسَةِ. إِذَنْ فَهَذِهِ اُلأَشْيَاءُ حُدُوثُهَا إِنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ تَصِيرَ لِشَيْءٍ آخَرَ، أَعْنِي أَنَّ شَيْئًا آخَرَ يَكْتَسِبُهَا، كَحُدُوثِ اُلْبَيَاضِ لِلْجِسْمِ، أَوْ بِأَنْ يَصِيرَ شَيْءٌ آخَرُ إِيَّاهَا، كَاُلصُّورَةِ اُلْهَوَائِيَّةِ، فَإِنَّ اُلْمَاءَ قَدْ يَتَكَوَّنُ فَيَصِيرُ هَوَاءً. فَبَيِّنٌ فِي هَذِهِ اُلْحَوَادِثِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ مَوْضُوعٍ لَهَا كُلِّهَا. وَإِيجَابُهُ اُلْحُدُوثَ لِلصُّورِ فَاُفْهَمْهُ فِي اُلصُّوَرِ اُلْمُقَارِنَةِ لِلْهَيُولَى، أَمَّا فِي اُلصُّوَرِ اُلْمُجَرَّدَةِ، كَاُلْعُقُولِ اُلْمُفَارِقَةِ، فَاُلْمَشْهُورُ عَدَمُ حُدُوثِهَا أَلْبَتَّةَ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ وُجُودَهَا مَادَّةٌ.

5) [وَبَيَانُهُ]، بَيَانُ أَنَّ لِكُلِّ حَادِثٍ مَبْدَأً مَادِيًّا. وَفِي هَذَا شُرُوعُ اُلْفَيْلَسُوفِ فِي بَسْطِ اُلدَّلِيلِ.

6) [أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ فَهْوَ… أَوْ وَاجِبَ اُلْوُجُودِ]، كُلُّ حَادِثٍ قَبْلَ حُدُوثِهِ، أَعْنِي قَبْلَ وُجُودِهِ، لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ إِلاَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ اُلأَوْصَافِ فَقَطْ. فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ لِذَاتِهِ وَاجِبُ اُلْوُجُودِ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ دَائِمًا، وَإِمَّا أَنَّهُ لِذَاتِهِ مُمْتَنِعُ اُلْوُجُودِ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ مَعْدُومٌ دَائِمًا، وَإِمَّا أَنَّهُ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ لِذَاتِهِ، فَيَلْزَمُ أَنَّ طَرَفَيِ اُلْوُجُودِ وَاُلْعَدَمِ عَلَيْهِ مُتَسَاوِيَانِ.

7) [وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ… لِذَاتِهِ لاَ يَعْدَمُ قَطُّ]، وَبَيِّنٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ لَمَا وُجِدَ أَصْلاً، خِلاَفًا لِلْمُمْتَنِعِ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ إِذَا اِنْتَفَى غَيْرُهُ، مِثْلَ حُلُولِ اُلسَّوَادِ بِاُلْجِسْمِ اُلأَبْيَضِ، فَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ، وَاِمْتِنَاعُهُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، فَإِذَا اِرْتَفَعَ اُلْبَيَاضُ، صَارَ مُمْكِنًا أَنْ يَحُلَّ بِذَلِكَ اُلْجِسْمِ. وَبَيِّنٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ اُلْوُجُودِ لِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا عَرَضَ لَهُ اُلْعَدَمُ اُلسَّابِقُ، خِلاَفًا لِلْوَاجِبِ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَنْتَفِي إِذَا غَابَتْ عِلَّتُهُ.

8) [فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ لِذَاتِهِ]، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَنَّ اُلْحَادِثَ قَبْلَ وُجُودِهِ فَقَدْ كَانَ فِي نَفْسِهِ إِذَا قِيسَ إِلَى وُجُودِهِ كَانَتْ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ نِسْبَةَ اُلإِمْكَانِ، أَعْنِي أَنَّ قَبُولَهُ لِلْوُجُودِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ قَبُولِهِ لِلْعَدَمِ، وَلاَ لِلْعَدَمِ بِأَوْلَى مِنَ اُلْوُجُودِ.

9) [فَإِذَنْ إِمْكَانُ اُلْوُجُودِ حَاصِلٌ لَهُ قَبْلَ وُجُودِهِ]، إِذَنْ فَاُلْمَوْصُوفُ الآنَ بِاُلْوُجُودِ، فَقَبْلَ وُجُودِهِ، لِأَنَّهُ حَادِثٌ، كَانَ شَيْئًا مَوْصُوفًا بِاُلإِمْكَانِ.

10) [وَإِمْكَانُ اُلْوُجُودِ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ… مَحَلٍّ يُضَافُ إِلَيْهِ]، وَإِذْ أَنَّ إِمْكَانَ اُلْوُجُودِ إِنَّمَا هُوَ نَفْسُ نِسْبَةِ اُلشَّيْءِ إِلَى اُلْوُجُودِ، فَهْوَ مَعْنَى إِنَّمَا تُقَالُ مَاهِيَتُهُ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِهِ، إِذَنْ فَهْوَ إِضَافَةٌ. وَاُلإِضَافَةُ إِحْدَى اُلأَعْرَاضِ اُلتِّسْعَةِ اُلْمَوْجُودَةِ اُلَّتِي لاَتَقُومُ بِنَفْسِهَا، أَيْ لَيْسَتْ بِجَوَاهِرٍ، بَلْ لاَبُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ تَقُومُ بِهِ.

11) [وَلاَ مَحَلَّ إِلاَّ اُلْمَادَّةُ… وَطَرَيَانُ هَذِهِ اُلتَّغْيِيرَاتِ]، إِذَنْ فَاُلْمَحَلُّ اُلْوَاجِبُ اُلَّذِي تَعْرِضُ لَهُ إِضَافَتُهُ إِلَى اُلْوُجُودِ بِاُلإِمْكَانِ يُسَمَّى مَادَّةً. وَاُلْمَادَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعًا، أَيْ جَوْهَرًا جِسْمَانِيًّا هُوَ مَحَلٌّ لِأَعْرَاضٍ مُتَجَدِّدَةٍ، كَصَيْرُورَتِهِ مُتَحَرِّكًا أَوْ سَاكِنًا أَوْ حَارًّا أَوْ بَارِدًا، فَهْيَ قَبْلَ طُرُوِّهَا عَلَيْهِ، إِنَّمَا يَكُونُ اُلْجِسْمُ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ قَابِلٌ لَهَا، مُمْكِنَةٌ لَهُ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَيُولَى تَتَعَاقَبُ عَلَيْهَا اُلصُّوَرُ اُلْجَوْهَرِيَّةُ، كَصَيْرُورَةِ اُلْمَاءِ هَوَاءً، وَذَلِكَ بِأَنْ تَخْلَعَ اُلْهَيُولَى صُورَةَ اُلْمَاءِ وَتَلْبَسَ صُورَةَ اُلْهَوَاءِ. وَحِينَئِذٍ فَإِنَّ مَادَّةَ اُلْمَاءِ تَكُونُ هِيَ اُلْحَامِلَةَ لِإِمْكَانِ أَنْ تَطْرَأَ عَلَيْهَا صُورَةُ اُلْهَوَاءِ، بَعْدَ فَسَادِ اُلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ.

12) [فَيَكُونُ اُلإِمْكَانُ وَصْفًا لِلْمَادَّةِ]، فَوَجَبَ إِذًا أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ مَادَّةٌ سَابِقَةٌ عَلَى اُلْحُدُوثِ حَتَّى تَكُونَ مَحَلاًّ لِلْإِمْكَانِ. وَاُلْمَادَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ اُلْمَوْضُوعَ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ اُلْمَادَّةَ اُلأُولَى، أَعْنِي اُلْهَيُولَى.

13) [وَاُلْمَادَّةُ لاَ يَكُونُ لَهَا مَادَّةٌ]، وَكُلُّ عَرَضٍ فَمَادَّتُهُ اُلْجَوْهَرُ اُلْجِسْمَانِيُّ. وَاُلْجَوْهَرُ اُلْجِسْمَانِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَسِيطًا، أَيْ مُرَكَّبًا مِنَ اُلْهَيُولَى وَصُورَةٍ بَسِيطَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَهْوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اُلأُسْطُقْسَاتِ اُلأَرْبَعَةِ اُلْمَعْرُوفَةِ مِنْ نَارٍ وَهَوَاءٍ وَمَاءٍ وَأَرْضٍ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، أَيْ هُوَ جِسْمٌ ذُو صُورَةٍ نَوْعِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنَّهُ قَدْ يَنْحَلُّ إِلَى ُالأَجْسَامِ اُلْبَسِيطَةِ اُلْمَذْكُورَةِ، مِثْلَ اُلْخَشَبِ اُلَّذِي قَدْ يَنْحَلُّ إِلَى أَرْضٍ وَمَاءٍ وَنَارٍ وَهَوَاءٍ. إِذَنْ فَحُدُوثُ اُلْعَرَضِ لِلْجِسْمِ، كَكَوْنِهِ أَبْيَضَ إِنَّمَا يَقْتَضِي مَحَلاًّ يُوصَفُ بِإِمْكَانِ حُدُوثِهِ أَبْيَضَ، وَهْوَ اُلْمَوْضُوعُ، أَعْنِي اُلْجِسْمَ، كَاُلْخَشَبِ. لَكِنْ لِلْخَشَبِ مَادَّةٌ أَيْضًا، وَهَذِهِ اُلْمَادَّةُ هِيَ اُلْحَامِلَةُ لِإِمْكَانِ أَنْ تَحْدُثَ خَشَبًا، وَهْيَ اُلأَرْضُ وَاُلْمَاءُ وَاُلنَّارُ وَاُلْهَوَاءُ. كَذَلِكَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ اُلْعَنَاصِرِ لَهُ مَادَّةٌ أَيْضًا سَابِقَةٌ عَلَى وُجُودِهِ، هِيَ حَامِلَةٌ لِإِمْكَانِ أَنْ تَصِيرَ أَرْضًا أَوْ مَاءً أَوْ نَارًا، وَهَذِهِ هِيَ اُلْهَيُولَى. وَ قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّ أَرُسْطُو كَانَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ هِيَ لَيْسَتْ بِحَادِثَةٍ أَصْلاً، وَأَنَّهُ لاَ مَادَّةَ لَهَا أَلْبَتَّةَ، لِذَلِكَ فَهْوَ يُسَمِّيهَا بِاُلْمَادَّةِ اُلأُولَى.

14) [فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تَحْدُثَ… وَصْفٌ إِضَافِيٌّ لاَيُعْقَلُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ]، وَاُلْمَادَّةُ اُلأُولَى، أَوِ اُلْهَيُولَى، فَلِأَنَّهَا أُولَى فَلَيْسَ قَبْلَهَا مَادَّةٌ، وَإِذْ لَيْسَ قَبْلَهَا مَادَّةٌ فَلَيْسَ قَبْلَهَا مَحَلٌّ حَامِلٌ لِإِمْكَانِ حُدُوثِهَا، وَإِذْ لَيْسَ قَبْلَهَا مَحَلٌّ حَامِلٌ لِلْإِمْكَانِ، وَلَهَا إِمْكَانٌ، فَاُلإِمْكَانُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، أَيْ هُوَ جَوْهَرٌ. لَكِنَّ اُلإِمْكَانَ إِنَّمَا هُوَ مَعْنًى يُقَالُ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ اُلْوُجُودُ. فُمَحَالٌ أَنْ يَقُومَ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ إِمْكَانٌ، لِأَنَّ اُلإِمْكَانَ عَرَضٌ وَلَيْسَ بِجَوْهَرٍ. وَإِذْ لَيْسَ إِمْكَانٌ، فَاُلْهَيُولَى لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَحْدُثَ. وَهُوَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ اُلْهُيُولَى لاَ تَحْدُثُ، بِاُلسَّوْقِ إِلَى اُلْمُحَالِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ حَدَثَتْ لَكَانَتْ مُمْكِنَةً قَبْلَ اُلْحُدُوثِ، وَكَانَ إِمْكَانُهَا غَيْرَ ذِي مَحَلٍّ، لِأَنَّ اُلْهَيُولَى إِنَّمَا هِيَ اُلْمَادَّةُ اُلأُولَى. إِذَنْ فَاُلإِمْكَانُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ. هَذَا مُحَالٌ. لِأَنَّ اُلإِمْكَانَ إِضَافَةٌ، وَاُلإِضَافَةُ مِنَ اُلأَعْرَاضِ اُلَّتِي لاَ تُوجَدُ إِلاَّ فِي مَوْضُوعٍ.

15) [وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ مَعْنَى اُلإِمْكَانِ… وَهْوَ تَعْرِيفُ اُلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ]، وَضَرُورَةُ أَنْ تَكُونَ اُلْمَادَّةُ سَابِقَةً عَلَى اُلْحَادِثِ، فَلِأَنَّ اُلإِمْكَانَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ إِلاَّ إِلَى صِفَةٍ تَقُومُ بِمَادَّةٍ، إِذْ لَوْ رُدَّ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، فَاُلْأَقْرَبُ إِلَى كَوْنِهِ مَقْدُورًا لِلْقَادِرِ. أَعْنِي أَنَّ اُلْحَادِثَ قَبْلَ حُدُوثِهِ مَوْصُوفٌ بِاُلْمُمْكِنِ لِنِسْبَتِهِ إِلَى اُلْقَادِرِ اُلْقَدِيمِ بِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَهْوَ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ، وَلَيْسَ لِأَنَّ شَيْئًا هُوَ مُضَافٌ إِلَى اُلْوُجُودِ بِنِسْبَةِ اُلإِمْكَانِ، فَصَحَّ مَعَ اُلْحُدُوثِ أَنْ يَصِيرَ مَوْجُودًا. وَهَذَا بَيِّنٌ، لِأَنَّ اُلشَّيْءَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِكَوْنِهِ مَقْدُورًا إِذَا عُرِفَ أَوَّلاً بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ، وَلَيْسَ هُوَ يُعْرَفُ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ إِذَا عُرِفَ بِكَوْنِهِ مَقْدُورًا. مَثَلاً اُلْجَمْعُ بَيْنَ اُلشَّمْسِ وَاُلْقَمَرِ هُوَ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَقْدُورِ اُلْعَبْدِ، فَمِنْ مَعْرِفَتِنَا بِإِمْكَانِهِ فِي نَفْسِهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ مَقْدُورٌ لِلْقَادِرِ اُلْقَدِيمِ. لَكِنَّ اُلْجَمْعَ بَيْنَ اُلضِّدَّيْنِ مَعًا، كَاُلْبَيَاضِ وَاُلسَّوَادِ، هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَمَعْرِفَتُنَا بِذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِمَعْرِفَتِنَا بِأَنَّ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ هُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ. فَاُلْمَقْدُورُ مَقْدُورٌ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَلَيْسَ بِمَقْدُورٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ. فَلَوْ كَانَ اُلشَّيْءُ مُمْكِنًا لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَاُلْمَقْدُورُ إِنَّمَا مَقْدُورٌ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ. لَزِمَ أَنَّ اُلشَّيْءَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَهْوَ تَعْرِيفُ اُلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ.

16) [فَدَلَّ أَنَّ كَوْنَهُ مُمْكِنًا قَضِيَّةٌ… وَهْيَ كَوْنُهُ مَقْدُورًا]، فَبَانَ مِنْ هَذَا جَيِّدًا أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ اُلشَّيْءِ مُمْكِنًا إِنَّمَا هُوَ إِمْكَانُهُ فِي نَفْسِهِ، وَهْوَ غَيْرُ مَعْنَى كَوْنِهِ مَقْدُورًا، بَلْ كَوْنُهُ مَقْدُورًا إِنَّمَا يُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ كَوْنِهِ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ.

17) [وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِ اُلْقَدِيمِ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا… وَلَيْسَ إِلاَّ اُلْمَادَّةُ]، وَإِنْ رَدَّ رَادٌّ اُلإِمْكَانَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ سِوَى كَوْنِهِ صِفَةً لِلْمُمْكِنِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، جَاعِلاً إِيَّاهُ نَفْسَ عِلْمِ اُلْقَدِيمِ بِكَوْنِ اُلشَّيْءِ مُمْكِنًا، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى مَادَّةٍ أَصْلاً يَحُلُّ بِهَا، قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ اُلْعِلْمَ هُوَ غَيْرُ اُلْمَعْلُومِ، وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْلُومٍ، كَذَلِكَ فَإِنَّ عِلْمَ اُلْقَدِيمِ بِاُلإِمْكَانِ غَيْرُ اُلْعِلْمِ بِاُلإِمْكَانِ، فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُتَعَلَّقٍ، وَمُتَعَلَّقُهُ نَفْسُ اُلإِمْكَانِ. وَاُلإِمْكَانُ مُضَافٌ، وَاُلْمُضَافُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ ذَاتٍ يَحُلُّ بِهَا، فَثَبَتَتِ اُلْمَادَّةُ. وَهَذِهِ اُلزِّيَادَةُ غَيْرُ وَرِادَةٍ فِي كُلِّ اُلْمَوَاضِعِ اُلثَّلاَثَةِ اُلْمَذْكُورَةِ لِلدَّلِيلِ.

18) [فَكُلُّ حَادِثٍ فَقَدْ سَبَقَهُ مَادَّةٌ، فَلَمْ تَكُنِ اُلْمَادَّةُ اُلأُولَى حَادِثَةً بِحَالٍ]، فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ فَقَدْ سَبَقَتْهُ مَادَّةٌ. وَاُلْمَادَّةُ بِاُلتَّحْلِيلِ إِنَّمَا تَنْتَهِي وُجُوبًا إِلَى مَادَّةٍ أُولَى، لِضَرُورَةِ أَنَّ اُلْعِلَلَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَمُرَّ إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ أَرُسْطُو فِي اُلْفَصْلِ اُلثَّانِي مِنْ اُلْمَقَالَةِ اُلثَّانِيَةِ اُلْمَوْسُومَةِ بِأَلِفِ اُلصُّغْرَى مِمَّا بَعْدَ اُلطَّبِيعَةِ. وَاُلْمَادَّةُ هِيَ غَيْرُ حَادِثَةٍ أَصْلاً، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي اُلْفَصْلِ اُلثَّامِنِ مِنْ اُلْمَقَالَةِ اُلسَّابِعَةِ مِمَّا بَعْدَ اُلطَّبِيعَةِ.

