البناء الموضوعي وإشكالية العنوان في المجموعة القصصية “على ضفاف دمعة” للكاتبة اليمنية ” نبيهة محضور”.
هشام شمسان
__________
على الرغم من الخلفية الإعلامية والصحفية للكاتبة نبيهة محضور —رئيسة نادي القصة بمحافظة ذمار اليمنية — إلا أن نتاجها القصصي في مجموعة “على ضفاف دمعة ” يسعى جاهداً لتجاوز جفاف التقرير الصحفي المعتاد لصالح بنية سردية تعتمد بلاغة الصدمة. فالعمل الإعلامي، والصحفي وإن وفر للكاتبة مادة خاماً غزيرة من تفاصيل الوجع اليمني المعاش؛ إلا أنه يضع قصصها في تحدٍّ مستمر مع شروط الفن القصصي؛ إذْ تتفلت النصوص من فخ رصد الوقائع العابرة لتتحول إلى “وثائق إنسانية ” ساخنة، تُصاغ بلغة تجمع بين دفة الحلم وقسوة الفاجعة، وتُتوّج بخواتيم صادمة تُعرّي التحولات النفسية للناس تحت وطأة الفقر والجشع.
وتشكل المرحلة الحالية محطة الإنتاج الفكري الصافي والتأسيس، بعد حصاد قصصي تمثل في مجموعتيها “يوم في برواز” (2016م) و”هوس” (2023م) (1)، لتأتي هذه المجموعة (2026م) متوِّجةً لهذه الخبرة الإنسانية والثقافية؛ إذْ تتكئ تجربتها القصصية الأخيرة على ملامسة التفاصيل اليومية، واستحضار الشخصيات من الهامش الاجتماعي؛ ليغدو الخاص مرآةً للعام، وتتحول الحكاية الفردية فيها إلى دلالة تتجاوز حدودها المباشرة. كما تتجاور في النصوص نبرةٌ واقعية ترصد قسوة المحيط، ونبرةٌ وجدانية تستبطن ما تتركه الوقائع من أثر داخلي، فتتقاطع التجربة الفردية مع الهمّ الجمعي، ويتخذ النص من الإنسان — في لحظات انكساره وقلقه وانتظاره — مجالاً أثيراً للتأمل والسرد.
ومن هنا تبدو المجموعة محاولة للاقتراب من الإنسان حين تضيق به الحياة، وتترك في روحه أثرًا من بقايا دمعة.
وسوف نحاول من خلال هذه المقاربة النقدية للمجموعة أن نستبطن عالم نبيهة القصصي، ونستجلي القضايا التي تنهض عليها النصوص، وما تحمله من أبعاد اجتماعية وإنسانية ونفسية، والكشف عن طبيعة العلاقة التي تقيمها الكاتبة بين الواقع والمتخيل، وبين التجربة الفردية والهمّ الجمعي، وصولًا إلى استقراء الرؤية التي تنتظم هذه النصوص وتمنحها خصوصيتها الفنية والدلالية، ولتكن البداية من عتبة العنوان .
▦ إشكالية العنونة: من “الدمعة” إلى “الحلم” .
يجب أن ننبه الكاتبة – بدءًا- أن هناك فرقاً بين أن يكون العنوان جميلًا وموحيًا، وبين أن يكون عنوانًا فنيًا ناجحًا لمجموعة قصصية.
فالعنوان “على ضفاف دمعة ” يحمل شحنة وجدانية، ورومانسية واضحة، وناعمة، لكنه — من زاوية نقدية — يواجه عدة إشكالات، ومنها:
أن الغلاف إن لم يضم عنوانه قصة داخلية، فإنه قد لا يحيل مباشرة إلى نص قصصي محدد، وإنما يظل عنواناً خارجياً جامعاً يختاره الكاتب، أو الكاتبة، للمجموعة، وهذا ليس خطأ في ذاته؛ فكثير من المجموعات القصصية تحمل عناوين ليست أسماء لإحدى قصصها. لكن نجاح هذا النوع من العناوين يتوقف على وجود وحدة دلالية قوية جدًا بين العنوان ومجموع القصص.
