
محمد حسين حمصي
أصحو فجأة
مثل موت ..
رائحة أمي ، تغسل الليل والشبابيك
من دم الذكريات ، وخطابات الطغاة ..
أسمع اسمي يٍُنادى ..
نبرة نزقة ، مثل غيرة الصبايا .
إنّه ” دانتي ”
يبحث عن ميّت
يوصله لجحيم لا يعرفه .
أسأله ممن عرف اسمي ..
ينظر إليّ مثل شرطيّ
ويقول لي :
رأيتك في الجحيم ،
تسبح على بحر من دمع ..
دمعك الذي كان يغرق
كلّ من حولك ، وكل من حاول الاقتراب منك .
حاولت اللحاق بك ، و لم أستطع
كان صوت حزنك أعلى
من عذابات الأغلال ومن صراخ المعذّبين .
كان المعذبون يدعون عليك بالبكاء ،
لأن دمعك كان يخفف حرّ النيران
ويروي ظمأهم .
أقف أمامه مثل غراب حزين ،
هكذا وصفني ..
ومشينا مثل نصّين
أحدهما يترجم الآخر .
يصعد على حصانه الهرم ،
ويومئ لي مثل ذنب أتذكره ..
أفتح باب السيارة ، و أدعوه ..
ينظر إليّ بتوتر ،
أعلّمه كيف يصعد السيارة ،
خاف عند دوران المحرك ،
وبدأ يحملق مثل شاخصة منسيّة .
أشعل سيجارة له ،
أسأله عن أغانيه المفضلة
وعن بياتريس و فرجيل ..
لم يجب ، كان متكبّرا مهووساً
مثل طواويس الجن .
ظلّ هكذا ، حتّى أوقفتنا شرطة المرور ،
ولاحظّ المسدّس النائم كعصفور ،
وعرف أنّ الجحيم يبدأ من هنا .
_أين أنتم ذاهبون . يسأل الشرطيّ
_ إلى الجحيم .
_خذ حذرك ، فكلّ الطرقات إليه يملؤها الزحام .
سألني عن المتنبي
و عن امرؤ القيس
لم أجبه ،
وسرت به حول الخراب المكدّس
فوق فراديسنا المدفونة .
زرنا أغلب الطغاة ،
و رأيناهم معلّقين من لحاهم
أو من ربطات أعناقهم ..
ورأيناهم و هم يأكلون من بطون
الجائعين ، و يشربون من سراويل الخائفين ..
أخذته إلى نوايانا المسعورة ،
التي تنهش وجوهنا ولا نراها .
و قرأت له كلّ قصائد المديح
فأخبرني أنهم سيربطون من ألسنتهم
كرباطات النعال .
كان يفهم عليّ جيداً ،
فللأموات لغة واحدة .
سألته عن إبليس ،
فضحك كالماء ، وقال لي :
لم يكن إلّا نحن .
سرت به بعيدا نحو الشمس
نحو حدائق لا بلاط فيها
ولا مديح ،
نحو رائحة البن والخبز ..
عرف أنّنا نبعد عن الجحيم ،
و سألني إن كان لنا خلاص
بعد كلّ هذا الجحيم ..
فأخذته نحو أعالي الجبال
خلف أشعة الشمس ، و صوت العصافير
كانت كلّ الأمّهات تتحلّق حول امرأةٍ
تبكي ولدها الذي في الجحيم ،
وتذرف عيونها ورداً و زهراً
سألني من تكون هذه المرأة ؟
فأخبرته و أنا أودّع كلّ بواباته و حساباته
أنّها ” أمّي ”
ومضيت إلى الوراء
أُكملُ البكاء
حتّى أغرق كلّ هذا العالم .