   بَيْدَ أَنَّ اُلْغَزَالِيَّ فِي إِيرَادِهِ لِهَذَا اُلدَّلِيلِ قَدْ أَغْفَلَ كَلاَمًا هُوَ مِنْ مَفَاصِلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ اِبْنِ سِينَا “..وَاُلْمُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ قَدْ سَبَقَهُ إِمْكَانُ وُجُودِهِ، وَأَنَّهُ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ، فَلاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى مَعْدُومًا، أَوْ مَعْنًى مَوْجُودًا. وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى مَعْدُومًا، وَإِلاَّ فَلَمْ يَسْبِقْهُ إِمْكَانُ وُجُودِهِ. فَهُوَ إِذَنْ مَعْنًى مَوْجُودٌ.” إِلاَهِيَّاتُ اُلشِّفَاءِ، اُلْمَقَالَةُ اُلرَّابِعَةُ، اُلْفَصْلُ اُلثَّانِي، صَفْحَةُ 182.

-II قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلاِعْتِرَاضُ1 أَنْ يُقَالَ اُلإِمْكَانُ اُلَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ يَرْجِعُ إِلَى قَضَاءِ اُلْعَقْلِ2، فَكُلُّ مَا قَدَّرَ اُلْعَقْلُ وُجُودَهُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ سَمَّيْنَاهُ مُمْكِنًا، وَإِنْ اِمْتَنَعَ سَمَّيْنَاهُ مُسْتَحِيلاً، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ سَمَّيْنَاهُ وَاجِبًا، فَهَذِهِ قَضَايَا عَقْلِيَّةٌ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى مَوْجُودٍ حَتَّى تُجْعَلَ وَصْفًا لَهُ3 بِدَلِيلِ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ4.

   أَحَدُهَا أَنَّ اُلإِمْكَانَ لَوِ اِسْتَدْعَى شَيْئًا مَوْجُودًا يُضَافُ إِلَيْهِ وَيُقَالُ إِنَّهُ إِمْكَانُهُ لَاسْتَدْعَى اُلاِمْتِنَاعُ شَيْئًا مَوْجُودًا يُقَالُ إِنَّهُ اِمْتِنَاعُهُ، وَلَيْسَ لِلْمُمْتَنِعِ فِي ذَاتِهِ وُجُودٌ وَ لاَ مَادَّةٌ يَطْرَأُ عَلَيْهَا اُلْمُحَالُ حَتَّى يُضَافَ اُلاِمْتِنَاعُ إِلَى اُلْمَادَّةِ5.

   وَاُلثَّانِي6 أَنَّ اُلسَّوَادَ وَاُلْبَيَاضَ يَقْضِي اُلْعَقْلُ فِيهِمَا قَبْلَ وُجُودِهِمَا بِكَوْنِهِمَا مُمْكِنَيْنِ7، فَإِنْ كَانَ هَذَا اُلإِمْكَانُ مُضَافًا إِلَى اُلْجِسْمِ اُلَّذِي يَطْرَآنِ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا اُلْجِسْمَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْوَدَّ وَأَنْ يَبْيَضَّ، فَإِذَنْ لَيْسَ اُلْبَيَاضُ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنًا وَلاَ لَهُ نَعْتُ اُلإِمْكَانِ، وَإِنَّمَا اُلْمُمْكِنُ اُلْجِسْمُ، وَاُلإِمْكَانُ مُضَافٌ إِلَيْهِ8، فَنَقُولُ مَا حُكْمُ نَفْسِ اُلسَّوَادِ فِي ذَاتِهِ أَهُوَ مُمْكِنٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ. وَلاَ بُدَّ مِنَ اُلْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُمْكِنٌ. فَدَلَّ أَنَّ اُلْعَقْلَ فِي اُلْقَضِيَّةِ بِاُلإِمْكَانِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى وَضْعِ ذَاتٍ مَوْجُودَةٍ يُضِيفُ إِلَيْهَا اُلإِمْكَانَ9.

   وَاُلثَّالِثُ10 أَنَّ نُفُوسَ اُلآدَمِيينَ عِنْدَهُمْ جَوَاهِرٌ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلاَ مَادَّةٍ وَلاَ مُنْطَبِعَةٍ فِي مَادَّةٍ، وَهْيَ حَادِثَةٌ عَلَى مَا اَخْتَارَهُ اِبْنُ سِينَا وَاُلْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ11، وَلَهَا إِمْكَانٌ قَبْلَ حُدُوثِهَا12، وَلَيْسَ لَهَا ذَاتٌ وَلاَ مَادَّةٌ، فَإِمْكَانُهَا وَصْفٌ إِضَافِيٌّ13 وَلاَ يَرْجِعُ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ وَإِلَى اُلْفَاعِلِ، فَإِلَى مَاذَا يَرْجِعُ14. فَيَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا اُلإِشْكَالُ15.”

شَرْحٌ -II-

1) [اُلاِعْتِرَاضُ]، اُلاِعْتِرَاضُ عَلَى كُلِّ مَا فِي اُلدَّلِيلِ بِأَنْ يُبْدَأَ أَوَّلاً بِاُلْحَلِّ. إِذْ أَنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ قَدْ حَصَرَتِ اُلإِمْكَانَ فِي أَقْسَامٍ بُيِّنَتْ فَسَادُهَا كُلِّهَا مَا عَدَا وَجْهٍ وَاحِدٍ بَاقٍ، أَلاَ وَهْوَ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ قُوَّةٍ فِي مَادَّةٍ. لَكِنَّهَا قَدْ ذَهَلَتْ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ مَعْقُولٍ جِدًّا رُبَّمَا يَكُونُ هُوَ اُلصَّحِيحَ، سَلِيمًا مِنَ اُلنَّقْضِ.

2) [أَنْ يُقَالَ اُلإِمْكَانُ اُلَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ يَرْجِعُ إِلَى قَضَاءِ اُلْعَقْلِ]، إِذَنْ فَلاَ نَقُولُ إِنَّ اُلإِمْكَانَ هُوَ نَفْسُ كَوْنِ اُلشَّيْءِ مَقْدُورًا، وَلاَ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى عِلْمِ اُلْقَدِيمِ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، وَلاَ كَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِضَافَةٌ ثَابِتَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي اُلْمَادَّةِ عَلَى زَعْمِ اُلْفَلاَسِفَةِ. بَلْ إِنَّ اُلإِمْكَانَ اُلْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى قَضَاءِ اُلْعَقْلِ. وَعِنْدَ هَذَا اُلْحَدِّ فَقَدْ لاَ يُفْهَمُ فِيمَا يَخْتَلِفُ، لَيْتَ شِعْرِي، هَذَا اُلْحَلُّ عَمَّا كَانَ قَدْ قِيلَ. إِذْ هُوَ مَعْلُومٌ أَنَّ اُلإِمْكَانَ وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا، فَلاَ بُدَّ لَهُ أَيْضًا مِنْ قَضَاءِ اُلْعَقْلِ، لِأَنَّ اُلْعَقْلَ إِنَّمَا هُوَ قَاضٍ أَيْضًا بِاُلإِمْكَانِ حِينَ مُعَايَنَتِهِ لِلإِمْكَانِ اُلثَّابِتِ فِي اُلْمَادَّةِ، مِثْلَمَا أَنَّ اُلْبَيَاضَ هُوَ ثَابِتٌ فِي اُلثَّلْجِ اُلْخَارِجِيِّ، وَمَعَ ثُبُوتِهِ، فَاُلْعَقْلُ هَوَ مَنْ يَحْكُمُ بِأَنَّ اُلثَّلْجَ يُوجَدُ أَبْيَضَ. لَكِنَّ اُلْفَرْقَ إِنَّمَا سَيَظْهَرُ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلاَمِ اُلْغَزَالِيِّ.

3) [فَكُلُّ مَا قَدَّرَ اُلْعَقْلُ وُجُودَهُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ سَمَّيْنَاهُ مُمْكِنًا، وَإِنْ اِمْتَنَعَ سَمَّيْنَاهُ مُسْتَحِيلاً، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ سَمَّيْنَاهُ وَاجِبًا، فَهَذِهِ قَضَايَا عَقْلِيَّةٌ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى مَوْجُودٍ حَتَّى تُجْعَلَ وَصْفًا لَه]، اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا اُلْكَلاَمَ حَمَّالُ أَوْجُهٍ. وَعِنْدِي أَنَّهُ قَدْ يُفْهَمُ بِنَحْوَيْنِ اِثْنَيْنِ، فَإِمَّا عَلَى طَرِيقَةِ اُلْفَخْرِ اُلرَّازِيِّ، وَإِمَّا عَلَى طَرِيقَةِ اُلنَّفْسَانِيَّةِ اُلْمَنْطِقِيَّةِ اُلَّتِي نَقَضَهَا اُلْفَيْلَسُوفُ اُلأَلْمَانِيُّ إِدْمُونْد هُوسَّرْلْ فِي كِتَابِهِ “اُلأَبْحَاثُ اُلْمَنْطِقِيَّةُ” اُلْمَنْشُورِ سَنَةَ 1900. فَأَمَّا عَلَى اُلطَّرِيقَةِ اُلأُولَى، فَاُلإِمْكَانُ لَيْسَ مَا قَضَى اُلْعَقْلُ بِوُجُودِهِ فِي اُلْخَارِجِ، لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِاُلْوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَتَّى يُطْلَبَ لَهُ مَحَلٌّ يَقُومُ بِهِ، بَلْ إِنَّهُ نَفْسُ قَضَاءِ اُلْعَقْلِ بِأَنَّ اُلشَّيْءَ هُوَ مُمْكِنُ اُلْوُجُودِ فِي اُلْخَارِجِ. لَكِنْ لاَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اُلإِمْكَانَ مَوْجُودٌ فِي اُلْعَقْلِ، ثُمَّ إِنَّ اُلْعَقْلَ إِذَا لاَحَظَ نَفْسَهُ حَكَمَ بِوُجُودِهِ، أَعْنِي أَنَّ اُلْعَقْلَ لَيْسَ هُوَ بِمَعْرُوضٍ لِلإِمْكَانِ أَصْلاً. بَلْ إِنَّ اُلإِمْكَانَ هُوَ نَفْسُ قِيَاسِ اُلْعَقْلِ لِلشَّيْءِ إِلَى وُجُودِهِ فِي اُلْخَارِجِ. وَكَذَا اُلْقَوْلُ فِي اُلاِمْتِنَاعِ وَاُلْوُجُوبِ. اُنْظُرْ اُلْفَخْرَ اُلرَّازِيَّ، شَرْحَ إِلاَهِيَّاتِ اُلإِشَارَاتِ، اُلْفَصْلَ اُلسَّادِسَ مِنَ اُلنَّمَطِ اُلْخَامِسِ. وَأَمَّا عَلَى اُلطَّرِيقَةِ اُلثَّانِيَةِ، فَإِنَّ اُلإِمْكَانَ هُوَ شُعُورٌ نَفْسَانِيٌّ، أَعْنِي هُوَ حَالٌ عَارِضَةٌ لِلنَّفْسِ اُلشَّخْصِيَّةِ، كَعُرُوضِ اُلْبَيَاضِ اُلشَّخْصِيِّ لِهَذَا اُلْجِسْمِ اُلْمُشَارِ إِلَيْهِ، إِذَا لاَحَظَهُ اُلْعَقْلُ حَكَمَ بِهِ، أَيْ أَنَّ اُلنَّفْسَ مَتَى قَدَّرَتِ اُلشَّيْءَ، فَإِمَّا أَنْ يَتَوَلَّدَ بِهَا شُعُورُ عَدَمِ اِمْتِنَاعِ تَقْدِيرِ وُجُودِهِ عَلَى اُلْعَقْلِ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ اُلشُّعُورُ بِاُلإِمْكَانِ، أَوْ شَعُرَتْ بِاِمْتِنَاعِ تَقْدِيرِ وُجُودِهِ عَلَى اُلْعَقْلِ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ اُلشُّعُورُ بِاُلاِمْتِنَاعِ، أَوْ شَعُرَتْ بِامْتِنَاعِ تَقْدِيرِ عَدَمِ وُجُودِهِ عَلَى اُلْعَقْلِ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ اُلشُّعُورُ وُجُوبًا. لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلنَّفْسَانِيَّةَ اُلْمَنْطِقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ تَجْعَلُ الأَحْكَامَ اُلْمَنْطِقِيَّةَ مَعَانِيًا كُلِّيَّةً ثَابِتَةً فِي نَفْسِهَا، بَلْ إِنَّمَا هِيَ أَحْكَامٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحْوَالٍ نَفْسِيَّةٍ لاَ غَيْرَ. وَمَا اُلأَحْوَالُ اُلنَّفْسِيَّةُ إِلاَّ أَعْرَاضٌ جُزْئِيَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ مُتَغَيِّرَةٌ. لِذَلِكَ كَانَ رَدُّ اُلأَحْكَامِ اُلْمَنْطِقِيَّةِ إِلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ لاَ مَحَالَةَ إِبْطَالٌ لِكُلِّ ضَرُورَةٍ وَكُلِّيَّةٍ فِي اُلْمَنْطِقِ، وَبِبُطْلاَنِهَا بَطَلَ كُلُّ عِلْمٍ، لِأَنَّ أَسَاسَ عِلْمِيَّةِ كُلِّ عِلْمٍ إِنَّمَا هُوَ اُلْمَبَادِئُ اُلْمَنْطِقِيَّةُ اُلأُولَى اُلَّتِي يُنْتَهَى إِلَيْهَا ضَرُورَةً بِاُلتَّحْلِيلِ. وَهُوَ مَا جَعَلَ، أَيْضًا، هُوسُّرْل يُفْرِدُ جُزْءً بِحَالِهِ مِنْ أَبْحَاثِهِ اُلْمَنْطِقِيَّةِ، لِلْرَدِّ عَلَى هَذِهِ اُلأَقْوَالِ، كَانَ قَدْ سَمَّاهُ “مُوَطِّئَاتٌ لِمَنْطِقٍ مُطْلَقٍ”.

4) [بِدَلِيلِ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ]، بَعْدَ اُلْحَلِّ يَأْتِي اُلْغَزَالِيُّ بِحُجَجٍ ثَلاَثٍ يَنْقُضُ بِهَا دَعْوَى اُلْفَلاَسِفَةِ ِبضَرُورَةِ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنَى اُلإِمْكَانِ مَحَلٌّ فِي اُلْخَارِجِ يُضَافُ إِلَيْهِ.

5) [أَحَدُهَا أَنَّ اُلإِمْكَانَ لَوِ اِسْتَدْعَى… حَتَّى يُضَافَ اُلاِمْتِنَاعُ إِلَى اُلْمَادَّةِ]، اُلْحُجَّةُ اُلأُولَى، لَوْ كَانَ اُلإِمْكَانُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَوْضُوعٍ يَقُومُ بِهِ لِيُقَالَ هَذَا اُلْمَوْضُوعُ مُمْكِنٌ أَنْ يُوجَدَ كَذَا، كَمَا أَنَّ اُلْبَيَاضَ مُحْتَاجٌ لِجِسْمٍ يَقُومُ بِهِ لِيُقَالَ هَذَا اُلْجِسْمُ أَبْيَضُ، لَكَانَ اُلاِمْتِنَاعُ فِي قَوْلِنَا قَوْلاً مُفِيدًا هَذَا اُلشَّيْءُ مُمْتَنِعٌ، مُحْتَاجًا أَيْضًا إِلَى شَيْءٍ مَوْجُودٍ لِيُضَافَ إِلَيْهِ اُلاِمْتِنَاعُ بِأَنْ يُوجَدَ كَذَا. وَلَكِنَّ اُلْمُمْتَنِعَ لاَ ذَاتَ لَهُ أَصْلاً، لِأَنَّهُ مُحَالُ اُلْوُجُودِ. إِذَنْ فَقَدْ ثَبَتَ مَعْنَى الاِمْتِنَاعِ خَالِيًا مِنْ كُلِّ ثُبُوتٍ لِمَوْضُوعٍ يَحُلُّ بِهِ. فَصَحَّ كَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ اُلإِمْكَانِ وُجُودُ مَادَّةٍ لِيُضَافَ إِلَيْهَا.

6) [وَاُلثَّانِي]، وَاُلْحُجَّةُ اُلثَّانِيَةُ عَلَى نَقْضِ دَلِيلِ اُلْفَلاَسِفَةِ.

7) [أَنَّ اُلسَّوَادَ وَاُلْبَيَاضَ… بِكَوْنِهِمَا مُمْكِنَيْنِ]، اُلإِمْكَانُ هُوَ نِسْبَةُ اُلْمَاهِيَةِ إِلَى وُجُودِهَا بِعَدَمِ اُلاِمْتِنَاعِ وَبِعَدَمِ اُلْوُجُوبِ. وَاُلإِمْكَانُ يَكُونُ لِلْمَاهِيَةِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى نَفْسِ وُجُودِهِا، أَوْ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى وُجُودِهَا شَيْئًا آخَرَ. فَاُلأَوَّلُ كَاُلْبَيَاضِ، فَهْوَ مُمْكِنٌ أَنْ يُوجَدَ. وَاُلثَّانِي كَاُلْجِسْمِ، فَهْوَ مُمْكِنٌ أَنْ يَصِيرَ أَبْيَضَ.