إن عبارة “”على ضفاف دمعة ” هو تركيب يقوم على مجاز مركب، يمنح العنوان شاعرية، لكنه في المقابل يجعله أكثر تجريدًا وأقل تحديدًا. كونه يحمل توقعًا بعمل وجدانيً أو رومانسيً أو تأمليً، بينما تكشف القصص عن موضوعات أكثر اتساعًا وقسوة تتمثل في الحرب، والفقر، والتهجير، والنزوح، والغربة، والتمييز ضد المرأة، والاستغلال، والخيانة، والمرض، والوجع، والمشكلات الاجتماعية.
لذا فإن عنوان “على ضفاف دمعة” لا يخبرنا كثيرًا عن طبيعة العالم القصصي الذي يحتله فضاء المجموعة، كما في قصة “على الرصيف ” التي تضع القارئ مباشرة في فضاء اجتماعي واضح؛ فالرصيف يصبح مكانًا للفقر والتهميش، وتظهر فيه شخصيات الأطفال والفتيات، والمعلم الذي انتهى به الحال إلى بيع البطاطا. وكذلك نص “عودة ” الذي يحيلنا مباشرة إلى تجربة الاغتراب والوطن. أيضًا نص “سبعة. سبعة ” الذي ينقلنا إلى عالم كرة القدم وإصابة البطل وفقدانه مستقبله الرياضي. .(2).
– الإهداء، وعلاقته بالعنوان
قد يُقال: إن عبارة العنوان تتصل بالإهداء، خصوصًا أن الإهداء يتحدث عن “الأحلام التي لا تموت ” و”اللحظات” التي تشعل الذكريات ” و”الأرواح” التي تبحر بين ضفاف الكلمات “. وهذا يعطي العنوان سندًا وجدانيًا داخل الكتاب.
لكن من الناحية النقدية، ينبغي ألا نخلط بين جمال التناسب بين العنوان والإهداء، وبين قوة العنوان في تمثيل المتن القصصي.
وإذا كنا سندلل بالإهداء لجعله مدخلاً للمتن، فإن مفردة “الأحلام” ستكون هي الاكثر إلصاقية بالمتن، لأن معظم قصص “نبيهة” تبدأ بحلم عريض وتنتهي بواقع مأساوي (الحلم كمبتدأ، والمأساة كمنتهى) مما يجعل “الحلم” هو المحرك الأساسي للأحداث قبل أن تتحطم على صخرة الواقع.
و لو تأملنا نماذج من النصوص، لوجدنا أن “الحلم” هو الخيط الذي يربط الشخصيات بالمتن؛ ففي قصة “سبعة. سبعة”، يعيش الطفل “سعيد” على ذكريات حلمه الكروي بأن يكون لاعباً مشهوراً كـ “كريستيانو” . وفي قصة “فرح”، كان المتن كله يدور حول “فارس أحلام” ينتظر البطلة لينقذها من الفقر . وفي قصة “عودة”، قضى “جابر” عشر سنوات في الغربة ليحقق “حلماً تمنى تحقيقه” بتأمين مستقبل أسرته. وفي قصة “نضج” كان البطل يغوص في “أفق أحلامه” تحت شجرة التوت قبل أن يواجه الحقيقة المرة.
وتصريح الكاتبة- نفسها- بمركزية الحلم في إهدائها (إلى الأحلام التي لا تموت” يكشف لنا أن “الحلم” كان هو المادة الخام التي شُكلت منها القصص، بينما “الدمعة” كانت النتيجة الشعورية لتلك الأحلام المحطمة. مما يجعل من “الحلم” معززاً للمفارقة الدرامية، ولقوة “تقنية الصدمة”. فعندما يقرأ المتلقي عن “الحلم” ثم يصطدم بجثة رضيع محشوة بالمخدرات، أو بجثة مغترب مقتول غدراً، تصبح المفارقة بين “اسم الغلاف” و”قسوة المتن” أكثر إيلاماً وإلصاقاً بالواقع المحلي، وقسوته التي تغتال الأحلام في مهدها. وقد وجدنا المتن يزدحم بشخصيات كثيرة تحاول “العبور” من ضفة الفقر والجوع إلى ضفة الحياة الكريمة بواسطة الأحلام..
