المجلة الثقافية الجزائرية

صوت أمي

خير الشّحري

جلست في مكاني المألوف، أحتسي القهوة وأدخّن سيجارتي، كانت الشّمس تجنح إلى المغيب في هدوء، والمساء بدأ في الانتشار بإيقاعه خفيف، كنت تأمل الحديقة القريبة من بيتي؛ ذات السطوح الثلاثة، والمحاطة بأشجار باسقة، كنت أتطلع إليها، وأعجب كلما تساقطت أوراقها مع كل نسمة هواء، وأتمنى أن أقطف زهرة، وأشمّ رائحة عطر الورد والقهوة معاً وهما يعطران الأرجاء.

فجأة حلّ سكون مطبق، تعلقت عيناي بعقارب الساعة، وأفرطت في الوقوف والجلوس، والنظر إلى الساعة، وداهمني الملل، انزعجت، فنزعت الساعة من معصمي، وألقيتها بعيدا عن ناظري، ثم أردت طرد التوتر والملل بالمشي، ترجلت قليلا حتى وصلت الحديقة المجاورة، فدخلتها، رأيت فتى في سن الثانية عشرة قد افترش الأرض حباً؛ كأنه يتوسد شال حرير، ويرمق العابرين، وفي نظراته شفقة وسخرية غريبة، وهو يتمتم بكلمات دون أن ينظر نحوي.  تنهدت متأسفا لحاله، وقلت: ألم تعلمه أمّه السلوك الطيب؟ 

وعلى مقربة منه سيدة في العقد الرابع من العمر، كانت تحدّق في الفتى، ثمّ انحنت كي ترفعه وتشجعه، أمسكت يداه وقبلتها دون أن تتركها مجدّدا، لتمضي ساعة أخرى معه، إلا أن الفتى أبعد يده بحركة عنيفة، فقالت السيدة بصوت غاضب حادّ: هيا بنا، أقول لك هيا بنا، بعد قليل سيسود الظّلام هنا، والبرودة تنخر العظام. 

كنت أنظر إليهما بطرف عيني، وظننت الفتى يشعر بي كما أشعر به، تلاطمت الأحاسيس داخلي، وضقت ذرعاً بما يحدث، لكنّ المكان طوّقني وهداني إلى كرسيّ وطاولة أجلس عليهما. رأيت الفتى مجدّدا وقد رُسمت على وجهه تكشيرة مرة أخرى، وأشار برأسه نحو مدخل الحديقة، فمدت السيّدة يدها تمسح دمعات تسللت من بين جفونه. عندها انتابني شعور غريب، وتحوّل مركز اهتمامي من الفتى إلى السيّدة، وبدأت أتأمّل تقاسيم وجهها، وأطلقت زفرة خانقة، فهُناك شيء غامض أشعرُ به؟ وهو سبب قلقي الفجائي؛ ربما ارتأيت أن أرد الجميل، ومشيت مسرعاً أفكر، وإذا بصوت يرنّ في أذني: أنسيت شيئا؟ وازدادت حيرتي، وعاود السؤال: أنسيت شيئا؟ 

قلتُ: نعم، إنّه صوت أمي. 

 

كاتبة وقاصّة من سلطنه عمان. عضوة بجمعيّة الكتاب والأدباء بمحافظة ظفار. صدر لها مجموعة قصصيّة خاصّة بعنوان (أيّام لن تعود). كانت أحد أعضاء ورشة القصّة القصيرة بسلطنة عمان. لها إصدارات جماعيّة بمشاركة نخبة من الكتّاب العرب؛ كتاب (عندما تورق الكلمات) للأطفال وكتاب جماعي آخر بعنوان (أبجدية أولى).