8) [فَإِنْ كَانَ هَذَا اُلإِمْكَانُ مُضَافًا… وَاُلإِمْكَانُ مُضَافٌ إِلَيْه]، فَاُلْعَقْلُ إِذَا اِعْتَبَرَ اُلْبَيَاضَ وَحْدَهُ، أَوِ اِعْتَبَرَ اُلسَّوَادَ وَحْدَهُ، وَقَاسَهُمَا إِلَى وُجُودِهِمَا اُلْمُطْلَقِ، ظَهَرَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَاضٌ أَوْ سَوَادٌ، أَنَّهُمَا مُمْكِنَانِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا اُلإِمْكَانُ بِعَيْنِهِ الَّذِي يَقْضِي بِهِ اُلْعَقْلُ، لاَ حَقِيقَةَ لَهُ سِوَى أَنَّهُ نَفْسُ قُوَّةِ اُلْجِسْمِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ أَبْيَضَ، أَيْ أَنَّ إِمْكَانَ أَنْ يُوجَدَ اُلْبَيَاضُ هُوَ أَنَّ اُلْجِسْمَ يُمْكِنُ أَنْ يَبْيَضَّ، وَإِمْكَانُ أَنْ يُوجَدَ اُلسَّوَادُ هُوَ أَنَّ اُلْجِسْمَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْوَدَّ، فَسَيَلْزَمُ أَنَّ اُلْبَيَاضَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ، لِأَنَّ إِمْكَانَهُ هُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مَاهِيَتِهِ وَوُجُودِهِ، أَمَّا قُوَّةُ اُلْجِسْمِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ أَبْيَضَ، فَهْيَ نِسْبَةٌ بَيْنَ اُلْجِسْمِ وَبَيْنَ وُجُودِهِ أَبْيَضَ. فَاُلإِمْكَانَانِ مُخْتَلِفَانِ، إِذِ اُلأَوَّلُ هُوَ إِمْكَانُ وُجُودٍ مُطْلَقٍ لِشَيْءٍ، وَاُلثَّانِي إِمْكَانُ وُجُودِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ “وَاُلإِمْكَانُ مُضَافٌ إِلَيْهِ”، أَيْ مُضَافٌ إِلَى اُلْجِسْمِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ إِمْكَانَ اُلْجِسْمِ أَنْ يَبْيَضَّ إِنَّمَا هُوَ إِمْكَانٌ مُضَافٌ لِلْجِسْمِ، فَهْوَ إِذَنْ غَيْرُ إِمْكَانِ اُلْبَيَاضِ أَنْ يُوجَدَ.

9) [فَنَقُولُ مَا حُكْمُ نَفْسِ اُلسَّوَادِ… ذَاتٍ مَوْجُودَةٍ يُضِيفُ إِلَيْهَا اُلإِمْكَانَ]، إِذَنْ فَتَأْوِيلُكُمْ لِإِمْكَانِ اُلْبَيَاضِ بِأَنَّهُ إِمْكَانُ اُلْجِسْمِ أَنْ يَبْيَضَّ، أَوْ لِإِمْكَانِ اُلسَّوَادِ بِأَنَّهُ إِمْكَانُ اُلْجِسْمِ أَنْ يَسْوَدَّ، غَيْرُ مُعْفِيكُمْ مِنْ أَنْ تُبَيِّنُوا أَنَّ نِسْبَةَ اُلسَّوَادِ فِي نَفْسِهِ إِلَى وُجُودِهِ، إِذْ هِيَ غَيْرُ نِسْبَةِ اُلْجِسْمِ إِلَى أَنْ يُوجَدَ أَسْوَدَ، هَلْ هِيَ نِسْبَةُ اُلإِمْكَانِ، أَوِ اُلْوُجُوبِ، أَوِ اُلاِمْتِنَاعِ. وَاُلْجَوَابُ لَنْ يَكُونَ قَطْعًا إِلاَّ أَنَّهَا نِسْبَةُ اُلإِمْكَانِ. فَدَلَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ تَحَقُّقَ مَعْنَى اُلإِمْكَانِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ لاَ مَحَالَةَ لِمَوْضُوعٍ مَوْجُودٍ يُضَافُ إِلَيْهِ. لِأَنَّ اُلسَّوَادَ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَوَادٌ لَيْسَ لَهُ ذَاتٌ هِيَ بِاُلْقُوَّةِ سَوَادٌ، ثُمَّ تَصِيرُ بِاُلْفِعْلِ سَوَادًا. خِلاَفًا لِلْجِسْمِ اُلأَسْوَدِ، فَهْوَ مُرَكَّبٌ مِنْ جِسْمٍ وَسَوَادٍ، لِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَسْبِقَ اُلْجِسْمَ اُلأَسْوَدَ إِمْكَانُهُ، وَيَكُونَ هَذَا اُلإِمْكَانُ عَارِضًا لِمَوْضُوعٍ مَوْجُودٍ، اُلَّذِي هُوَ اُلْجِسْمُ بِعَيْنِهِ. إِذَنْ فَاُلإِمْكَانُ إِنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ عَقْلِيٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ لِثُبُوتِهِ إِثْبَاتُ مَوْضُوعٍ مَوْجُودٍ لِيُضِيفَهُ اُلْعَقْلُ إِلَيْهِ.

10) [وَاُلثَّالِثُ]، وَاُلْحُجَّةُ اُلثَّالِثَةُ عَلَى نَقْضِ دَلِيلِ اُلْفَلاَسِفَةِ، وَهْيَ قَلْبٌ وَلَيْسَتْ بِنَقْضٍ.

11) [أَنَّ نُفُوسَ اُلآدَمِيينَ… اِبْنُ سِينَا وَاُلْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ]، اِعْلَمْ أَنَّ أَقْوَالَ اُلْحُكَمَاءِ فِي اُلنَّفْسِ اُلإِنْسَانِيَّةِ بَحْرٌ لاَ سَاحِلَ لَهُ، وَلَكِنِّي لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ أَذْكُرَ ذِكْرًا يَسِيرًا لِلْقَارِئِ اُلْمَذَاهِبَ اُلْكُبْرَى فِيهَا، وَاُلَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ اُلأُصُولِ اُلأُولَى اُلَّتِي قَدْ يُرَدُّ إِلَيْهَا كُلُّ قَوْلٍ آخَرَ غَيْرِهَا، وَإِنْ بَدَا لِلنَّظَرِ اُلأَوَّلِ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ عَنْهَا تَمَامَ اُلاِنْفِرَادِ. إِذَنْ فَهُنَاكَ أَوَّلاً، مَذَاهِبُ أَوَائِلِ اُلْحُكَمَاءِ اُلْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَفْلاَطُنْ. وَثَانِيًا، مَذْهَبُ أَفْلاَطُنْ. وَثَالِثًا، مَذْهَبُ أَرُسْطُو مَعَ تَأْوِيلَيْنِ كَبِيرَيْنِ لَهُ، وَهُمَا تَأْوِيلُ اِبْنِ رُشْدٍ، وَتَأْوِيلُ تُومَا اُلإِكْوِينِيِّ. وَرَابِعًا، مَذْهَبُ اِبْنِ سِينَا.

كَلاَمٌ أَوَّلٌ فِي مَذَاهِبِ أَوَائِلِ اُلْحُكَمَاءِ اُلْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَفْلاَطُنْ

   وَعَامَّةُ مَا قَدْ عُرِفَ مِنْهَا إِنَّمَا أُخِذَ مِمَّا أَوْرَدَهُ أَرُسْطُو فِي اُلْمَقَالَةِ اُلأُولَى مِنْ كِتَابِ اُلنَّفْسِ. وَ لَيْسَتْ بَعِيدَةً كُلُّهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُجْمِعَةً عَلَى وَضْعِ اُلنَّفْسِ ذَاتَ طَبِيعَةٍ جِسْمَانِيَّةٍ. فَهُنَاكَ دِيمُقْرِيطِسْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلْخَامِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، فَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ اُلنَّفْسَ هِيَ أَجْسَامٌ نَارِيَّةٌ غَيْرُ مُنْقَسِمَةٍ كُرِّيَّةُ اُلشَّكْلِ. وَهُنَاكَ أَصْحَابُ فِيثَاغُورَاسْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلسَّادِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ اُلنَّفْسَ اُلْهَبَاءَ، وَهْيَ اُلْحَبَّاتُ اُلَّتِي تَظْهَرُ فِي شُعَاعِ اُلشَّمْسِ اُلدَّاخِلِ مِنْ شُقُوقِ اُلأَبْوَابِ. كَذَلِكَ اِنْبَادِقْلِيسْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلْخَامِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، فَإِنَّهُ يَضَعُ أَنَّ أُصُولَ اُلأَشْيَاءِ هِيَ اُلنَّارُ وَاُلْهَوَاءُ وَاُلْمَاءُ وَاُلأَرْضُ، وَاُلْمَحَبَّةُ وَاُلْبِغْضَةُ. لِذَلِكَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ هُوَ نَفْسٌ عَلَى حِيَالِهِ. وَهُنَاكَ دِيُوجَانِيسْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلْخَامِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ اُلنَّفْسَ هَوَاءٌ، لِأَنَّ اُلْهَوَاءَ هُوَ أَلْطَفُ اُلأَجْسَامِ. وَأَيْضًا إِيرَاقْلِيطِسْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلْخَامِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، فَقَدْ جَعَلَ اُلنَّفْسَ بُخَارًا. وَهُنَاكَ هِيفُونْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلْخَامِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ اُلنَّفْسَ مَاءٌ. وَأَيْضًا فَيْلَسُوفٌ آخَرُ اِقْرِيطِيَاسْ زَعَمَ أَنَّ اُلنَّفْسَ دَمٌ. أَمَّا أَنَكَسُوغُرَاسْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلْخَامِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، فَقَدِ اِمْتَازَ عَنْ هَؤُلاَءِ جَمِيعًا بِأَنْ فَرَّقَ بَيْنَ اُلنَّفْسِ وَاُلْعَقْلِ، وَادَّعَى أَنَّ اُلْعَقْلَ غَيْرُ مُخَالِطٍ لِلأَجْسَامِ، وَأَنَّهُ لاَ يَعْرِضُ لَهُ اُلاِنْفِعَالُ أَصْلاً. وَقَوْلٌ آخَرُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ زَمَانِ أَفْلاَطُنْ، وَهْوَ أَنَّ اُلنَّفْسَ تَأْلِيفٌ مِنْ كَيْفِيَّاتٍ مُتَضَادَّةٍ عَلَى نِسْبَةٍ مَا، تَابِعٌ لِأُسْطُقْسَاتِ اُلْبَدَنِ. هَذَا تَلْخِيصٌ لِجُمْلَةِ مَذَاهِبِ أَوَائِلِ اُلْقُدَمَاءِ.

كَلاَمٌ ثَانٍ فِي مَذْهَبِ أَفْلاَطُنْ فِي اُلنَّفْسِ اُلإِنْسَانِيَّةِ

   أَمَّا أَفْلاَطُنْ اُلْمُلَقَّبُ بِاُلإِلاَهِيِّ، وَاُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 427 قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، فَلَهُ ضَرْبَانِ مِنَ اُلْقَوْلِ فِي اُلنَّفْسِ. ضَرْبٌ أَوَّلٌ يَخُصُّ اُلنَّفْسَ اُلْكُلِّيَّةَ وَهْيَ اُلْمُحِيطَةُ بِكُلِّ اُلْعَالَمِ. وَهَذِهِ قَدْ ذَكَرَهَا وَوَصَفَهَا خَاصَّةً فِي كِتَابِ “طِيمَاوُسْ”. وَضَرْبٌ ثَانٍ يَخُصُّ اُلنَّفْسَ اُلشَّخْصِيَّةَ اُلإِنْسَانِيَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَهَا خَاصَّةً فِي مُحَاوَرَةِ “فَاذِنْ”، وَفِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ مُحَاوَرَةِ “اُلسِّيَاسَةُ”. وَاُلضَّرْبُ اُلثَّانِي مَا نُرِيدُهُ. إِذَنْ فَأَحَقُّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ مِنْ مَذْهَبِ أَفْلاَطُنْ فِي اُلنَّفْسِ هُوَ :

أ- لِكُلِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، نَفْسٌ تَخُصُّهُ، وَلَيْسَتْ هِيَ بِجَوْهَرٍ وَاحِدٍ حَالٍّ فِي كُلِّ اُلأَجْسَامِ اُلْحَيَّةِ مَعًا، أَوِ اُلأَبْدَانِ اُلإِنْسَانِيَّةِ مَعًا.

ب- اُلنَّفْسُ هِيَ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ غَيْرُ جِسْمَانِيٍّ وَلاَ مُرَكَّبٍ.

ج- وَهْيَ مَبْدَأُ اُلْحَيَاةِ فِي اُلْبَدَنِ. وَفِي اُلشَّخْصِ اُلإِنْسَانِيِّ اُلْوَاحِدِ، كَزَيْدٍ اُلْمُشَارِ إِلَيْهِ، إِنَّمَا هِيَ ذَاتُهُ الَّتِي حَقِيقَتُهَا اُلنُّطْقُ وَاُلْعَقْلُ.

د- اُلنَّفْسُ لِأَنَّهَا جَوْهَرٌ بَسِيطٌ، فَإِنَّهَا فِي نَفْسِهَا، أَزَلِيَّةٌ لاَ كَوْنَ لَهَا، وَأَبَدِيَّةٌ لاَ فَنَاءَ لَهَا.

هـ-وَإِذْ أَنَّ اُلْبَدَنَ اُلْمُحْيِيَةَ إِيَّاهُ اُلْحَالَّةَ فِيهِ هُوَ جَوْهَرٌ مُرَكَّبٌ يَعْرُوهُ اُلْكَوْنُ وَاُلْفَسَادُ، إِذَنْ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَيُّ حُكْمٍ فِي وُجُودِ اُلنَّفْسِ فِيهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اِقْتِرَانَ اُلنَّفْسِ بِاُلْبَدَنِ اِقْتِرَانٌ عَارِضٌ، لاَ بِسَبَبٍ أَمْرٍ رَاجِعٍ إِلَى اُلْبَدَنِ بِوَجْهٍ، بَلْ إِلَى اُلنَّفْسِ، لِذَلِكَ مَا كَانَتِ اُلنَّفْسُ قَدْ تَسْكُنُ أَبْدَانًا كَثِيرَةً، فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، مِنْ غَيْرِ اِخْتِصَاصٍ لَهَا بِوَاحِدٍ دُونَ غَيْرِهِ.

كَلاَمٌ ثَالِثٌ فِي مَذْهَبِ أَرُسْطُو فِي اُلنَّفْسِ اُلإِنْسَانِيَّةِ، وَتَأْوِيلَيِ اِبْنِ رُشْدٍ وَتُومَا اُلإِكْوِينِيِّ

