المجلة الثقافية الجزائرية

فوز: للعباس بن الأحنف

د. صلاح التوم إبراهيم/السودان

(١)

أبو الفضل العباس بن الأحنف الحنفي اليمامي النجدي، شاعر عربي عباسي مشهور، وُلِد في اليمامة بِنجد وعِندما مات والده انتقل من نجد إلى بغداد ونشأ بِها وعاش مُتنقلاً ما بين بغداد وخراسان، أحب فتاة سماها “فوز” لأنها كانت كثيرة الفوز بالسباقات والمنافسات لكي لا يصرح باسمها الحقيقي، خالف الشعراء في طريقتهم فلم يتكسب بالشعر، وكان أكثر شعره بالغزل والنسيب والوصف، ولم يتجاوزه إلى المديح والهجاء، وأشاد به المبرد في كتاب “الروضة” وفضله على نظرائه.من شعره الغنائي قوله:

وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ولا خير فيمن لا يحب ويعشق

(٢)

من أجمل ما يروونه عنه أنه خرج مع الرشيد ذات مرة إلى خراسان، وكان الرشيد قد وعده أنه لن يغيب عن أهله في بغداد، لكن الغياب طال، فاشتد به الشوق إلى أهله، واحتال هو بأبيات تصل إلى سمع الرشيد لعله يأمر له بالعودة:

قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثمَّ القُفولُ، فقد جئنا خراسانا

متى يكون الذي أرجو وآمله أما الذي كنت أخشاه فقد كانا

ما أقدر الله أن يدني – على شحط_ جيران دجلة من جيران جيحانا

يا ليت من نتمنى عند خلوتنا إذا خلا خلوة يوما تمنانا

وتصل الأبيات إلى سمع الرشيد، فيتأثر بها غاية التأثر، ويأذن لشاعره العباس بن الأحنف بالعودة الى بغداد (٣)

رواية أخرى طريفة حكاها المسعودي في كتابه “مروج الذهب” عن جماعة من أهل البصرة، قال: ”

خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض الطريق، إذا غلام واقف على المحجة وهو ينادي: أيها الناس، هل فيكم أحد من أهل البصرة؟ قال: فعدلنا إليه، وقلنا له: ما تريد؟ قال: إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم . فملنا معه، فإذا شخص ملقى على بعد تحت شجرة لا يحير جواباً ، فجلسنا حوله فأحس بنا، فرفع وأسه وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً، وأنشأ يقول:

یا غريب الدار عن وطنه مفرداً يبكي على شجنه

كلما جد البكاء به دبَّت الأسقام في بدنه

ثم أغمي عليه طويلا، فبينما نحن جلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على الشجرة وجعل يغرد، ففتح عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر ثم أنشأ يقول:

ولقد زاد الفؤاد شجا طائر يبكي على فننه شفه ما شفني فبكى كلنا يبكي على سكنه ! قال: ثم تنفس نفساً فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه، فلما فرغنا سألنا الغلام عنه فقال: هذا العباس بن الأحنف؟

(٤)

فإذا تركنا هذه الروايات عن العباس وما أكثرها، وانتقلنا إلى ديوان شعره لفت نظرنا أنه ديوان كامل من شعر الحب، لا مكان فيه لأي غرض آخر من الأغراض التقليدية التي كانت مألوفة في شعرنا العربي القديم، إنه شاعر لا يمدح ولا يهجو ولا يرثي ولا يفخر، هو شاعر عاشق، وعاشق فحسب، شهد له البحتري بأنه أغزل الشعراء، وقصائده في حبيبته “فوز” تنطق بعاطفة صادقة، وشاعرية أصيلة، ولغة شعرية عذبة سائغة لا تكلف فيها ولا تصنع، تنساب إلى الناس رقيقة صافية.

يقول العباس عن أميرته :

أميرتي لا تغفري ذني فإن ذنبي شدة الحب

حدثت قلبي دائماً عنكمو حتى قد من قلبي استحیلت

كانت “فوز”حبيبته الوحيدة، وكانت جارية لفتى العسكر محمد بن منصور، ثم اشتراها أحد شباب البرامكة، والعباس يذكرها كثيراً، ويعمّي اسمها إيغالا في المغالطة، ولشدة التكتم في حبها. وقد ذكرها بأسماء كثيرة كظلوم وظليمة وذات الخال وسدوم وذلفاء ونرجس ونسرين، ويتردد في شعره لفظ الجارية كثيراً كقوله:

إنما أبكي على جارية قادت القلبَ إليها بزمام

وقوله:

يا من لحَرانَ مشغوف بجارية كالشمس تبدو ضحاءً ذات إشراق

وقد صورها العباس في شعره قصرية مترفة، منعّمة، هُيئت لها كل أسباب النعمة، كقوله:

يا من يسائل عن فوز وصورتها إن كنت لم ترها فانظر إلى القمر

كأنما كان في الفردوس مسكنها صارت إلى الناس للآيات والعبر

لم يخلق الله في الدنيا لها شبهاً إنى لأحسبها ليست من البشر

ويصف زمن العاشق، ووقع ساعاته وأيامه وشهوره في في النفس، فيقول:

اليوم مِثلُ العام، حتى أرى وجهك، والساعة كالشهر

ماذا على أهلك أن لا يروا عطراً، وأنت العطر للعطر أفسد قلبي شادن أحور يسحر بالعينين والثغر

لو كنت أدري أنه ساحر علقت تعويذاً من السحر

ويبدع حين تصطرع في نفسه رغائب الحب وشهواته مع ما ينبغي له من تعفف ووقار، فيقول عن النظر الفاسق:

أتأذنون لصب في زيارتكم فعندكم شهوات السمع والبصر

لا يضمر السوء إن طال الجلوس به عف الضمير ولكن فاسق النظر

ويقول العباس بن الأحنف عن العصيان الجميل، العصيان بالحب:

أستغفر الله إلا من مودتكم فإنها حسناتي يوم ألقاه فإن زعمت بأن الحب معصية فالحب أحسن ما يعصى به الله ! (٥)

يلفت النظر في شعر العباس بن الأحنف موسيقاه الآسرة، وإذا كان القدماء قد وصفوا الأعشى بأنه صناجة العرب، فإن العباس جدير بأن يسمّى صناجة الشعر العربي في العصر العباسي كله، لما تميز به شعره من إيقاعات موسيقية عذبة مطردة، وأجراس حلوة متناغمة وسلاسة تجعل لشعره وقعاً طيباً في النفس والعقل معاً .

ثم يلفت النظر في شعره أيضاً، هذه الشخصية المواصلة الطريفة، شخصية الشاعر ، وهي دائمة الحوار والأخذ والرد، والقص والسرد، والتذكير – خلال القصائد_ بأحداث مضت وذكريات وقعت وأيام تقضت، مما يضفي على هذه القصائد جواً واقعياً، وإطاراً من الصدق، يجعل النفس أكثر تقبلا لها وانفتاحاً عليها، وهو في قصائد حبه جميعها دائم التصريح بالشكوى، دائم الأمل في الوصال، دائم الاستعطاف عن ذنب لا يدريه، دائم الحديث عن كتمان لم يستطعه، فذاع الحب وشاع وتناقلته الوشاة والحواسد.

وواضح من سيرة العباس بن الأحنف أنه رافق هارون الرشيد في حملاته على خراسان وأرمينيا، وأنه كان رقيق الحاشية لطيف الطباع، مفطوراً على الحب والغزل، حتى لقد جعل شعره كله قصيدة حب متصلة، وتقول كتب التراث إنه توفي سنة مائة واثنتين وتسعين من الهجرة وقيل بل سنة مائة وأربع وتسعين، وإن يوم وفاته كان يوم وفاة ابراهيم الموصلي نديم الخلفاء والكسائي النحوي المعروف وهشيمة بن الخمارة، فلما رفع الأمر إلى الرشيد أمر المأمون أن يصلي عليهم، فأمر المأمون بتقديم العباس بن الأحنف ليصلي عليه أولا، فلما سئل عن سبب تقديمه له على الآخرين، أنشد المأمون من شعره:

وسعى بها ناس فقالوا: إنها لهي التي تشقى بها وتكابدُ

فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم إني ليعجبني المحب الجاحد

ثم قال: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة؟ والحقيقة أن شعره قد امتاز باللفظ العذب، والمعاني الغزيرة، والخواطر الرقيقة، وكان توظيفه للبديع في شعره عفواً سهلاً. وهو ذو عاطفة قوية منطلقة كالسيل المندفع.

(٦)

فقد كان العباس أشهر الشعراء العباسيين المختصين في محبوبة واحدة، يتغزل فيها تغزلا معنوياً عفيفاً رقيقاً، فكان يعيش بحبه وله، والآن مع بعض أبيات قصيدته « فوز »:

ألم تعلمي يا « فوز » أني معذب بحبكم، والحين للمرء يجلب

وقد كنت أبكيكم بيثرب مرة وكانت منى نفسي من الأرض يثرب

أؤملكم حتى إذا ما رجعتمو أتاني صدود منكمو وتجنب

فإن ساءكم ما بي من الصبر، فارحموا وإن سركم هذا العذاب، فعذبوا

فأصبحت فيما كان بيني وبينكم أحدث عنكم من لقيت فيعجب

وقد قال لي ناس تحمل دلالها فكل صديق سوف يرضى ويغضب وإني لأقلى بذل غيرك فاعلمي وبخلك في صدري ألذ وأطيب

فإني أرى من أهل بيتك نِسوة شبين لنا في الصدر ناراً تلهب

عرفن الهوى منا فأصبحن حسدا يخبون عنا من يجيء ويذهب

=====

المصادر والمراجع:

_ أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني (دار الكتب، بيروت).

ـ ابن قتيبة، الشعر والشعراء (دار احياء العلوم، بيروت).

_ ديوان العباس بن الأحنف. (دار الكتب ، القاهرة، ١٩٥٤) .

_ الذهبي، سير أعلام النبلاء (مؤسسة الرسالة بيروت، ١٩٨٥).

ـ ياقوت الحموي، معجم الأدباء (دار إحياء التراث العربي، بيروت).

_ المنهج الدراسي للمرحلة الثانوية العليا، السودان، (١٩٦٨).