فإذا كانت “الدمعة” تصف الحالة النهائية (النتيجة)، فإن “الحلم” يصف الصراع الوجودي، وهو المحرك للشخصيات. والمجموعة في جوهرها هي رصد لعمليات “اغتيال الأحلام” (حلم التعليم، حلم الاستقرار، حلم الأمومة، وحلم النصر الكروي، حلم العودة للوطن. حلم العيش بكرامة، حلم الأمن…الخ. و قد اختارت الكاتبة أن تسمي المجموعة بنتيجتها الحزينة، بينما جذرها ومحركها، هو “الحلم”. ولكي ندلل على ذلك إحصائياً ، فقد ورد ذكر “الحلم”، ومشتقاته في المجموعة 22 مرة، بينما ورد لفظ “الدمع” ومشتقاته بمالا يزيد عن 19 مرة، وهذا تأكيد إضافي على أن “الدمعة” كانت هي النتيجة الحتمية لـ “الأحلام” التي تكسرت في مواجهة الواقع.(3).
▦ أهم القضايا والموضوعات التي عالجتها القصص
من أهم الموضوعات التي عالجتها المجموعة القصصية الحرب وآثارها الإنسانية، ويعد من أكثر الموضوعات حضورًا في المجموعة، لكنها لا تظهر كحدث سياسيً مجرد ، بل تظهر من خلال آثارها على الإنسان العادي.
ففي قصة “سبعة. سبعة ” كمثال، نحن لا نرى الحرب من منظور المعركة، وإنما من خلال لاعب كرة القدم سعيد الذي فقد ساقيه، وفقد معها مستقبله الرياضي.
وتقوم القصة على مفارقة مؤلمة بين صورة اللاعب السابق الذي تهتف الجماهير باسمه، وصورته الجديدة وهو على كرسي متحرك.
حيث تصبح الساقان المبتورتان رمزًا لبتر المستقبل، وليس مجرد إصابة جسدية.
وفي نص “بلا وجهة”، يُرسَم مشهد مأساوي للنازحين الفارين من الموت قصفاً ليموتوا جوعاً وعطشاً في رمال الصحراء. أما قصة “زهرة”، فتقدم ذروة المأساة السياسية عندما يضل موكب عرس طريقه ليدخل في “حقل ألغام”، فتختلط رائحة الفل برائحة الموت.
كما نلحظ موضوع الفقر والتفاوت الاجتماعي بارزاً في ثنايا القصص، فالمجموعة تولي اهتمامًا واضحًا للفقر لكونه قوة قاهرة تدفع الشخصيات إلى اتخاذ قرارات خطرة.
ففي نص “على الرصيف ” يتراءى لنا الرصيف وهو يصبح فضاءً جامعًا للفقراء: أطفال وفتيات، ورجل كان معلمًا لثلاثين عامًا، لكنه يجد نفسه عاجزًا عن توفير الحليب لطفله.
واللافت هنا أن الكاتبة لا تقدم الفقر كحالة فردية فقط، وإنما باعتباره مشكلة اجتماعية عامة؛ فالشارع نفسه يبدو كأنه شخصية جماعية تحمل وجوه الفقر المختلفة.
ومما حفلت به النصوص مو ضوعة المرأة وقضاياها الاجتماعية، إذ
تحتل المرأة مساحة مهمة في المجموعة، وتظهر في أوضاع متباينة. ففي قصة “عبور” – كمثال – تُطرح قضية التمييز الجندري الصارخ، حيث تُعامل الأنثى كسلعة تُباع بموجب “عقد لعشرة أولاد”، في تصوير لقسوة النظرة الدونية للمرأة.
وتتجلى مأساة زواج القاصرات في قصة “فرح”، حيث تُزف فتاة في السادسة عشرة لرجل عجوز. لكن دلالتها تتجاوز فكرة “زواج القاصرات” كظاهرة اجتماعية يمنية، لتدخل في مربع “التسليع الإنساني” أو بيع الفتيات كحلول للأزمات الاقتصادية التي تعصف بالأسر، حيث يُصبح الأب (أو ولي الأمر) هو “البائع” والابنة هي “البضاعة، بغض النظر عن عمر العريس.
كما تناقش المجموعة قضايا الطلاق التعسفي، والغربة والحنين إلى الوطن كما في نص “عوض”، حيث تُرمى الزوجة، وتطلق تحت مبرر عدم الإنجاب.
ولم تكن الغربة في ” عوض” مجرد انتقال جغرافي، وإنما حالة نفسية. فحين تعود البطلة إلى وطنها بعد ثلاثين عامًا، تتحول رحلة العودة إلى رحلة في الذاكرة، تستعيد فيها الشخصية كل ما مر بها في حياتها السابقة.