   اُلأَجْسَامُ اُلطَّبِيعِيَّةُ مِنْهَا مَا لَهُ حَيَاةٌ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ. وَمَا لَهُ حَيَاةٌ هُوَ مَا يَكُونُ لَهُ تَغَذٍّ وَنُمُوٌّ وَنَقْصٌ بِاُلذَّاتِ، أَيْ بِمَبْدَأٍ فِيهِ، لاَ بِسَبَبٍ مِنْ خَارِجٍ. وَهَذَا اُلْمَبْدَأُ هُوَ اُلْمُسَمَّى نَفْسًا. إِذَنْ فَاُلْجِسْمُ اُلْحَيُّ هُوَ جِسْمٌ طَبِيعِيٌّ ذُو نَفْسٍ. لَكِنَّ اُلنَّفْسَ هِيَ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى نَفْسِ اُلْجِسْمِ اُلطَّبِيعِيِّ، وَلاَ يُقَالُ مَعَ ذَلِكَ هِيَ طَارِئَةٌ عَلَيْهِ جُزَافًا وَاِتَّفَاقًا، كَمَا يَقُولُ أَفْلاَطُنْ، بَلْ إِنَّهَا كَمَالٌ وَفِعْلٌ لِجِسْمٍ طَبِيعِيٍّ هُوَ فِيهِ مِنْ اُلْقُوَّةِ لِقَبُولِ ذَلِكَ اُلْكَمَالِ اُلَّذِي هُوَ بِعَيْنِهِ قُوَّةٌ عَلَى تِلْكُمُ اُلأَفْعَالِ اُلْمَذْكُورَةِ مِنْ تَغَذٍّ وَنُمُوٍّ وَنَقْصٍ. فَاُلْجِسْمُ اُلْحَيُّ مُرَكَّبٌ مِنْ جِسْمٍ طَبِيعِيٍّ يَنْزِلُ مِنْهُ مَنْزِلَةَ اُلْهَيُولَى، وَمِنْ نَفْسٍ تَنْزِلُ مِنْهُ مَنْزِلَةَ اُلصُّورَةِ. وَلِأَنَّ اُلأَجْسَامَ اُلْمُتَنَفِّسَةَ كُلَّهَا إِنَّمَا تَشْتَرِكُ فِي اُلْحَيَاةِ، وَقَدْ تَخْتَلِفُ فِيمَا بَيْنَهَا فِي جِهَةِ اُلنُّقْصَانِ وَاُلْكَمَالِ، إِذْ أَنَّ بَعْضَهَا قَدْ لاَ يَكُونُ لَهُ مِنَ اُلْقُوَى اُلنَّفْسِيَّةِ إِلاَّ اُلْقُوَّةَ اُلْحَيَاتِيَّةَ مِنْ تَغَذٍّ وَنُمُوٍّ وَنَقْصٍ وَوِلاَدَةٍ، وَبَعْضُهَا قَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِقُوَّةِ اُلإِحْسَاسِ وَاُلْحَرَكَةِ وَاُلْخَيَالِ. ثُمَّ إِنَّ أَكْمَلَهَا عَلَى اُلإِطْلاَقِ، وَهْوَ الإِنْسَانُ، فَإِنَّ نَفْسَهُ تَزِيدُ عَلَى سَائِرِ اُلنُّفُوسِ بِقُوَّةِ اُلنُّطْقِ وَاُلنَّظَرِ، فَإِنَّ أَرُسْطُو قَدْ أَعْطَى حَدًّا عَامًّا لَهَا فِي اُلْمَقَالَةِ اُلثَّانِيَةِ مِنْ كِتَابِ اُلنَّفْسِ وَهْوَ “اِسْتِكْمَالٌ أَوَّلٌ لِجْسْمٍ طَبِيعِيٍّ آلِيٍّ.” فَاُلنَّفْسُ عِنْدَهُ هِيَ صُورَةٌ فِي مَادَّةٍ، وَلَيْسَتْ أَيَّ مَادَّةٍ، بَلِ اُلْمَادَّةُ اُلْمُسْتَعِدَّةُ مِنْ حَيْثُ اُلْقُوَّةُ لِأَنْ تَكُونَ تِلْكَ اُلصُّورَةُ كَمَالاً لَهَا وَاِسْتِكْمَالاً لَهَا. لِذَلِكَ فَهْيَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً قَبْلَ وُجُودِ اُلْبَدَنِ، خِلاَفًا لِأَفْلاَطُنْ، بَلْ إِنَّهَا حَادِثَةٌ مَعَهُ مَتَى حَصَلَ فِيهِ اُلاِسْتِعْدَادُ اُلتَّامُّ لِقَبُولِ ذَلِكَ اُلنَّوْعِ مِنَ اُلنَّفْسِ بِعَيْنِهِ، لِذَلِكَ اُلشَّخْصِ بِعَيْنِهِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اُلْجِسْمَ اُلطَّبِيعِيَّ اُلَّذِي مَا تَمَّتْ فِيهِ مِنَ اُلْقُوَّةِ إِلاَّ اُلَّتِي تُعِدُّهُ لِأَنْ يَكْتَسِيَ صُورَةَ اُلْحَيَاةِ فَقَطْ، فَلاَ يُمْكُِنُ أَنْ تَلْتَبِسَ بِهِ إِلاَّ اُلنَّفْسُ اُلنَّبَاتِيَّةُ، وَاُلَّذِي مَا تَمَّتْ فِيهِ مِنَ اُلْقُوَّةِ إِلاَّ اُلَّتِي تُعِدُّهُ لِأَنْ يَكْتَسِيَ صُورَةَ اُلإِحْسَاسِ وَاُلْحَرَكَةِ اُلذَّاتِيَّةِ، فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِ لاَ مَحَالَةَ اُلْقُوَّةُ اُلَّتِي أَعَدَّتْهُ لِأَنْ يَكْتَسِيَ اُلنَّفْسَ اُلنَّبَاتِيَّةَ، وَهَذِهِ اُلنَّفْسُ اُلنَّبَاتِيَّةُ قَدْ تَمَّ فِيهَا اُلاِسْتِعْدَادُ لِأَنْ يَكْتَسِيَ اُلْبَدَنُ أَيْضًا اُلنَّفْسَ اُلْحَيَوَانِيَّةَ فَقَطْ. وَاُلنَّفْسَانِ اُلنَّبَاتِيَّةُ وَاُلْحَيَوَانِيَّةُ، إِنَّمَا هُمَا جُزْءَانِ فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مُخْتَلِفَانِ بِاُلْحَدِّ، وَلَيْسَا بِنَفْسَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِاُلْوَضْعِ فِي اُلْبَدَنِ، كَمَا ظَنَّ أَفْلاَطُنْ فِي اُلنُّفُوسِ اُلثَّلاَثَةِ اُلَّتِي ذَكَرَهَا، أَعْنِي اُلنَّفْسَ اُلنَّاطِقَةَ، وَاُلْغَضَبِيَّةَ، وَاُلشَّهَوِيَّةَ. وَاُلْخَاصَّةُ اُلْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ اُلنَّفْسَيْنِ مَعًا، أَنَّهُ كِلاَهُمَا إِنَّمَا هُوَ قُوَّةٌ فِي جِسْمٍ مُسْتَعْمِلَةٌ لِلْجِسْمِ. لِأَجْلِ ذَلِكَ لَحِقَهُمَا اُلْفَنَاءُ بِفَنَاءِ اُلْجَسَدِ، لِأَنَّ كُلَّ قُوَّةٍ قَائِمَةٍ فِي مَوْضُوعٍ، أَوْ مُسْتَعْمِلَةٍ لَهُ، فَإِنَّهَا فَاسِدَةٌ بِفَسَادِهِ.

   إِذَنْ فَإِلَى هَذَا اُلْمَوْضِعِ فَإِنَّ مَا أَوْرَدَهُ أَرُسْطُو اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 322 قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، مِنْ أَمْرِ اُلنَّفْسِ فِي كِتَابِهِ اُلْمَذْكُورِ هُوَ بَيِّنٌ لاَ لَبْسَ فِيهِ. لَكِنَّهُ لَمَّا مَضَى لِلْحَدِيثِ فِي اُلقُوَّةِ اُلثَّالِثَةِ اُلْخَاصَّةِ بِاُلإِنْسَانِ فَقَطْ، وَهْيَ قُوَّةُ اُلنُّطْقِ، وَصَفَهَا بِأَشْيَاءَ أَوْجَبَتِ اُلشَكَّ وَاُلاِخْتِلاَفَ فِي اُلتَّفْسِيرِ بَيْنَ كِبَارِ اُلْمُفَسِّرِينَ، كَثَاوُفْرَاسْطْ، وَثَامِسْطُيُوسْ، وَأَلِكْسَنْدَرْ اُلأَفْرُودِيسِيِّ، وَابْنِ رُشْدٍ وَتُومَا اُلإِكْوِينِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ ضَرُورَةَ اُلْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا قَالَهُ لَيْسَ بِاُلأَمْرِ اُلْهَيِّنِ، لِأَنَّ هَذِهِ اُلْقُوَّةَ اُلَّتِي هِيَ قُوَّةُ اُلنُّطْقِ إِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ اُلنَّاطِقَةِ اُلَّتِي هِيَ ذَاتُ اُلإِنْسَانِ وَكُنْهُهُ، وَلَيْسَ يُمْكِنُ لَنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا أَصْلُ اُلإِنْسَانِ، وَكَيْفَ هُوَ مَصِيرُهُ، وَمَا غَايَتُهُ فِي اُلْحَيَاةِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، إِلاَّ إِذَا عَرَفْنَا شَأْنَ اُلنَّفْسِ اُلنَّاطِقَةِ بِعَيْنِهَا، وَمَا وُجُودُهَا، وَهَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ أَمْ فَانِيَةٌ.

   فَمِمَّا قَالَهُ أَرُسْطُو فِي شَأْنِ اُلْعَقْلِ اُلإِنْسَانِيِّ أَنْ تَكُونَ اُلدِّلاَلَةُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ فِعْلِهِ، إِذْ كَمَا دَلَّ إِدْرَاكُ اُلْمَحْسُوسِ عَلَى وُجُودِ قُوَّةٍ فِي اُلنَّفْسِ مُدْرِكَةٍ يُقَالَ لَهَا اُلْحِسُّ، كَذَلِكَ فَإِنَّ إِدْرَاكَ اُلْمَعْقُولِ وَتَصَوُّرَهُ هُوَ مُقْتَضٍ لِوُجُودِ قُوَّةٍ فِي اُلنَّفْسِ مُدْرِكَةٍ لِلصُّوَرِ اُلْعَقْلِيَّةِ، يُقَالَ لَهَا اُلْعَقْلُ. ثُمَّ سَأَلَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ اُلْقُوَّةُ مُفَارِقَةً لِسَائِرِ قُوَى اُلنَّفْسِ بِاُلْوَضْعِ وَاُلْمَعْنَى، أَمْ بِاُلْمَعْنَى فَقَطْ. لَكِنَّهُ قَدْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اُلْقُوَّةُ غَيْرَ مُخَالِطَةٍ أَصْلاً لِلْمَوْضُوعِ اُلْمَوْجُودَةِ فِيهِ، وَأَنْ لاَ تَكُونَ لَهَا مِنْ طَبِيعَةٍ إِلاَّ طَبِيعَةَ اُلإِمْكَانِ وَاُلْقُوَّةِ. لِذَلِكَ كَانَ هَذَا اُلْعَقْلُ فِي اِبْتِدَاءِ أَمْرِهِ إِنَّمَا هُوَ قُوَّةٌ مَحْضَةٌ، وَلاَ يَصِيرُ عَقْلاً بِاُلْفِعْلِ إِلاَّ إِذَا عَقَلَ مَعْقُولاً بِاُلْفِعْلِ. وَمِنْ هُنَا سَمَّاهُ اُلْبَعْضُ بِاُلْعَقْلِ اُلْهَيُولاَنِيِّ، وَآخَرُونَ بِاُلْعَقْلِ اُلْمُمْكِنِ. وَهْوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ إِنَّمَا هُوَ قُوَّةٌ عَلَى إِدْرَاكِ كُلِّ اُلْمَعْقُولاَتِ إِذَا صَارَتْ مَعْقُولاَتٍ بِاُلْفِعْلِ. وَإِذْ أَنَّ اُلْمَعْقُولاَتِ تَكُونُ أَوَّلاً بِاُلْقُوَّةِ مَغْمُورَةً فِي اُلْمَحْسُوسَاتِ، وَاُلْعَقْلُ اُلْهَيُولاَنِيُّ لاَ يَعْقِلُهَا إِلاَّ إِذَا صَارَتْ مَعْقُولاَتٍ بِاُلْفِعْلِ، فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يُوجَدَ عَقْلٌ آخَرُ مِنْ خَارِجٍ شَأْنُهُ أَنْ يُخْرِجَ تِلْكُمُ اُلْمَعْقُولاَتِ مِنَ اُلْقُوَّةِ إِلَى اُلْفِعْلِ، وَهْوَ بِذَلِكَ إِنَّمَا يُخْرِجُ أَيْضًا اُلْعَقْلَ اُلْهَيُولاَنِيَّ إِلَى أَنْ يَصِيرَ عَقْلاً بِاُلْفِعْلِ، وَهَذَا اُلْعَقْلُ عَقْلٌ آخَرُ أَثْبَتَهُ أَرُسْطُو، سَمَّاهُ بِاُلْعَقْلِ اُلْفَعَّالِ.

   وَقَدِ اِخْتَلَفَ اُلْمُفَسِّرُونَ فِي أَمْرِ اُلْعَقْلِ اُلْهَيُولاَنِيِّ، وَفِي أَمْرِ اُلْعَقْلِ اُلْفَعَّالِ. أَمَّا اُلأَوَّلُ فَإِنْ كَانَتْ طَبِيعَةُ اُلْعَقْلِ اُلْهَيُولاَنِيِّ هِيَ الإِمْكَانُ بِعَيْنِهِ، فَهَلْ هُوَ جَوْهَرٌ مَوْجُودٌ ذُو قُوَّةٍ عَلَى تَصَوَّرِ اُلْمَعْقُولاَتِ جَمِيعًا، وَهَذَا لاَ يَقُومُ، لِأَنَّ اُلْقُوَّةَ اُلْمَحْضَةَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قُوَّةً فِي شَيْءٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ اُلشَّيْءَ هُوَ بِاُلْفِعْلِ، فَاُلْقُوَّةُ إِذَنْ لَيْسَتْ بِقَوَّةٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. هَذَا خَلْفٌ. أَمْ أَنَّ هَذَا اُلْعَقْلَ إِنَّمَا هُوَ اِسْتِعْدَادٌ مَحْضٌ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ذِي اِسْتِعْدَادٍ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مَوْجُودًا فِي اُلإِنْسَانِ اُلْمَوْضُوعِ، لاَ عَلَى سَبِيلِ اُلْمُخَالَطَةِ اُلَّتِي تَجْعَلُ ذَلِكَ اُلْمَوْضُوعَ هُوَ بِاُلْقُوَّةِ عَقْلاً بِاُلْفِعْلِ. وَاُلثَّانِي، أَعْنِي اُلْعَقْلَ اُلفَعَّالَ، فَهَلْ هُوَ عَقْلٌ آخَرُ مُفَارِقٌ لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنَ اُلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ اُلإِنْسَانِيَّةِ، أَمْ هُوَ وَاُلْعَقْلُ اُلْهَيُولاَنِيُّ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، مُخْتَلِفَانِ بِاُلْجِهَةِ فَقَطْ.

   أَمَّا اِبْنُ رُشْدٍ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 595 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فَكَانَ يَرَى أَنَّ اُلْعَقْلَ اُلْهَيُولاَنِيَّ الَّذِي هُوَ اُلْقُوَّةُ اُلإِنْسَانِيَّةُ اُلنَّاطِقَةُ عَلَى اُلْحَقِيقَةِ، فَلَيْسَ هُوَ بِجَوْهَرٍ مُفَارِقٍ ذِي قُوَّةٍ عَلَى تَعَقُّلِ كُلِّ اُلْمَعْقُولاَتِ، وَإِنْ كَانَ مُقَارِنًا لِلْبَدَنِ اُلشَّخْصِيِّ. بَلْ إِنَّهُ نَفْسُ اُلْمَعْقُولاَتِ اُلْمَغْمُورَةِ فِي اُلْخَيَالاَتِ اُلشَّخْصِيِّةِ اُلْمَوْجُودَةِ فِي بَدَنٍ مُشَارٍ إِلَيْهِ، كَبَدَنِ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو. لِذَلِكَ فَاُلْعَقْلُ اُلْهَيُولاَنِيُّ هُوَ مَنْسُوبٌ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مُتَشَخِّصٍ. ثُمَّ إِنَّ هُنَاكَ عَقْلاً آخَرَ، مُبَايِنًا لِلنَّفْسِ اُلإِنْسَانِيَّةِ، وَهْوَ اُلْعَقْلُ اُلْفَعَّالُ، وَهَذَا عَقْلٌ وَاحِدٌ مَوْجُودٌ خَارِجَ كُلِّ اُلْعُقُولِ اُلشَّخْصِيَّةِ، إِذْ هُوَ إِذَا اِتَّصَلَ بِكُلِّ خَيَالٍ خَيَالٍ أَخْرَجَ تِلْكُمُ اُلْمَعْقُولاَتِ اُلْمَغْمُورَةَ فِي اُلْخَيَالاَتِ اُلشَّخْصِيَّةِ مِنَ اُلْقُوَّةِ إِلَى اُلْفِعْلِ، فَصَارَ اُلْعَقْلُ اُلْهَيُولاَنِيُّ حِينَئِذٍ عَقْلاً بِاُلْفِعْلِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ حَاصِلَ هَذَا اُلتَّأْوِيلِ إِنَّمَا هُوَ إِنْكَارٌ لِأَنْ يَكُونَ لِنَفْسِ كُلِّ إِنْسَانٍ مُفْرَدٍ قُوَّةٌ نَاطِقَةٌ فَرْدِيَّةٌ، بَلْ كُلُّ مَا قَدْ يَثْبُتُ لَهُ إِنَّمَا هُوَ قُوَّةٌ نَفْسِيَّةٌ حَيَوَانِيَّةٌ ذَاتُ اِسْتِعْدَادٍ لِأَنْ تَنْطَوِيَ عَلَى مَعْقُولاَتٍ بِاُلْقُوَّةِ. وَهَذِهِ اُلْقُوَّةُ لَمَّا كَانَتْ بَدَنِيَّةً، فَإِنَّهَا تَفْنَى بِبَوَارِ اُلْبَدَنِ، وَلَنْ يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِ اُلإِنْسَانِ بِعَيْنِهِ مِنْ حَقِيقَتِهِ شَيْءٌ سِوَى اُلْعَقْلِ اُلْفَعَّالِ اُلَّذِي هُوَ عَقْلٌ مُفَارِقٌ غَيْرُ شَخْصِيٍّ، أَزَلِيُّ اُلْوُجُودِ.

   وَبَيِّنٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا اُلتَّفْسِيرِ إِنَّمَا فِيهِ نَفْيٌ لِبَقَاءِ اُلنُّفُوسِ اُلْفَرْدِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَأَنْتَ عَلِيمٌ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ضَرَرٍ كَبِيرٍ عَلَى اُلدِّينِ وَاُلْخُلُقِ وَاُلنَّاسِ. لِأَجْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ اُلقِدِّيسَ تُومَا اُلإِكْوِينِيِّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 1273 مِنَ اُلْمِيلاَدِ، الَّذِي جَاءَ بَعْدَ اِبْنِ رُشْدٍ بِزَمَانٍ يَسِيرٍ مَا اُنْفَكَّ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ كَشَرْحِهِ لِكَتَابِ اُلنَّفْسِ لِأَرَسْطُو، يُورِدُ اُلطُّعُونَ وَاُلنُّقُوضَ عَلَى هَذَا اُلتَّأْوِيلِ، وَيُؤَكِّدُ بِأَنَّ اُلْمَقْصُودَ اُلْحَقَّ مِنْ كَلاَمِ أَرُسْطُو أَنَّ اُلْعَقْلَ اُلْهَيُولاَنِيَّ إِنَّمَا هُوَ جَوْهَرٌ وَجُزْءٌُ مِنَ اُلنَّفْسِ اُلإِنْسَانِيَّةِ حَقًّا، وَأَنَّهُ وَ اُلْعَقْلَ اُلْفَعَّالَ إِنَّمَا هُمَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لاَ يَخْتَلِفَانِ إِلاَّ بِاُلْجِهَةِ.

كَلاَمٌ رَابِعٌ فِي مَذْهَبِ اِبْنِ سِينَا فِي اُلنَّفْسِ اُلإِنْسَانِيَّةِ

   أَمَّا اُلشَّيْخُ اُلرَّئِيسُ أَبُو عَلِي اِبْنُ سِينَا اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 428 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فَقَدْ خَالَفَ أَفْلاَطُنْ فِي أَنْ تَكُونَ اُلنَّفْسُ اُلنَّاطِقَةُ اُلشَّخْصِيَّةُ لَهَا وُجُودٌ سَابِقٌ عَلَى وُجُودِ اُلْبَدَنِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ اِقْتِرَانُهَا بِأَيِّ بَدَنٍ كَانَ حَتَّى لَوْ كَانَ بَدَنَ بَهِيمَةٍ. بَلِ اُلنَّفْسُ هِيَ حَادِثَةٌ، وَلاَ تَحْدُثُ إِلاَّ كُلَّمَا حَدَثَ اُلْبَدَنُ اُلصَّالِحُ لِاسْتِعْمَالِهَا إِيَّاهُ. وَهْيَ قَبْلَ دُخُولِهَا اُلْبَدَنَ لاَ تَكُونُ كُلِّيَّةً، ثُمَّ تَصِيرُ مُتَشَخِّصَةً بِسُكْنَاهَا فِيهِ، بَلْ إِنَّهَا لَذَاتُ هَيْئَاتٍ وَخَوَاصٍّ مِنْ أَجْلِهَا إِنَّمَا يَكُونُ اِخْتِصَاصُهَا بِبَدَنٍ مَا دُونَ غَيْرِهِ. وَأَيْضًا فَهَذِهِ اُلنَّفْسُ اُلْفَرْدِيَّةُ لاَ تَمُوتُ بِمَوْتِ اُلْبَدَنِ، وَهْيَ غَيْرُ فَانِيَةٍ أَصْلاً بِفَنَائِهِ.

12) [وَلَهَا إِمْكَانٌ قَبْلَ حُدُوثِهَا]، إِنَّ اِبْنَ سِينَا بِعَيْنِهِ هُوَ مِمَّنْ أَتَى بِاُلدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ اُلْحَادِثَ قَبْلَ حُدُوثِهِ هُوَ مُمْكِنٌ، وَاُلإِمْكَانُ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ يَسْتَدْعِي مَوْضُوعًا يَحُلُّ بِهِ، وَاُلْمَوْضُوعُ ذُو اُلإِمْكَانِ إِنَّمَا هُوَ اُلْمَادَّةُ الَّتِي هِيَ وُجُودُ ذَلِكَ اُلْحَادِثِ بِاُلْقُوَّةِ. فَلَزِمَ أَنَّ اُلْمَادَّةَ سَابِقَةٌ لِلْحَادِثِ ضَرُورَةً. وَمَا يَكُونُ كَمَالاً لِشَيْءٍ هُوَ وُجُودُهُ بِاُلْقُوَّةِ قَبْلَ حُصُولِهِ بِاُلْفِعْلِ، مِثْلَ أَنَّ صُورَةَ اُلْبَابِ هِيَ كَمَالٌ لِلْخَشَبِ اُلَّذِي هُوَ قَبْلَ حُصُولِ تِلْكَ اُلصُّورَةِ فِيهِ، كَانَ بَابًا بِاُلْقُوَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ اُلْكَمَالَ، أَوْ تِلْكَ اُلصُّورَةَ إِنَّمَا تَكُونُ مُنْطَبِعَةً فِي مَادَّةٍ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ فَسَادَهَا هُوَ تَابِعٌ قَطْعًا، لِفَسَادِ اُلْمَادَّةِ اُلْمُنْطَبِعَةِ فِيهَا. لَكِنَّ مَا لاَ يَكُونُ مُنْطَبِعًا فِي مَادَّةٍ، أَعْنِي مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي مَادَّةٍ هَلْ يَكُونُ حَادِثًا أَمْ لاَ. فَاُبْنُ سِينَا إِنَّمَا يَقُولُ مَعًا بِحُدُوثِ اُلنَّفْسِ اُلنَّاطِقَةِ، وَيُبَرْهِنُ بِأَدِلَّةٍ شَتَّى عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْطَبِعَةً فِي مَادَّةٍ، وَلاَ هِيَ مُحْتَاجَةٌ أَصْلاً لِأَيِّ آلَةٍ جِسْمَانِيَّةٍ فِي أَفْعَالِهَا اُلْخَاصَّةِ. إِذَنْ فَاُلنَّفْسُ إِذْ هِيَ حَادِثَةٌ، فَلَهَا إِمْكَانٌ قَبْلَ حُدُوثِهَا لاَ مَحَالَةَ.

13) [وَلَيْسَ لَهَا ذَاتٌ وَلاَ مَادَّةٌ، فَإِمْكَانُهَا وَصْفٌ إِضَافِيٌّ]، وَهْيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي مَادَّةٍ، لِذَلِكَ فَاُلْمَادَّةُ لَيْسَتْ بِذَاتِيَّةٍ لَهَا، وَإِذْ لَمْ تَكُنْ ذَاتِيَّةً، اِمْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ اُلنَّفْسُ كَمَالاً لِمَادَّةٍ هِيَ قُوَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى ذَلِكَ اُلْكَمَالِ. إِذَنْ فَإِمْكَانُ اُلنَّفْسِ قَبْلَ حُدُوثِهَا، إِذْ هُوَ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ يَسْتَدْعِي مَوْضُوعًا كَمَا تَقُولُونَ، لاَ يُمْكِنُ هَاهُنَا أَنْ يُلْحَقَ بِمَادَّةٍ سَابِقَةٍ، عَلَى مَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُكُمْ.

14) [وَلاَ يَرْجِعُ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ وَإِلَى اُلْفَاعِلِ، فَإِلَى مَاذَا يَرْجِعُ]، وَاُلْوُجُوهُ اُلْبَاقِيَةُ هِيَ مَمْنُوعَةٌ عِنْدَكُمْ. إِذَنْ فَإِنْ كَانَ اُلإِمْكَانُ اُلسَّابِقُ عَلَى اُلْحَادِثِ يَسْتَدْعِي مَوْضُوعًا اِضْطِرَارًا، وَلَيْسَ يُمْكِنُكُمْ فِي أَمْرِ اُلنَّفْسِ اُلْقَائِلِينِ بِحُدُوثِهَا أَنْ تُلْحِقُوهُ بِمَادَّةٍ سَابِقَةٍ، فَإِلَى مَاذَا يَرْجِعُ لَيْتَ شِعْرِي.

15) [فَيَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا اُلإِشْكَالُ]، يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الاِسْتِدْلاَلَ الَّذِي رُمْتُمْ بِهِ أَنْ تُلْزِمُونَا بِضَرُورَةِ وُجُودِ مَادَّةٍ قَبْلَ اُلْحَادِثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اُلإِمْكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَوْضُوعٍ، فَهْوَ بِعَيْنِهِ إِنَّمَا يُبْطِلُ عَلَيْكُمْ مَا قَدْ أَثْبَتْمُوهُ فِي أَمْرِ اُلنَّفْسِ مِنْ أَنَّهَا مَعًا حَادِثَةٌ، وَغَيْرُ مُنْطَبِعَةٍ فِي مَادَّةٍ.

-III قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “فَإِنْ قِيلَ رَدُّ اُلإِمْكَانِ إِلَى قَضَاءِ اُلْعَقْلِ مُحَالٌ إِذْ لاَ مَعْنَى لِقَضَاءِ اُلْعَقْلِ إِلاَّ اُلْعِلْمُ بِاُلإِمْكَانِ، فَاُلإِمْكَانُ مَعْلُومٌ وَهْوَ غَيْرُ اُلْعِلْمِ1، بَلِ اُلْعِلْمُ يُحِيطُ بِهِ وَيَتْبَعُهُ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَاُلْعِلْمُ لَوْ قُدِّرَ عَدَمُهُ لَمْ يَنْعَدِمِ اُلْمَعْلُومُ، وَاُلْمَعْلُومُ إِذَا قُدِّرَ اِنْتِفَاؤُهُ اِنْتَفَى اُلْعِلْمُ، فَاُلْعِلْمُ وَاُلْمَعْلُومُ أَمْرَانِ اِثْنَانِ أَحَدُهُمَا تَابِعٌ وَاُلآخَرُ مَتْبُوعٌ، وَلَوْ قَدَّرْنَا إِعْرَاضَ اُلْعُقَلاَءِ عَنْ تَقْدِيرِ اُلإِمْكَانِ وَغَفْلَتَهُمْ عَنْهُ، لَكُنَّا نَقُولُ لاَ يَرْتَفِعُ اُلإِمْكَانُ، بَلِ اُلْمُمْكِنَاتُ فِي أَنْفُسِهَا مُمْكِنَاتٌ فِي أَنْفُسِهَا، وَلَكِنَّ اُلْعُقُولَ غَفَلَتْ عَنْهَا، وَلَوْ عَدِمَتِ اُلْعُقُولُ وَاُلْعُقَلاَءُ لَبَقِي اُلإِمْكَانُ لاَ مَحَالَةَ2.

   وَأَمَّا اُلأُمُورُ اُلثَّلاَثَةُ فَلاَ حُجَّةَ فِيهَا، فَإِنَّ اُلاِمْتِنَاعَ أَيْضًا وَصْفٌ إِضَافِيٌّ يَسْتَدْعِي مَوْجُودًا يُضَافُ إِلَيْهِ، وَمَعْنَى اُلْمُمْتَنِعِ اُلْجَمْعُ بَيْنَ اُلضِّدَّيْنِ، فَإِذَا كَانَ اُلْمَحَلُّ أَبْيَضَ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ أَنْ يَسْوَدَّ مَعَ وُجُودِ اُلْبَيَاضِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ مَوْضُوعٍ يُشَارُ إِلَيْهِ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقَالُ ضِدُّهُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ اُلاِمْتِنَاعُ وَصْفًا إِضَافِيًّا قَائِمًا بِمَوْضُوعٍ مُضَافًا إِلَيْهِ3. وَأَمَّا اُلْوُجُوبُ فَلاَ يَخْفَى أَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى اُلْمَوْجُودِ اُلْوَاجِبِ4.

   وَأَمَّا اُلثَّانِي وَهْوَ كَوْنُ اُلسَّوَادِ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنًا فَغَلَطٌ5، فَإِنَّهُ إِنْ أُخِذَ مُجَرَّدًا دُونَ مَحَلٍّ يَحُلُّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا لاَ مُمْكِنًا6، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُمْكِنًا إِذَا قُدِّرَ هَيْئَةً فِي جِسْمٍ، فَاُلْجِسْمُ مُهَيَّأٌ لِتَبَدُّلِ هَيْئَةً، وَاُلتَّبَدُّلُ مُمْكِنٌ عَلَى اُلْجِسْمِ وَإِلاَّ فَلَيْسَ لِلسَّوَادِ نَفْسٌ مُفْرَدَةٌ حَتَّى تُوصَفَ بِاُلإِمْكَانِ7.

   وَأَمَّا اُلثَّالِثُ وَهْوَ اُلنَّفْسُ فَهْيَ قَدِيمَةٌ عِنْدَ فَرِيقٍ، وَلَكِنْ مُمْكِنٌ لَهَا اُلتَّعَلُّقُ بِاُلأَبْدَانِ، فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَى هَذَا مَا قُلْتُمْ8. وَمَنَ سَلَّمَ حُدُوثَهَا، فَقَدِ اِعْتَقَدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ أَنَّهَا مُنْطَبِعَةٌ فِي اُلْمَادَّةِ تَابِعَةٌ لِلْمِزَاجِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلاَمُ جَالِينُوسْ فِي بَعْضِ اُلْمَوَاضِعِ، فَتَكُونُ فِي مَادَّةٍ، وَإِمْكَانُهَا مُضَافٌ إِلَى مَادَّتِهَا9، وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ سَلَّمَ أَنَّهَا حَادِثَةٌ وَلَيْسَتْ مُنْطَبِعَةً، فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلْمَادَّةَ مُمْكِنٌ لَهَا أَنْ تُدَبِّرَهَا نَفْسٌ نَاطِقَةٌ، فَيَكُونُ اُلإِمْكَانُ اُلسَّابِقُ عَلَى اُلْحُدُوثِ مُضَافًا إِلَى اُلْمَادَّةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَنْطَبِعْ فِيهَا فَلَهَا عَلاَقَةٌ مَعَهَا، إِذْ هِيَ اُلْمُدَبِّرَةُ اُلْمُسْتَعْمِلَةُ لَهَا، فَيَكُونُ اُلإِمْكَانُ رَاجِعًا إِلَيْهَا بِهَذَا اُلطَّرِيقِ10.”

شَرْحٌ -III-

1) [فَإِنْ قِيلَ رَدُّ اُلإِمْكَانِ… وَهْوَ غَيْرُ اُلْعِلْمِ]، وَقَدْ تَرُدُّ اُلْفَلاَسِفَةُ أَوَّلاً عَلَى اُلْحَلِّ اُلَّذِي كَانَ مِنْ قِبَلِنَا، وَهُوَ أَنَّ اُلإِمْكَانَ هُوَ نَفْسُ حُكْمِ اُلْعَقْلِ، فَغَيْرُ وَاجِبٍ إِذًا أَنْ يُثْبَتَ لَهُ مَوْضُوعٌ لِيُضَافَ إِلَيْهِ، بِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ. لِأَنَّ حُكْمَ اُلْعَقْلِ بِاُلشَّيْءِ إِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ بِهِ. كَذَلِكَ فَقَضَاءُ اُلْعَقْلِ بِاُلإِمْكَانِ هُوَ عِلْمٌ بِاُلإِمْكَانِ. لَكِنَّ اُلْعِلْمَ هُوَ كَيْفِيَّةٌ فِي اُلنَّفْسِ تَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ اُلْمَوْصُوفِيَّةُ بِاُلْعِلْمِ مُتَعَلَّقًا تُقَالُ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْهِ، وَهُوَ اُلْمَعْلُومُ. إِذْ كُلُّ عِلْمٍ عِلْمٌ بِمَعْلُومٍ. كَذَلِكَ فَحُكْمُ اُلْعَقْلِ بِاُلإِمْكَانِ إِذْ هُوَ عِلْمٌ بِاُلإِمْكَانِ، فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُتَعَلَّقٍ، وَهُوَ نَفْسُ اُلإِمْكَانِ. وَإِذْ أَنَّ اُلإِضَافَةَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ طَرَفٍ وَاحِدٍ وَنَفْسِهِ، بَلْ بَيْنَ طَرَفَيْنِ اِثْنَيْنِ أَبَدًا، لَزِمَ ضَرُورَةً أَنْ يَكُونَ اُلإِمْكَانُ اُلْمَعْلُومُ هُوَ غَيْرَ اُلْعِلْمِ.

2) [بَلِ اُلْعِلْمُ يُحِيطُ بِهِ… وَاُلْعُقَلاَءُ لَبَقِي اُلإِمْكَانُ لاَ مَحَالَةَ]، وَاُلْعِلْمُ هُوَ صُورَةٌ ذِهْنِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى اُلشَّيْءِ كَمَا هُوَ، وَهَذَا اُلشَّيْءُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَدْلُولُ اُلْعِلْمِ يُقَالُ لَهُ مَعْلُومٌ. وَقَدْ نُمَثِّلُ لِذَلِكَ بِصُورَةِ زَيْدٍ اُلْمُرْتَسِمَةِ فِي اُلْمِرْآةِ. فَبَيِّنٌ أَنَّ هَذِهِ اُلصُّورَةَ بِعَيْنِهَا إِنَّمَا هِيَ غَيْرُ زَيْدٍ اُلْمَوْجُودِ فِي اُلأَعْيَانِ، وَأَنَّ مَا فِيهَا إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِمَا فِي زَيْدٍ. وَلَوْ قَدَّرْنَا عَدَمَ اُلصُّورَةِ لَمْ يَنْعَدِمْ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ إِذَا قُدِّرَ اِنْتِفَاؤُهُ اِنْتَفَتِ اُلصُّورَةُ. كَذَلِكَ فَاُلْعِلْمُ لَوْ قُدِّرَ عَدَمُهُ لَمْ يَنْعَدِمِ اُلْمَعْلُومُ، وَاُلْمَعْلُومُ إِذَا قُدِّرَ اِنْتِفَاؤُهُ اِنْتَفَى اُلْعِلْمُ. فَوَجَبَ إِذًا أَنَّ اُلْعِلْمَ وَاُلْمَعْلُومَ أَمْرَانِ اِثْنَانِ. كَذَلِكَ فَلَوْ فَرَضْنَا غَفْلَةَ اُلْعُقَلاَءِ جَمِيعًا عَنْ تَقْدِيرِ اُلإِمْكَانِ، أَعْنِي لَوْ فَرَضْنَا اِرْتِفَاعَ اُلشُّعُورِ بِاُلإِمْكَانِ أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّا لَنْ نَسْتَطِيعَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ نُقَدِّرَ خُلُوَّ اُلأُمُورِ اُلْمُمْكِنَةِ فِي أَنْفُسِهَا مِنَ اُلإِمْكَانِ. فَهُوَ إِذَنْ مَعْنًى ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ كُلِّ ذِهْنٍ مِنَ اُلأَذْهَانِ.

3) [وَأَمَّا اُلأُمُورُ اُلثَّلاَثَةُ فَلاَ حُجَّةَ فِيهَا… وَصْفًا إِضَافِيًّا قَائِمًا بِمَوْضُوعٍ مُضَافًا إِلَيْهِ]، ثُمَّ هَذِهِ أَجْوِبَةُ اُلْفَلاَسِفَةِ عَلَى نُقُوضِ اُلْغَزَالِيِّ اُلثَّلاَثَةِ اُلَّتِي أَوَّلُهَا قَوْلُهُ إِنَّ اُلْمَوْصُوفَ بِاُلاِمْتِنَاعِ لاَ ذَاتَ لَهُ مَوْجُودَةً. كَذَلِكَ فَاُلإِمْكَانُ لاَ يَسْتَدْعِي مَوْضُوعًا لِيُضَافَ إِلَيْهِ. وَاُلْجَوَابُ إِنَّا إِذَا دَقَّقْنَا فِي مَعْنَى اُلْمُمْتَنِعِ ظَهَرَ أَنَّهُ كُلُّ جَمْعٍ بَيْنَ اُلضِّدَّيْنِ. وَإِذَا شَرَحْنَا مَعْنَى اُلْجَمْعِ بَيْنَ اُلضِّدَّيْنِ ظَهَرَ أَنَّهُ كُلُّ صِفَةٍ يُوصَفُ بِهَا شَيْءٌ هُوَ مَوْصُوفٌ بِضِدِّهَا. مِثَالُ ذَلِكَ اُلسَّوَادُ اُلْمَوْصُوفُ بِهِ اُلْمَحَلُّ اُلأَبْيَضُ مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ اُلضِّدَّيْنِ. إِذًا فَلاَ بُدَّ أَيْضًا فِي اُلْمُمْتَنِعِ مِنْ مَوْضُوعٍ مَوْصُوفٍ بِضِدِّ اُلصِّفَةِ حَتَّى يُضَافَ إِلَيْهِ اِمْتِنَاعُ وُجُودِ اُلصِّفَةِ فِيهِ. كَامْتِنَاعِ اُلسَّوَادِ، فَهُوَ مُضَافٌ إِلَى اُلْمَحَلِّ اُلأَبْيَضِ اُلْمَوْجُودِ.