وتظهر موضوعة الغربة ايضاً في “عودة “(4) من خلال شخصية جابر الذي يعود إلى الوطن بعد سنوات من الاغتراب، حاملًا أحلامًا قديمة وذكريات القرية.
فلم يكن الوطن في المجموعة مكانًا فقط، بل ذاكرة وهوية وملاذاً نفسيا.
وتظهر الشخصيات في المجموعة غالبًا شخصيات عادية من الحياة اليومية وليست شخصيات استثنائية خارقة، إذ نجد: الفتاة، الأم، الأب، الزوج، المغترب، العامل، المعلم، الفقير، الطفل، اللاجئ أو النازح، المرأة الأرملة، الصديق، السائق. وهذا الاختيار المقصود للشخصيات يخدم رؤية الكاتبة؛ لأنها تريد أن تقول إن المأساة الإنسانية لا تحتاج إلى أبطال عظماء، بل قد تقع في حياة الإنسان العادي.
▦ تقنيات الصدمة السردية، وتفتيت الأوهام
تتخذ الكاتبة نبيهة محضور من تقنية “كسر أفق التوقع” ( القفلة الصادمة) أداة فنية وجمالية محورية لتعرية زيف المظاهر الإنسانية وسحق الأوهام بلحظات خاطفة وصادمة، فبعض النصوص في هذه المجموعة لا تنساب نحو غايات روتينية أو نهايات متوقعة، بل تنعطف بحدة بالغة في أسطرها الأخيرة لتصدم وعي القارئ بمفارقات فاجعة تكشف حجم التشوه النفسي والقيمي الذي يفرضه الجشع، والفقر، والحرب على شخوص المجموعة.
وسوف نمثل بخمس قصص رئيسية تفكك فيها الكاتبة أوهام الشخصيات:
– ففي قصة “المسافرة “، تبني الكاتبة في ذهن القارئ هالة من التعاطف الإنساني والتقدير للحرص الأمومي البالغ لمسافرة تهتم برضيعها طوال الرحلة، لتأتي الصدمة في المشرحة عندما يتكشف للقارئ أن الرضيع ليس سوى جثة باردة ميتة منذ ٢٤ ساعة محشوة بكميات كبيرة من المخدرات.
– وفي قصة “فرح “، يتلاشى الوهم الرومانسي لفتاة الـ16 التي زُفت بثوب لؤلؤي تمني نفسها بلقاء “فارس أحلامها الوسيم المنتظر في المطار”، إذ تنكسر شاعرية اللقاء لحظة فتح باب السيارة لتكتشف أن الوسيم ما هو إلا السائق، بينما ينتظرها في الداخل رجل عجوز اشترى طفولتها بماله كصفقة بيع مغلفة بالورد.
– أما في قصة “تمتمات “، فيرتد الصنيع الآثم للممرضة “نور” التي دنسّت جثث المشرحة بخياطة تمائم السحر داخل بطونها طمعاً في المال؛ إذ تُصعق في النهاية بكلمات المشعوذ الشامت: “طباخ السم لازم يذوقه”، كاشفاً لها أن أول لفافة سحر خاطتها بيدها كانت تحمل اسمها هي .
– وتعتبر قصة “شغف” من أكثر قصص المجموعة تكثيفاً لتقنية “كسر أفق التوقع”، حيث ترسم الكاتبة مساراً شديد العاطفية والنعومة، لينهار فجأة في الهاوية الأكثر رعباً وقسوة. و تدور القصة حول فتاة تغرق في علاقة حب افتراضية عبر الفيسبوك مع شاب أجنبي وسيم وثري، لتجد فيه مخرجاً من فقر بلدها البائس. توافق على الزواج منه بعد أن تظاهر باعتناق الإسلام، وتُحلق معه مسافرةً نحو أحلامها الوردية بباريس، لكن اتصالاً بارداً من الشرطة الدولية (الإنتربول) (5) بعد أسبوع واحد أبلغ عائلتها بالعثور عليها جثة هامدة منزوعة الأعضاء (دون قلب، كبد، أو كلى).