4) [وَأَمَّا اُلْوُجُوبُ فَلاَ يَخْفَى أَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى اُلْمَوْجُودِ اُلْوَاجِبِ]، وَظَاهِرٌ أَنَّ اُلْوُجُوبَ مُضَافٌ أَيْضًا إِلَى اُلْمَوْجُودِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اُلْوَاجِبَ اُلْوُجُودِ هُوَ دَائِمًا مَوْجُودٌ. فَلَوْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ وُجُودٍ، لَصَحَّ مِنْ وَاجِبِ اُلْوُجُودِ عَدَمُ وُجُودٍ. هَذَا خَلْفٌ.

5) [وَأَمَّا اُلثَّانِي وَهْوَ كَوْنُ اُلسَّوَادِ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنًا فَغَلَطٌ]، وَاُلْجَوَابُ عَلَى اُلاِعْتِرَاضِ اُلثَّانِي بِأَنَّ اُلسَّوَادَ فِي نَفْسِهِ إِذَا قَاسَهُ اُلْعَقْلُ إِلَى وُجُودِهِ قَضَى فِيهِ بِاُلإِمْكَانِ، فَغَلَطٌ، لِأَنَّ اُلسَّوَادَ عَرَضٌ، وَاُلْعَرَضُ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ فِي مَوْضُوعٍ، أَيْ أَنَّ قِوَامَ وُجُودِ اُلسَّوَادِ هُوَ وُجُودُهُ فِي مَوْضُوعٍ، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ إِلاَّ إِذَا وُجِدَ اُلْمَوْضُوعُ.

6) [فَإِنَّهُ إِنْ أُخِذَ… كَانَ مُمْتَنِعًا لاَ مُمْكِنًا]، لِذَلِكَ فَلَوْ أُخِذَ اُلسَّوَادُ فِي نَفْسِهِ بِشَرْطِ اُلتَّجَرُّدِ مِنَ اُلْمَوْضُوعِ، صَارَ مُمْتَنِعًا لاَ مُمْكِنًا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فِي مَعْنَى اُلْحُكْمِ بِأَنَّ مَا حَقِيقَتُهُ أَنْ يُوجَدَ فِي مَوْضُوعٍ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ لاَ فِي مَوْضُوعٍ. وَهَذَا مُحَالٌ.

7) [وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُمْكِنًا إِذَا… حَتَّى تُوصَفَ بِاُلإِمْكَانِ]، إِذَنْ فَاُلْحُكْمُ عَلَى اُلسَّوَادِ بِاُلإِمْكَانِ إِنَّمَا يَكُونُ صَحِيحًا إِذَا جَاءَ عَلَى هَذِهِ اُلصُّورَةِ، وَهِيَ أَنَّ اُلْجِسْمَ اُلَّذِي لَهُ اُلْبَيَاضُ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ لَهُ اُلسَّوَادُ. فَظَهَرَ أَنَّ إِمْكَانَ اُلسَّوَادِ إِنَّمَا هُوَ إِمْكَانٌ مُضَافٌ إِلَى جِسْمٍ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى وُجُودِ اُلسَّوَادِ. أَمَّا اُلسَّوَادُ فِي نَفْسِهِ فَلاَ ذَاتَ لَهُ أَصْلاً. فَيُنْفَى عَنْهُ اُلإِمْكَانُ بِانْتِفَاءِ اُلْمَوْضُوعِ.

8) [وَأَمَّا اُلثَّالِثُ وَهْوَ اُلنَّفْسُ… عَلَى هَذَا مَا قُلْتُمْ]، وَاُلْجَوَابُ عَلَى اُلاِعْتِرَاضِ اُلثَّالِثِ أَنَّ اُلنَّفْسَ اُلإِنْسَانِيَّةَ لِمَنْ قَالَ بِقِدَمِهَا، كَأَفْلاَطُنْ، فَلَيْسَ لَهَا اُلإِمْكَانُ اُلسَّابِقُ عَلَى وُجُودِهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ حَادِثَةٍ. لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ قَدْ يَحْدُثُ لَهَا اُلْوُجُودُ مَعَ اُلْبَدَنِ، فَهُنَاكَ إِذًا إِمْكَانُ اُلتَّعَلُّقِ بِهِ يُضَافُ إِلَى اُلْبَدَنِ قَبْلَ دُخُولِهَا فِيهِ.

9) [وَمَنَ سَلَّمَ حُدُوثَهَا… وَإِمْكَانُهَا مُضَافٌ إِلَى مَادَّتِهَا]، أَمَّا إِنْ أُخِذَتْ بِأَنَّهَا حَادِثَةٌ، فَقَدْ يَكُونُ عَلَى أَحَدِ اُلْمَذْهَبَيْنِ، إِمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا صُورَةٌ مُنْطَبِعَةٌ فِي مَادَّةٍ تَابِعَةٌ لِلْمِزَاجِ، كَجَالِينُوسْ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 201 مِنَ اُلْمِيلاَدِ، فِي كِتَابِهِ “فِي أَنَّ قُوَى اُلنَّفْسِ تَابِعَةٌ لِمِزَاجِ اُلْبَدَنِ” مِنْ نَقْلِ حُبْيشِ بْنِ اُلْحَسَنِ، فَاُلنَّفْسُ إِذَنْ لَهَا إِمْكَانٌ سَابِقٌ يُضَافُ إِلَى اُلْمَادَّةِ.

10) [وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ سَلَّمَ أَنَّهَا حَادِثَةٌ… رَاجِعًا إِلَيْهَا بِهَذَا اُلطَّرِيقِ]، وَإِمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ غَيْرُ مُنْطَبِعَةٍ فِي مَادَّةٍ أَصْلاً، كَابْنِ سِينَا، لَكِنَّهَا تَحْدُثُ لِحُدُوثِ اُلْبَدَنِ اُلْمَخْصُوصِ اُلْمُهَيَّءِ لِأَنْ تَكُونَ هِيَ بِعَيْنِهَا اُلْمُدَبِّرَةَ لَهُ اُلسَّائِسَةَ إِيَّاهُ، فَبَيِّنٌ أَنَّ هَذِهِ اُلنَّفْسَ اُلْحَادِثَةَ قَدْ سَبَقَهَا فِي اُلْبَدَنِ إِمْكَانُ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ عَلاَقَةٍ مَا بِهِ، لاَ كَعَلاَقَةِ اُلصُّورَةِ اُلْهَيُولاَنِيَّةِ اُلْمَوْجُودَةِ فِي اُلْمَادَّةِ، بَلْ كَعَلاَقَةِ اُلصُّورَةِ اُلْمَوْجُودَةِ مَعَ اُلْمَادَّةِ بِغَايَةِ اُلتَّدْبِيرِ وَنُزُولِ اُلْمَادَّةِ مِنْهَا مَنْزِلَةَ اُلآلَةِ فَقَطْ فِي جُزْئَيْهَا اُلنَّبَاتِيِّ وَاُلْحَيَوَانِيِّ. فَهَاهُنَا أَيْضًا لاَ بُدَّ مِنْ مَوْضُوعٍ لِلْإِمْكَانِ قَبْلَ حُدُوثِ اُلنَّفْسِ فِي اُلْبَدَنِ.

-IV قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “وَاُلْجَوَابُ أَنَّ رَدَّ اُلإِمْكَانِ وَاُلْوُجُوبِ وَاُلاِمْتِنَاعِ إِلَى قَضَايَا عَقْلِيَّةٍ صَحِيحٌ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَضَاءِ اُلْعَقْلِ عِلْمُهُ، وَاُلْعِلْمُ يَسْتَدْعِي مَعْلُومًا1، فَنَقُولُ لَهُ مَعْلُومٌ كَمَا أَنَّ اُللَّوْنِيَّةَ وَاُلْحَيَوَانِيَّةَ وَسَائِرَ اُلْقَضَايَا اُلْكُلِّيَّةِ ثَابِتَةٌ فِي اُلْعَقْلِ عِنْدَهُمْ، وَهْيَ عُلُومٌ لاَ يُقَالُ لاَ مَعْلُومَ لَهَا، وَلَكِنْ وَلاَ وُجُودَ لِمَعْلُومَاتِهَا فِي اُلأَعْيَانِ حَتَّى صَرَّحَ اُلْفَلاَسِفَةُ بِأَنَّ اُلْكُلِّيَّاتِ مَوْجُودَةٌ فِي اُلأَذْهَانِ لاَ فِي اُلأَعْيَانِ، وَإِنَّمَا اُلْمَوْجُودُ فِي اُلأَعْيَانِ جُزْئِيَّاتٌ شَخْصِيَّةٌ وَهْيَ مَحْسُوسَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَلَكِنَّهَا سَبَبٌ لِأَنْ يَنْتَزِعَ اُلْعَقْلُ مِنْهَا قَضِيَّةً مُجَرَّدَةً عَنِ اُلْمَادَّةِ عَقْلِيَّةً2. فَإِذَنِ اُللَّوْنِيَّةُ مُفْرَدَةٌ فِي اُلْعَقْلِ سِوَى اُلسَّوَادِيَّةِ وَاُلْبَيَاضِيَّةِ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ فِي اُلْوُجُودِ لَوْنٌ لَيْسَ بِسَوَادٍ وَلاَ بَيَاضٍ وَلاَ غَيْرُهُ مِنَ اُلأَلْوَانِ، وَتَثْبُتُ فِي اُلْعَقْلِ صُورَةُ اُللَّوْنِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ3، وَيُقَالُ هِيَ صُورَةٌ وُجُودُهَا فِي اُلأَذْهَانِ لاَ فِي الأَعْيَانِ4، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ هَذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مَا ذَكَرْنَاهُ5.

  وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ قُدِّرَ عَدَمُ اُلْعُقَلاَءِ أَوْ غَفْلَتُهُمْ مَا كَانَ اُلإِمْكَانُ يَنْعَدِمُ، فَنَقُولُ وَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُهُمْ هَلْ كَانَتِ اُلْقَضَايَا اُلْكُلِّيَّةُ وَهْيَ اُلأَجْنَاسُ وَاُلأَنْوَاعُ تَنْعَدِمُ6. فَإِذَا قَالُوا نَعْمْ إِذْ لاَ مَعْنَى لَهَا إِلاَّ قَضِيَّةٌ فِي اُلْعُقُولِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي اُلإِمْكَانِ وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلْبَابَيْنِ7. وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا تَكُونُ بَاقِيَةً فِي عِلْمِ اُللهِ سُبْحَانَهُ، فَكَذَا اُلْقَوْلُ فِي اُلإِمْكَانِ، فَاُلإِلْزَامُ وَاقِعٌ، وَاُلْمَقْصُودُ إِظْهَارُ تَنَاقُضِ كَلاَمِهِمْ8.

   وَأَمَّا اُلْعُذْرُ عَنِ اُلاِمْتِنَاعِ بِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى اُلْمَادَّةِ اُلْمَوْصُوفَةِ بِاُلشَّيْءِ إِذْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ضِدُّهُ، فَلَيْسَ كُلُّ مُحَالٍ كَذَلِكَ، فَإِنَّ وُجُودَ شَرِيكِ اللهِ تَعَالَى مُحَالٌ، وَلَيْسَ ثَمَّتَ مَادَّةٌ يُضَافُ إِلَيْهَا اُلاِمْتِنَاعُ9. فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى اِسْتِحَالَةِ اُلشَّرِيكَ أَنَّ اِنْفِرَادَ اُللهِ تَعَالَى بِذَاتِهِ وَوُجُودِهِ وَاجِبٌ، وَاُلاِنْفِرَادُ مُضَافٌ إِلَيْهِ10، فَنَقُولُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى أَصْلِهِمْ، فَإِنَّ اُلْعَالَمَ مَوْجُودٌ مَعَهُ فَلَيْسَ مُنْفَرِدًا، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ اِنْفِرَادَهُ عَنِ اُلنَّظِيرِ وَاجِبٌ، وَنَقِيضُ اُلْوَاجِبِ مُمْتَنِعٌ وَهْوَ إِضَافَةٌ إِلَى اُللهِ11، قُلْنَا فَنَعْنِي أَنَّ اِنْفِرَادَ اُللهِ تَعَالَى عَنْهَا12 لَيْسَ كَانْفِرَادِهِ عَنِ اُلنَّظِيرِ، فَإِنَّ اِنْفِرَادَهُ عَنِ اُلنَّظِيرِ وَاجِبٌ وَاِنْفِرَادَهُ عَنِ اُلْمَخْلُوقَاتِ اُلْمُمْكِنَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ13، فَنَتَكَلَّفُ إِضَافَةَ اُلإِمْكَانِ إِلَيْهِ بِهَذِهِ اُلْحِيلَةِ كَمَا تَكَلَّفُوهُ فِي رَدِّ اُلاِمْتِنَاعِ إِلَى ذَاتِهِ بِقَلْبِ عِبَارَةِ اُلاِمْتِنَاعِ إِلَى اُلْوُجُوبِ ثُمَّ بِإِضَافَةِ اُلاِنْفِرَادِ إِلَيْهِ بِنَعْتِ اُلْوُجُوبِ14.

   وَأَمَّا اُلْعُذْرُ عَنِ اُلسَّوَادِ وَاُلْبَيَاضِ بِأَنَّهُ لاَ نَفْسَ لَهُ وَلاَ ذَاتَ مُنْفَرِدَةً إِنْ عَنَى بِذَلِكَ فِي اُلْوُجُودِ، فَنَعَمْ، وَإِنْ عَنَى بِذَلِكَ فِي اُلْعَقْلِ، فَلاَ، فَإِنَّ اُلْعَقْلَ يَعْقِلُ اُلسَّوَادَ اُلْكُلِّيَّ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِاُلإِمْكَانِ فِي ذَاتِهِ15.

   ثُمَّ إِنَّ اُلْعُذْرَ بَاطِلٌ بِاُلنُّفُوسِ اُلْحَادِثَةِ، فَإِنَّ لَهَا ذَوَاتًا مُفْرَدَةً وَإِمْكَانًا سَابِقًا عَلَى اُلْحُدُوثِ، وَلَيْسَ ثَمَّتَ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ16. وَقَوْلُهُمْ إِنَّ اُلْمَادَّةَ مُمْكِنٌ لَهَا أَنْ تُدَبِّرَهَا اُلنُّفُوسُ17، فَهَذِهِ إِضَافَاتٌ بَعِيدَةٌ18، فَإِنِ اِكْتَفَيْتُمْ بِهَذَا فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى إِمْكَانِ اُلْحَادِثِ أَنَّ اُلْقَادِرَ عَلَيْهِ يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُحْدِثَهُ، فَتَكُونُ إِضَافَةٌ إِلَى اُلْفَاعِلِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُنْطَبِعًا فِيهِ كَمَا أَنَّهُ إِضَافَةٌ إِلَى اُلْبَدَنِ اُلْمُنْفَعِلِ مَعَ أَنَّهُ لاَ تَنْطَبِعُ فِيهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلنِّسْبَةِ إِلَى اُلْفَاعِلِ وَاُلنِّسْبَةِ إِلَى اُلْمُنْفَعِلِ إِذَا لَمْ يَكُنِ اِنْطِبَاعٌ فِي اُلْمَوْضِعَيْنِ19.”

شَرْحٌ -IV-

1) [وَاُلْجَوَابُ أَنَّ رَدَّ اُلإِمْكَانِ … وَاُلْعِلْمُ يَسْتَدْعِي مَعْلُومًا]، إِنَّا مَا اخْتَرْنَاهُ مِنْ رَدِّ اُلإِمْكَانِ وَاُلْوُجُوبِ وَاُلاِمْتِنَاعِ إِلَى قَضَايَا عَقْلِيَّةٍ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِكُمْ إِنَّهَا مَعَانٍ قَائِمَةٌ بِمَوْضُوعٍ بِدَلِيلِ اُلنُّقُوضِ اُلَّتِي أَوْرَدْنَاهَا عَلَيْكُمْ. أَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي إِبْطَالِ هَذَا اُلْحَلِّ فَقَدْ بَنَيْتُمُوهُ عَلَى حُكْمٍ وَهُوَ أَنَّ اُلْعِلْمَ يَسْتَدْعِي مَعْلُومًا. فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عِلْمٌ هُوَ اُلْمَعْلُومَ، وَمَعْلُومٌ هُوَ اُلْعِلْمَ، بَطَلَتْ كُلِّيَّةُ اُلْحُكْمِ، فَلَمْ يَجِبْ إِذَنْ بُطْلاَنُ أَنَّ اُلْمَعَانِيَ اُلْمَذْكُورَةَ هِيَ مَرْدُودَةٌ إِلَى قَضَايَا عَقْلِيَّةٍ فَقَطْ. وَاُلدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اُلْعِلْمَ وَاُلْمَعْلُومَ قَدْ يَكُونَانِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ دَائِمًا اُلْعِلْمُ يَسْتَدْعِي مَعْلُومًا غَيْرَهُ، مَا تُثْبِتُونَهُ أَنْتَمْ أَنْفُسُكُمْ.

2) [فَنَقُولُ لَهُ مَعْلُومٌ كَمَا أَنَّ اُللَّوْنِيَّةَ وَاُلْحَيَوَانِيَّةَ… مِنْهَا قَضِيَّةً مُجَرَّدَةً عَنِ اُلْمَادَّةِ عَقْلِيَّةً]، وَهُوَ أَنَّ اُلصُّورَةَ اُلْمَوْجُودَةَ فِي اُلْعَقْلِ اُلْمُنْتَزَعَةَ بِاُلتَّجْرِيدِ مِنَ اُلْمَحْسُوسَاتِ اُلشَّخْصِيَّةِ، كَاُلإِنْسَانِيَّةِ اُلْمُنْتَزَعَةِ مِنْ أَشْخَاصِ اُلنَّاسِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، أَوِ اُلْحَيَوَانِيَّةِ اُلْمُنْتَزَعَةِ مِنْ أَشْخَاصِ اُلْحَيَوَانِ كَهَذَا اُلْفَرَسِ، وَهَذَا اُلأَسَدِ، لَهَا نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ جِهَةِ اُلْعَقْلِ إِلَى أَفْرَادِهَا اُلْمَوْجُودَةِ فِي اُلْخَارِجِ، لَكِنَّهَا فِي نَفْسِهَا هِيَ مَفْقُودَةٌ أَلْبَتَّةَ فِي اُلأَعْيَانِ، بَلْ وُجُودُهَا فِي اُلذِّهْنِ فَقَطْ. وَحَاجَةُ اُلصُّورَةِ اُلْعَقْلِيَّةِ لِلْخَارِجِ لَيْسَ فِي وُجُودِهَا بِعَيْنِهِ، بَلْ فِي أَنْ يَكُونَ لَهَا سَبَبٌ وَهُوَ اُلْجُزْئِيَّاتُ اُلْمَحْسُوسَةُ، لِيَنْتَزِعَ اُلْعَقْلُ اُلصُّورَةَ مِنْ اُلْمَادَّةِ، فَتَصِيرُ صُورَةً عَقْلِيَّةً، وَهِيَ قَبْلَ اُلاِنْتِزَاعِ لاَ ثُبُوتَ لَهَا فِي اُلأَعْيَانِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صُورَةٌ يُدْرِكُهَا اُلْعَقْلُ. إِذَنْ فَاُلْكُلِّيُّ عِنْدَكُمْ هُوَ مَعْلُومٌ، وَهُوَ أَيْضًا عِلْمٌ، لِأَنَّهُ صُورَةٌ فِي اُلْعَقْلِ فَقَطْ. وَاُلْعِلْمُ أَيْضًا إِنَّمَا هُوَ صُورَةٌ عَقْلِيَّةٌ. فَبَطَلَتْ عَلَى مَذْهَبِكُمْ، كُلِّيَّةُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ يَسْتَدْعِي مَعْلُومًا.

3) [فَإِذَنِ اُللَّوْنِيَّةُ مُفْرَدَةٌ فِي اُلْعَقْلِ… صُورَةُ اُللَّوْنِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ]، وَاُلدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اُلْكُلِّيَّ اُلْمَعْلُومَ هُوَ نَفْسُ اُلْعِلْمِ أَنَّ اُلْعَقْلَ إِنَّمَا يَعْقِلُ اُلْمَعَانِيَ اُلْجِنْسِيَّةَ، وَاُلْمَعَانِي اُلْجِنْسِيَّةُ مُبْهَمَةٌ، وَاُلْمُبْهَمُ لاَ ثُبُوتَ لَهُ فِي اُلْخَارِجِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبْهَمٌ. إِذَنْ فَاُلْكُلِّيُّ اُلْجِنْسِيُّ إِنَّمَا هُوَ نَفْسُ تَصَوُّرِ اُلْعَقْلِ لَهُ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّا قَدْ نَعْقِلُ اُللَّوْنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَوْنٌ. لَكِنْ فِي اُلْخَارِجِ لاَ يُوجَدُ لَوْنٌ مُجَرَّدًا مِنْ فُصُولِهِ، بَلِ اُلْمَوْجُودُ إِنَّمَا بَيَاضٌ أَوْ سَوَادٌ. وَقَوْلُ اُلْغَزَالِيِّ “وَتَثْبُتُ فِي اُلْعَقْلِ صُورَةُ اُللَّوْنِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ” مَعْنَاهُ أَنَّ مَعْنَى اُللَّوْنِ اُلْجِنْسِيِّ قَدْ يَثْبُتُ كَصُورَةٍ فِي اُلذِّهْنِ مَأْخُوذَةً مُجَرَّدَةً عَنْ فُصُولِهَا اُلْمُقَسِّمَةِ لِجِنْسِ اُللَّوْنِ، وَاُلْمُقَوِّمَةِ لِأَنْوَاعِهِ مِنْ بَيَاضٍ أَوْ سَوَادٍ.

4) [وَيُقَالُ هِيَ صُورَةٌ وُجُودُهَا فِي اُلأَذْهَانِ لاَ فِي الأَعْيَانِ]، وَإِذْ هَذِهِ اُلصُّورَةُ مَوْجُودَةٌ فِي اُلأَذْهَانِ لاَ فِي اُلأَعْيَانِ، فَقَدْ يَكُونُ اُلْعِلْمُ وَاُلْمَعْلُومُ شَيْئًا وَاحِدًا.

5) [فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ هَذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مَا ذَكَرْنَاهُ]، وَإِذْ جَازَ أَنْ يَكُونَ اُلْعِلْمُ وَاُلْمَعْلُومُ شَيْئًا وَاحِدًا، بَطَلَتْ كُلِّيَتُكُمْ. وَإِذَا بَطَلَتْ كُلِّيَتُكُمْ، لَمْ يَلْزَمْ بُطْلاَنُ اُلْحَلِّ بِأَنَّ اُلْمَعَانِيَ اُلْمَذْكُورَةَ مِنْ إِمْكَانٍ وَوُجُوبٍ وَاِمْتِنَاعٍ إِنَّمَا يُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى قَضَايَا اُلْعَقْلِ فَقَطْ.

   ثُمَّ لِتَعْلِمْ أَنَّ مِثَالَ اُلْغَزِالِيِّ عَلَى اُلْمَعْنَى اُلثَّابِتِ فِي اُلْعَقْلِ مُجَرَّدًا مِنْ فُصُولِهِ، أَعْنِي مِثَالَ اُللَّوْنِ، غَيْرُ صَوَابٍ. بَلِ اُلْحُكَمَاءُ أَنَّ اُللَّوْنَ هُوَ لَفْظٌ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى مَعْنَى زَائِدٍ عَلَى نَفْسِ اُلأَنْوَاعِ اُللَّوْنِيَّةِ مِنْ بَيَاضٍ وَسَوَادٍ، خِلاَفًا مَثَلاً لِجِنْسِ اُلْحَيَوَانِ. إِذْ أَنَّ اُلْعَقْلَ إِذَا جَرَّدَ فُصُولَ أَنْوَاعِهِ مِنْ أَسَدٍ وَفَرَسٍ، ثَبَتَ لَهُ مَعْنًى أَيْضًا بَاقٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ فِي اُلْخَارِجِ عَلَى هَذَا اُلشَّرْطِ، وَهُوَ مَعْنَى اُلْحِسِّ وَاُلْحَرَكَةِ بِذَاتِهِ.

6) [وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ قُدِّرَ عَدَمُ… وَهْيَ اُلأَجْنَاسُ وَاُلأَنْوَاعُ تَنْعَدِمُ]، وَقَدْ قُلْتُمْ أَيْضًا فِي نَقْضِ اُلْحَلِّ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُقَدِّرَ اِرْتِفَاعَ اُلإِمْكَانِ فِي نَفْسِهِ وَلَوْ قَدَّرْنَا عَدَمَ اُلْعُقُولِ جَمِيعًا وَغَفْلَتَهَا عَنْهَا. فَنَقْلِبُ عَلَيْكُمُ اُلْحُجَّةَ فِي أَمْرِ اُلْكُلِّيِّ مِنْ أَجْنَاسٍ وَأَنْوَاعٍ، وَنَسْأَلُكُمْ إِنْ كَانَتْ مُنْعَدِمَةً، لَوْ قَدَّرْنَا أَيْضًا عَدَمَ اُلْعُقُولِ جَمِيعًا.

7) [فَإِذَا قَالُوا نَعْمْ… وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلْبَابَيْنِ]، فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ، إِذْ نَفْسُ ثُبُوتِ اُلأَنْوَاعِ وَاُلأَجْنَاسِ هُوَ ثُبُوتُهَا صُورَةً فِي اُلْعَقْلِ، وَارْتِفَاعُ مَا تَقُومُ بِهِ يُوجِبُ اِرْتِفَاعَهَا اِضْطِرَارًا، كَاُلْبَيَاضِ فِي اُلْجِسْمِ، فَهُوَ بَاطِلٌ بِبُطْلاَنِ اُلْجِسْمِ. كَانَ هَذَا هُوَ جَوَابَنَا فِي اُلإِمْكَانِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلْكُلِّيِّ وَاُلإِمْكَانِ فِي أَنَّهُمَا قَضَايَا عَقْلِيَّةٌ فَقَطْ.

8) [وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا… إِظْهَارُ تَنَاقُضِ كَلاَمِهِمْ]، وَإِنْ قُلْتُمْ بَلِ اُلْكُلِّيَّاتُ تَكُونُ بَاقِيَةً فِي عِلْمِ اُللهِ، قُلْنَا مِثْلَهُ فِي اُلإِمْكَانِ. وَهَذَا مَا لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَمْنَعُوهُ مَتَى سَلَّمْتُمْ بِأَنَّ اُلْكُلِّيَّ قَائِمٌ بِعِلْمِ اُللهِ. فَإِذَا لَزِمَهُمْ أَنَّ اُلإِمْكَانَ مَوْجُودٌ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى، فَقَدْ لَزِمَهُمْ لاَ مَحَالَةَ نَقِيضُ دَعْوَاهُمْ بِأَنَّ اُلإِمْكَانَ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى اُلْمَادَّةِ اِضْطِرَارًا. وَقَوْلُ اُلْغَزَالِيِّ”فَاُلإِلْزَامُ وَاقِعٌ، وَاُلْمَقْصُودُ إِظْهَارُ تَنَاقُضِ كَلاَمِهِمْ” هُوَ جَوَابٌ لِسَائِلٍ مُتَوَهَّمٍ : إِنَّكَ يَا غَزَالِيُّ لِإِثْبَاتِ اُلإِمْكَانِ قَضِيَّةً عَقْلِيَّةً مَا جِئْتَ بِحُجَّةٍ بِحَسَبِ اُلأَمْرِ فِي نَفْْسِهِ، بَلِ اِقْتَصَرْتَ عَلَى حَصْرِ اُلْخَصْمِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ دَعْوَاهُ بِأَنَّ اُلإِمْكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَادَّةٍ يُضَافُ إِلَيْهَا، فَيَسُوغُ لَهُ حِينَئِذٍ اُلْقَوْلُ بِأَنَّهُ أَيْضًا هُوَ قَضِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلٌ نَقِيضُهُ مُنَافٍ لِمَا أَوْجَبَهُ هُوَ نَفْسُهُ، فِي أَمْرِ اُلْكُلِّيِّ مِنْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ ذِهْنِيٌّ فَقَطْ. وَإِمَّا أَنْ يَبْقَى عَلَى دَعْوَاهُ تِلْكَ، فَيَلْزَمُهُ لاَ مَحَالَةَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ اُلْكُلِّيَّ هُوَ قَائِمٌ أَيْضًا فِي اُلْمَحْسُوسِ، وَهَذَا مِمَّا لَيْسَ فِي مَذْهَبِهِ. وَتَنَاقُضُ اُلْخَصْمِ لاَ يَقُومُ دَلِيلاً عَلَى صِحَّةِ اُلدَّعْوَى فِي نَفْسِهَا. فَكَانَ هَذَا اُلْجَوَابُ بِاُلإِقْرَارِ عَلَى أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلاَّ إِظْهَارَ تَنَاقُضِ اُلْخَصْمِ لِإِظْهَارِ عَجْزِهِ، وَأَنَّهَ مَا قَصَدَ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَأْتِيَ بِحَلٍّ يُوَضِّحُ جَمِيعَ اُلشُّكُوكِ اُلْمُمْكِنَةِ. وَاُلَّذِي يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ جَوَابَ اُلْغَزِالِيِّ هَذَا مَا كَانَ إِلاَّ لِإِظْهَارِ تَنَاقُضِ اُلْخَصْمِ فَقَطْ، كَمَا هُوَ يَقُولُ، أَنَّهُ لَمَّا رَدَّتِ اُلْفَلاَسِفَةُ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّ اُلإِمْكَانَ هُوَ قَضِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فَقَطْ، بِأَنَّ اُلْعِلْمَ وَاُلْمَعْلُومَ اِثْنَانِ لاَ مَحَالَةَ، فَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ اُلْكُلِّيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ مِنْ حَيْثُ مَا يَزْعُمُونَهُ هُمْ أَنْفُسُهُمْ فِي أَمْرِ اُلْكُلِّيِّ. مَعَ أَنَّ اِعْتَقَادِ اُلْغَزَالِيِّ، بِحَسَبِ اُلأَمْرِ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ عَلَى مَا رَدَّتْ بِهِ اُلْفَلاَسِفَةُ بِعَيْنِهِ، أَعْنِي أَنَّ اُلْعِلْمَ غَيْرُ اُلْمَعْلُومِ لاَ مَحَالَةَ. قَالَ اُلإِمَامُ فِي اُلأَصْلِ اُلْعَاشِرِ مِنَ اُلرُّكْنِ اُلثَّانِي مِنَ اُلْفَصْلِ اُلثَّالِثِ مِنْ قَوَاعِدِ اُلْعَقَائِدِ مِنْ كِتَابِ اُلإِحْيَاءِ “… وَقَوْلُ اُلْقَائِلِ عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، كَقَوْلِهِ غَنِيٌّ بِلاَ مَالٍ، وَعِلْمٍ بِلاَ عَالِمٍ، وَعَالِمٍ بِلاَ مَعْلُومٍ. فَإِنَّ اُلْعِلْمَ وَاُلْمَعْلُومَ وَاُلْعَالِمَ مُتَلاَزِمَةٌ…وَلاَ يُتَصَوَّرُ قَتِيلٌ بِلاَ قَاتِلٍ وَلاَ قَتْلٍ، كَذَلِكَ لاَ يُتَصَوَّرُ عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، وَلاَ عِلْمٌ بِلاَ مَعْلُومٍ، وَلاَ مَعْلُومٌ بِلاَ عَالِمٍ.”

9) [وَأَمَّا اُلْعُذْرُ عَنِ اُلاِمْتِنَاعِ… مَادَّةٌ يُضَافُ إِلَيْهَا اُلاِمْتِنَاعُ]، وَاُلْجَوَابُ عَلَى رَدِّ اُلْفَلاَسِفَةِ عَلَى اُلنَّقْضِ اُلأَوَّلِ، وَهُوَ رَدُّهُمْ بِأَنَّ اُلاِمْتِنَاعَ أَيْضًا يَسْتَدْعِي مَوْضُوعًا، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ جَمْعٍ بَيْنَ اُلصِّفَةِ وَاُلْمَادَّةِ اُلْمَوْصُوفَةِ بِضِدِّهَا، بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُحَالٍ صُورَتُهُ كَذَلِكَ. مِثَالُ ذَلِكَ شَرِيكُ اُلْبَارِئِ مُحَالٌ، وَلاَ يُقَالُ إِنَّهُ صِفَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِاجْتِمَاعِ شَيْءٍ هُوَ مَوْصُوفٌ بِضِدِّهَا. إِذًا فَاُلاِمْتِنَاعُ ثَابِتٌ وَلاَ مَوْضُوعَ يُضَافُ إِلَيْهِ.

10) [فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى… وَاُلاِنْفِرَادُ مُضَافٌ إِلَيْهِ]، وَقَدْ يَحْتَالُونَ حَتَّى يُوجِبُوا لِلْاِمْتِنَاعِ مَوْضُوعًا مِنْ طَرِيقِ تَأْوِيلِ اُلاِمْتِنَاعِ بِقَوْلِهِمْ شَرِيكُ اُلْبَارِئِ مُحَالٌ، مَعْنَاهُ أَنَّ وَاجِبَ اُلْوُجُودِ وَاجِبُ اُلاِنْفِرَادِ بِذَاتِهِ وَوُجُودِهِ. وَاُلاِنْفِرَادُ مُضَافٌ إِلَى اُلْوَاجِبِ تَعَالَى. فَظَهَرَ أَنَّ اُلاِمْتِنَاعَ اُلْمُؤَوَّلَ مُحْتَاجٌ أَيْضًا إِلَى مَوْضُوعٍ.

11) [فَنَقُولُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ… وَهْوَ إِضَافَةٌ إِلَى اُللهِ]، وَإِذَا مَا اُعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِوَاجِبِ اُلاِنْفِرَادِ، لِأَنَّ اُلْعَالَمَ مَوْجُودٌ مَعَهُ، فَقَدْ يُجِيبُونَ بِأَنَّ اُلاِنْفِرَادَ اُلْوَاجِبَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ اُلنَّظِيرِ. إذًا فَنَقِيضُ ذَلِكَ هُوَ مُمْتَنِعٌ، وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى اُللهِ. أَعْنِي أَنَّ اُلاِمْتِنَاعَ هُوَ مُضَافٌ إِلَى وَاجِبِ اُلاِنْفِرَادِ عَنِ اُلنَّظِيرِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ اِنْفِرَادِهِ عَنْ ذَلِكِ.

12) [عَنْهَا]، ضَمِيرُ اُلْمُؤَنَّثِ عَائِدٌ إِلَى اُلْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعًا.

13) [لَيْسَ كَانْفِرَادِهِ عَنِ اُلنَّظِيرِ… غَيْرُ وَاجِبٍ]، وَكَمَا اِحْتَلْتُمْ هَاهُنَا حَتَّى يَكُونَ لِلْاِمْتِنَاعِ مَوْضُوعٌ يُضَافُ إِلَيْهِ هُوَ اُللهُ، دَفْعًا لِمَحْذُورِ جَوَازِ خُلُوِّ اُلإِمْكَانِ مِنْ مَادَّةٍ يَقُومُ بِهَا، فَاُرْضُوا مِنَّا كَذَلِكَ أَنْ نَحْتَالَ كَمَا اِحْتَلْتُمْ حَتَّى يَكُونَ مَوْضُوعُ اُلإِمْكَانِ إِنَّمَا هُوَ اُللهُ أَيْضًا دَفْعًا لِمَحْذُورِ وُجُوبِ أَنْ يَكُونَ لِلْإِمْكَانِ مَادَّةٌ لاَ مَحَالَةَ.