هذه النهاية تصفع وعي القارئ؛ لتعري توحش تجارة الأعضاء البشرية التي تستغل فقر البسطاء وتحول الإنسان من ذات حالمة إلى مجرد “قطع غيار” تُباع وتُشترى في سوق سوداء باردة.(6).
– وتاتي قصة” زهرة” لتكسر شاعرية الفرح؛ فبينما يتهادى موكب الزفاف الريفي وسط الزغاريد ورائحة الفل وطلقات البهجة، يضل السائق طريقه ليسلك درباً فرعياً يفضي بالموكب بالكامل للوقوع في “حقل ألغام” غير مرئي ، لتنتهي القصة بلحظة مأساوية عاصفة يمتزج فيها أريج الفل برائحة الموت.
إن بنية النهاية الصادمة في قصص نبيهة محضور تعبّر فنيّاً عن حقيقة الواقع المريض في اليمن؛ حيث تسير الأقدار بلا رحمة، ويرتطم الوعي الإنساني المأمول بالخيبة المطلقة. ومن خلال هذه الصدمات المتلاحقة، تفلح المجموعة في جعل السطر الأخير مرآةً كاشفة تسقط عندها الأقنعة الوردية، لتؤكد أن “النهايات” في عوالم الكاتبة ليست مرساةً آمنة للحلم، بل هي حافة حادة وخطيرة للارتطام بوجع الواقع الإنساني والاجتماعي.
_________
▦ الهوامش :
(1) ق.ق.ج ، مجموعة تمثل البدايات.
(2) يجب ان نشير إلى أن الغلاف – كذلك- لا يتناسب مع المتن الداخلي، فتصميمه رومانسي، بسيط، غير ملفت، ولا يعبر عن المحتوى. والغلاف يجب ان يكون تصميمه إيحائياً، ويحمل عامل الجذب التشويقي، والتسويقي معاً.
(3) هذا لا يعني أنني أدعو إلى استبدال الدمعة، بالحلم، لان لفظ ” الضفاف” سبب مانع لالتصاقهما به فالتركيب ” على ضفاف دمعة/ حلم” يحمل كلاهما ذات الإيحاء الرومانسي/ المنعي.
.(4). طبيعة البناء السردي في قصة” عودة” ساده نوع من الإطالة والفضفضة الزائدة عن حاجة “التكثيف” المطلوبة في فن القصة القصيرة، فالكاتبة تستغرق مساحة واسعة في الثرثرة الحوارية، والفضفضة العاطفية الزائدة كما في مشهد الصحراء، حين يتحول مشهد التهديد بالقتل إلى جلسة حوار وبوح عاطفي طويل، يسرد فيه السائق صدام تفاصيل ديونه وقرض الباص ومرض والده. وهذا الأسلوب الاسترسالي لي جعل النص يقترب من “الحكاية” المرسَلة أكثر من “القصة القصيرة” التي تعتمد على “وحدة الانطباع” والطلقة السردية السريعة، وهو أسلوب ينقل القصة من مساحة “التكثيف والرمزية” إلى مساحة “الحكاية والفضفضة الصحفية التقريرية .
(5) لفظ ” الدولية” من إضافتنا، لأن الكاتبة أخفقت في جعل الاتصال يتم من قبل الشرطة الدولية، وجعلته يتم عبر الشرطة المحلية للبلاد، وهذا الأمر لا يمكن تقبله عقلياً، فالشرطة المحلية ليس اختصاصها متابعة الجرائم العالمية، وإبلاغ أهالي المتورطين، وإنما يكون من اختصاص المحاكم، والشرطة الدولية( الانتربول)، أو من قبل سفارة البلاد في الدولة المعنية.
(6) قصة شغف رغم قوتها، وعنف خاتمتها، إلا أنها تعاني مما يمكن تسميته نقديّاً بـ “فجوة الاحتمال االسردي” وتحديداً في الاستسهال الفني الذي رافق بناء شخصية “الرجل الأجنبي” وسياق استدراجه للبطلة، ثم وبطريقة بالغة التبسيط يتجرد الشاب من ديانته، “ويغتسل بماء حبها ليسلم في عينيها” وهو تحول يفتقر للإقناع الدرامي. وكان يمكن ان يكون الشاب عربيًا مسلماً، او يمنياً، يعمل لدى تلك المنظمة، وكان هذا الأمر سيزيد من قوة الحبكة .
__________