14) [فَنَتَكَلَّفُ إِضَافَةَ اُلإِمْكَانِ… بِنَعْتِ اُلْوُجُوبِ]، وَإِذْ أَنْتُمْ أَضَفْتُمُ اُلاِمْتِنَاعَ إِلَى اُلْبَارِئِ تَعَالَى مِنْ طَرِيقِ وَصْفِهِ بِوُجُوبِ اُلاِنْفِرَادِ عَنِ اُلنَّظِيرِ، فَنَحْنُ نُضِيفُ إِلَيْهِ اُلإِمْكَانَ مِنْ طَرِيقِ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبِ اُلاِنْفِرَادِ عَنِ اُلْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعًا، لِأَنَّ غَيْرَ اُلْوَاجِبِ مُمْكِنٌ. فَجَازَ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لِلْإِمْكَانِ مَوْضُوعٌ غَيْرُ اُلْمَادَّةِ، وَظَهَرَ أَنَّ نَعْتَ اُلاِنْفِرَادِ بِعَدَمِ اُلْوُجُوبِ يُوَلِّدُ اُلإِمْكَانَ، كَمَا أَنَّ نَعْتَهُ بِاُلْوُجُوبِ يُوَلِّدُ اُلاِمْتِنَاعَ، وَاُلْمَوْضُوعُ وَاحِدٌ لَيْسَ بِمَادَّةٍ أَصْلاً.

15) [وَأَمَّا اُلْعُذْرُ عَنِ اُلسَّوَادِ وَاُلْبَيَاضِ… عَلَيْهِ بِاُلإِمْكَانِ فِي ذَاتِهِ]، وَاُلْجَوَابُ عَلَى رَدِّ اُلْفَلاَسِفَةِ بِأَنَّ اُلسَّوَادَ مُجَرَّدًا عَنْ مَحَلِّهِ مُمْتَنِعٌ لاَ مُمْكِنٌ، فَهُوَ لَكَذَلِكَ إِذَا أُخِذَ بِشَرْطِ اُلْوُجُودِ. أَمَّا إِذَا أُخِذَ اُلسَّوَادُ كَمَاهِيَةٍ مُدْرَكَةٍ بِاُلْعَقْلِ لاَ بِشَرْطِ اُلْوُجُودِ، لاَحَظَ اُلْعَقْلُ أَنَّ نِسْبَتَهَا إِلَى اُلْوُجُودِ اُلْمُطْلَقِ نِسْبَةُ اُلإِمْكَانِ لاَ مَحَالَةَ.

16) [ثُمَّ إِنَّ اُلْعُذْرَ بَاطِلٌ… مَا يُضَافُ إِلَيْهِ]، وَاُلْجَوَابُ عَلَى رَدِّ اُلْفَلاَسِفَةِ عَلَى اُلنَّقْضِ اُلثَّالِثِ بِأَنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ لَيْسَ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِحُدُوثِ اُلنَّفْسِ، هُوَ أَنَّهُ مِنَ اُلْفَلاَسِفَةِ أَيْضًا مَنْ قَالَ بِحُدُوثِهَا كَابْنِ سِينَا. إِذَنْ فَهِيَ ذَاتٌ مُفْرَدَةٌ لَهَا إِمْكَانٌ سَابِقٌ عَلَى حُدُوثِهَا، وَلاَ مَادَّةَ يُضَافُ إِلَيْهَا.

17) [وَقَوْلُهُمْ إِنَّ اُلْمَادَّةَ مُمْكِنٌ لَهَا أَنْ تُدَبِّرَهَا اُلنُّفُوسُ]، وَقَدْ كَانَ اُلرَّدُّ عَلَى هَذَا اُلْجَوَابِ بَلِ اُلنَّفْسُ اُلْحَادِثَةُ كَذَلِكَ إِنَّمَا لَهَا ضَرْبٌ مِنَ اُلتَّعَلُّقِ بِاُلْمَادَّةِ، لَيْسَ هُوَ تَعَلُّقَ اُلْوُجُودِ فِيهَا، بَلْ تَعَلُّقُ اُلتَّدْبِيرِ فَقَطْ، خِلاَفًا لِلصُّورَةِ اُلْهَيُولاَنِيَّةِ.

18) [فَهَذِهِ إِضَافَاتٌ بَعِيدَةٌ]، فَأَجَابَ اُلْغَزَالِيُّ إِنَّ تَعَلُّقَ اُلنَّفْسِ اُلْحَادِثَةِ بِاُلْبَدَنِ بِاُلتَّدْبِيرِ هُوَ نِسْبَةٌ بَعِيدَةٌ غَيْرُ كَافِيَةٍ لِجَعْلِ اُلْبَدَنِ حَقًّا مَحَلاًّ لِقُوَّةِ اُلْوُجُودِ اُلسَّابِقَةِ عَلَى حُدُوثِ اُلنَّفْسِ.

19) [فَإِنِ اِكْتَفَيْتُمْ بِهَذَا فَلاَ… فِي اُلْمَوْضِعَيْنِ]، فَإِنْ أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ فِي اُلْبَدَنِ كِفَايَةً لِأَنْ يَكُونَ مَحَلاًّ لِإِمْكَانِ اُلنَّفْسِ، مَعَ وَهَنِ اُلنِّسْبَةِ، فَلَيْسَ لَكُمْ حِينَئِذٍ أَنْ تَحْتَجُّوا عَلَى قَائِلٍ قَدْ يَقُولُ إِنَّ مَعْنَى إِمْكَانِ اُلْحَادِثِ هُوَ نِسْبَةٌ إِلَى اُلْفَاعِلِ بِاُلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، إِذْ كَمَا لَيْسَ لِلْإِمْكَانِ اِنْطِبَاعٌ فِي اُلْفَاعِلِ، فَلَيْسَ لَهُ اِنْطِبَاعٌ فِي اُلْمُنْفَعِلِ، أَيِ اُلْبَدَنَ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلنِّسْبَةِ إِلَى اُلْفَاعِلِ وَبَيْنَ اُلنِّسْبَةِ إِلَى اُلْمُنْفَعِلِ. لِذَلِكَ فَرَدُّ اُلإِمْكَانِ إِلَى اُلثَّانِي لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إِلَى اُلأَوَّلِ.

-V قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ عَوَّلْتُمْ فِي جَمِيعِ اُلاِعْتِرَاضَاتِ عَلَى مُقَابَلَةِ اُلإِشْكَالاَتِ بِاُلإِشْكَالاَتِ وَلَمْ تَحُلُّوا مَا أَوْرَدُوهُ مِنَ اُلإِشْكَالاَتِ1. قُلْنَا اُلْمُعَارَضَةُ2 تُبَيِّنُ فَسَادَ اُلْكَلاَمِ لاَ مَحَالَةَ3 وَيَنْحَلُّ وَجْهُ اُلإِشْكَالِ فِي تَقْدِيرِ اُلْمُعَارَضَةِ وَاُلْمُطَالَبَةِ4، وَنَحْنُ لَمْ نَلْتَزِمْ فِي هَذَا اُلْكِتَابِ إِلاَّ تَكْدِيرَ مَذْهَبِهِمْ وَاُلتَّغْبِيرَ5 فِي وُجُوهِ أَدِلَّتِهِمْ بِمَا يَبِينُ تَهَافُتُهُمْ وَلَمْ نَتَطَرَّقْ لِلْذَبِّ عَنْ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ نَخْرُجْ لِذَلِكَ عَنْ مَقْصُودِ اُلْكِتَابِ وَلاَ نَسْتَقْصِي اُلْقَوْلَ فِي اُلأَدِلَّةِ اُلدَّالَّةِ عَلَى اُلْحُدُوثِ إِذْ غَرَضُنَا إِبْطَالُ دَعْوَاهُمْ مَعْرِفَةَ اُلْقِدَمِ، وَأَمَّا إِثْبَاتُ اُلْمَذْهَبِ اُلْحَقِّ فَسَنُصَنِّفُ فِيهِ كِتاَبًا بَعْدَ اُلْفَرَاغِ مِنْ هَذَا إِنْ سَاعَدَ اُلتَّوْفِيقُ إِنْ شَاءَ اُللهُ تَعَالَى، وَنُسَمِّيهِ “قَوَاعِدُ اُلْعَقَائِدِ”6، وَنَعْتَنِي فِيهِ بِاُلإِثْبَاتِ كَمَا اِعْتَنَيْنَا فِي هَذَا اُلْكِتَابِ بِاُلْهَدْمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

شَرْحٌ -V-

1) [فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ… أَوْرَدُوهُ مِنَ اُلإِشْكَالاَتِ]، وَصُورَةُ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ فِي هَذَا اُلدَّلِيلِ : فَاُعْلَمْ أَنَّ إِثْبَاتَ اُلْخَصْمِ هُوَ إِشْكَالٌ عِنْدَ خَصْمِهِ. وَاُلْفَلاَسِفَةُ قَدْ أَثْبَتَتْ أَنَّ اُلإِمْكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَادَّةٍ. فَهَذَا إِشْكَالٌ لِلْغَزَالِيِّ. فَلَوْ كَانَ قَدْ أَتَى بِبُرْهَانٍ صَحِيحٍ عَلَى مَذْهَبِهِ لَأَبْطَلَهُ إِبْطَالاً مُطْلَقًا غَنِيًّا عَنِ اُلسُّؤَالِ وَاُلْجَوَابِ. لَكِنَّهُ قَدْ قَابَلَ إِشْكَالَهُمْ بِإِثْبَاتٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ اُلإِمْكَانَ إِنَّمَا هُوَ قَضِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ. فَصَارَ هَذَا اُلإِثْبَاتُ إِشْكَالاً لِلْفَلاَسِفَةِ. وَمَا سَيَأْتِي بِهِ اُلْغَزَالِيُّ مِنْ بَيَانٍ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى جَوَابِ هَؤُلاَءِ. وَاُلدَّلِيلُ اُلْبُرْهَانِيُّ لاَ يَقِفُ اُلْبَتَّةَ عَلَى جَوَابِ اُلْغَيْرِ. فَمَثَلاً أُقْلِيدِسْ لَمْ يَقُلْ “إِنَّ اُلْمُثَلَّثَ زَوَايَاهُ مُعَادِلَةٌ لِقَائِمَتَيْنِ”، لِأَنَّ فُلاَنًا لَوْ أَنْكَرَهُ لَنَاقَضَ نَفْسَهُ. فَاُفْتَرَضَ عِنَادَ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي كَوْنِ اُلإِمْكَانِ حُكْمًا عَقْلِيًّا. فَقَابَلَ عِنَادَهُمْ بِأَنْ أَوْقَفَهُمْ عَلَى تَنَاقُضِهِمْ، إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلْكُلِّيِّ اُلْمُقِرِّينَ بِوُجُودِهِ اُلذِّهْنِيِّ فَقَطْ، وَبَيْنَ اُلإِمْكَانِ. فَبَانَ أَنَّ هَذِهِ اُلطَّرِيقَةَ لاَ يَقِينَ فِيهَا، وَأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مُقَابَلَةِ اُلإِشْكَالاَتِ بِاُلإِشْكَالاَتِ، لَيْسَ غَيْرُ.

2) [اُلْمُعَارَضَةُ]، لَقَدْ ذَكَرْنَا فِي اُلإِشَارَةِ اُلْخَامِسَةِ مِنَ اُلشَّرْحِ اُلسَّابِعِ فِي اُلدَّلِيلِ اُلرَّابِعِ أَنَّ اُلْمُعَارَضَةَ هِيَ إِتْيَانُ اُلْمُنَاظِرِ، أَوِ اُلسَّائِلِ، بِدَلِيلٍ يَلْزَمُ مِنْهُ نَقِيضُ مَطْلُوبِ اُلْخَصْمِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِدَلِيلِ اُلْخَصْمِ. مِثْلَ مَا فَعَلَ اُلْغَزَالِيُّ لَمَّا أَنْتَجَ أَنَّ اُلإِمْكَانَ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَى اُلْمَادَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ اُلإِمْكَانَ هُوَ شَبِيهٌ بِاُلْكُلِّيِّ، وَاُلْكُلِّيُّ مَوْجُودٌ فِي اُلذِّهْنِ فَقَطْ. إِذَنْ فَاُلإِمْكَانُ قَضِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ لاَ تَسْتَدْعِي مَوْضُوعًا. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ دَلِيلِ اُلْمُعَارِضِ أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اُلأَمْرِ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مُسْتَدِلاًّ مُبَرْهِنًا. بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ مَا هُوَ مُسَلَّمٌ عِنْدَ اُلْخَصْمِ، كَتَسْلِيمِ اُلْفَيْلَسُوفِ بِأَنَّ اُلْكُلِّيَّ مَوْجُودٌ فِي اُلذِّهْنِ فَقَطْ، أَوْ أَنَّ اُلإِمْكَانَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ اُلْكُلِّيِّ.

3) [تُبَيِّنُ فَسَادَ اُلْكَلاَمِ لاَ مَحَالَةَ]، لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقُصُودُ هَذَا أَنَّ اُلْمُعَارَضَةَ تُبَيِّنُ فَسَادَ اُلْمَذْهَبِ لاَ مَحَالَةَ. لِأَنَّ اُلدَّلِيلَ اُلْمُبَيِّنَ لِفَسَادِ مَذْهَبِ اُلْخَصْمِ فِي نَفْسِهِ، إِنَّمَا هُوَ بِعَيْنِهِ دَلِيلٌ بُرْهَانِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ اُلسَّائِلِ. لِأَنَّ اُلشَّيْءَ اُلْبَاطِلَ ضَرُورَةً، فَنَقِيضُهُ وَاجِبٌ ضَرُورَةً. بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ كَلاَمَ اُلْخَصْمِ مُتَنَاقِضٌ يَضْرِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَإِلاَّ لَمَا أَنْتَجَ دَلِيلٌ آخَرُ نَقِيضَ مَا أَنْتَجَهُ دَلِيلُهُ اُلأَوَّلُ.

4) [وَيَنْحَلُّ وَجْهُ اُلإِشْكَالِ فِي تَقْدِيرِ اُلْمُعَارَضَةِ وَاُلْمُطَالَبَةِ]، وَهَكَذَا تَكُونُ اُلْمُعَارَضَةُ قَدِ اِنْحَلَّ وَجْهُ اُلإِشْكَالِ فِي تَقْدِيرِهَا هِيَ، لاَ فِي تَقْدِيرِ أَمْرٍ آخَرَ، كَتَقْدِيرِ اُلْبَرْهَنَةِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ قَدْ سَلَبَتْ مِنْ أَدِلَّةِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي قِدَمِ اُلْعَالَمِ كُلَّ قُوَّةٍ وَوُثُوقٍ أَلْبَتَّةَ. وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَأْتِي إِلَى نَاسٍ فِي قَرْيَةٍ بِأَخْبَارٍ عَنْ بَلَدٍ آخَرَ. فَأَنْبَأَهُمْ يَوْمًا أَنَّ قَاضِيَ ذَلِكَ اُلْبَلَدِ قَدْ عُزِلَ. وَقَدْ يَكُونُ لِذَلِكَ اُلرَّجُلِ مُنَافِسٌ. فَهِمَّتُهُ إِنَّمَا أَنْ يَرْتَابَ اُلنَّاسُ فِيهِ. فَهُوَ قَدْ يُدْرِكُ غَايَتَهُ إِمَّا بِأَنْ يَأْتِيَ لَهُمْ بِمَا يَدُلُّ دِلاَلَةً قَاطِعَةً عَلَى كَذِبِ اُلْخَبَرِ. وَهَذَا كَطَرِيقِ اُلْبُرْهَانِ اُلَّذِي يَأْتِي بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ عَلَى نَقِيضِ دَعْوَى اُلْخَصْمِ. وَإِمَّا أَنْ يَتَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ اُلرَّجُلِ أَخْبَارًا عَنْ أَشْيَاءَ أُخْرَى هِيَ تُوجِبُ نَقِيضَ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَوَّلاً، فَيَصِيرُ كَلاَمُهُ ضَارِبًا بَعْضُهُ لِبَعْضٍ، وَهَذَا يُوجِبُ شَكَّ اُلنَّاسِ فِيهِ لاَ مَحَالَةَ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ كَذِبَ نَفْسِ ذَلِكَ اُلْخَبَرِ. وَهُوَ بِعَيْنِهِ مَا رَامَهُ اُلْمُنَافِسُ. كَذَلِكَ فَاُلْغَزَالِيُّ إِنَّمَا رَامَ اُلْمُعَارَضَةَ، وَغَايَةُ اُلْمُعَارَضَةِ إِنَّمَا هِيَ أَنْ تُبَيِّنَ تَهَافُتَ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَدِلَّتِهِمْ. وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ مَا مَعْنَى اِنْحِلاَلِ وَجْهِ اُلإِشْكَالِ فِي تَقْدِيرِهَا.

5) [وَاُلتَّغْبِيرَ]، فِي اُلنُّسْخَةِ اُلْمَطْبُوعَةِ “اُلتَّغْيِير”، وَهُوَ خَطَأٌ. وَمَعْنَى اُلتَّغْبِيرِ كَمَا فِي “تَاجُ اُلْعَرُوسِ” “قَالَ ابنُ دُرَيْد، التَّغْبِيرُ تَهْلِيلٌ أَو تَرْدِيدُ صَوْتٍ يُرَدَّدُ بقِرَاءَةٍ وغَيْرِهَا.”

6) [وَنُسَمِّيهِ “قَوَاعِدُ اُلْعَقَائِدِ”]، وَهُوُ اُلْكِتَابُ اُلثَّانِي مِنَ اُلْمُجَلَّدِ اُلأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ “إِحْيَاءُ عُلُومِ اُلدِّينِ”.

ــــــ

   تَمَّ شَرْحُ أَدِلَّةِ اُلْمَسْأَلَةِ اُلْأُولَى اُلأَرْبَعَةِ، وَسَيَأْتِي بِإِذْنِهِ تَعَالَى شَرْحُ اُلْمَسْأَلَةِ اُلثَّانِيَةِ اُلَّتِي فِيهَا إِبْطَالُ مَذْهَبِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ.