المجلة الثقافية الجزائرية

فيكتور هوجو ومسرحيته”هرناني”

حاتم السروي

“فيكتور هوجو” اسمٌ خلده تاريخ الأدب العالمي.. صاحبه روائي وكاتب مسرحي ورسام وعازف موسيقي! ولو وُجِدَت السينما في زمانه لاقتحمها مؤلفًا للسيناريو وتفوق فيها دون شك.

نشأ “هوجو” محبًا للحرية، مخلصًا للمبادئ، مثاليًا إلى أقصى درجة.. كان يكره الظلم والعدوان آخذًا على عاتقه مهمة الكفاح من أجل حقوق البؤساء والمعذبين في الأرض، وعلى مدار ستين سنة هي المدة بين كتابه الأول الذي أصدره في العشرين من عمره وكان شعرًا، وبين كتابه الأخير الذي أصدره في الثمانين وكان شعرًا أيضًا، ظل “هوجو” على عهده أديبًا رومانسيًا يكتب من أجل الواجب والأخلاق والقيم الرفيعة.

في شبابه كان مؤلفًا مسرحيًا ناجحًا بالمعيار الجماهيري، وحتى لا نسرف في مدحه نقول إن الموضوعية تفرض علينا أن نذكر رأي النقاد في مسرحياته عمومًا وفي مسرحيته “هرناني” على وجه الخصوص؛ إذ يبدو أن كتابة “هوجو” للمسرح ليست قوية بالدرجة التي كانت عليها رواياته؛ كما أن “هرناني” – رغم شهرتها- تعتبر الآن مسرحية ساذجة من حيث ضعف حبكتها أولًا، وامتلائها بمواقف غير مبررة ولا معقولة، وبالطبع غير واقعية، ويبدو أن وعي “هوجو” تطور بعدها كثيرًا فأصبح أكثر نضجًا وأعمق أفكارًا، خاصةً وهي المسرحية التي كتبها في مطلع حياته الأدبية وعُرِضَت على خشبة المسرح سنة 1832م.

ولو شئنا المقارنة بين هذه المسرحية وبين رواياته التي كتبها وهو في الستينيات من عمره، مثل “البوساء” عام 1862، و”رجال البحر الكادحين” عام 1866، و”الرجل الضاحك” عام 1869، أقول: لو شئنا المقارنة بين “هرناني” ورويات “هوجو” لوجدنا كفة الميزان تميل بالطبع ناحية الروايات.

ورغم ذلك ففي عام 1882 احتفلت فرنسا كلها باليوبيل الذهبي لإصدار مسرحية “هرناني” التي كان قد مر على إصدارها 50 سنة، وجاء نحو ستمائة ألف متظاهر ليَحيُّوا الكاتب العظيم ويهتفوا باسمه لأنه الذي قضى عمره ينافح عن الحرية السياسية والمساواة الاجتماعية والحب.

وملخص مسرحية “هرناني” التي تدور أحداثها في القرن السادس عشر، أن صراعًا دار بين “دون ري جوميز دي سيلفا” النبيل المُسِن الذي اقترب موعد زفافه على ابنة أخيه الحسناء “دونا سول” حسب عادة العصر!! وبين “هرناني” الخارج على القانون الذي تلتقيه “دونا سول” سرًا كل ليلة في جناحها الخاص بقصر عمها وخطيبها تحت جنح الظلام، وينافس كلًا من: “دون ري” و”هرناني” على حب “دونا سول” ملك أسبانيا شخصيًا “دون كارلوس”!

ويبدأ الفصل الأول في قصر النبيل “دون ري” وقد اقترب موعد زفافه من ابنة أخيه “دونا سولا” فيما يبدو أنه استيحاء لقصة سالومي والنبي “يحيى” أو “يوحنا المعمدان” التي وردت في “العهد الجديد” وهو كتاب المسيحيين المقدس؛ حيث كان “هوجو” متدينًا، وهو هنا يذكرنا بقصة الحب المحرمة بين الملك “هيرودس” وابنة أخيه “سالومي” التي أراد الزواج منها، فما كان من النبي “يحيى” – عليه السلام- إلا التنديد بهذه الزيجة الباطلة، وكما قُتِل النبي “يحيى” بقطع رقبته كذلك يُقْتَل “هرناني” في نهاية المسرحية ؛ لكن بالسم الذي أعده “دون ري” وتنتحر معه معشوقته التي تزوجها في نهاية المسرحية حين سمح لهما الملك بالزواج، ثم يقتل “دون ري” نفسه حتى يلاحقهما في الموت أيضًا!

أما “دون كارلوس” فكان قد صفح عن “هرناني” بعد توليه لامبراطورية أوروبا كلها ليصبح “الامبراطور العظيم شارل الخامس” مع أن “هرناني” كان من ضمن المتآمرين عليه الذين كشفهم بنفسه وهم يدبرون مكيدة للتخلص منه في قبو مقبرة الملك العظيم “شارلمان” وذلك لأن “هرناني” ليس لصًا في الحقيقة ولا قاطع طريق؛ بل هو رجل من النبلاء، واسمه الحقيقي “الدوق سيجورب كاردونا كونت الباترا” ويملك من الضِيَاع ما لم يستطع هو نفسه حصره عدديًا، وقد وُلِد في المنفى لأن والد “دون كارلوس” كان قد قتل والده؛ فهو لذلك يُكِنُّ حقدًا كبيرًا على “دون كارلوس” الذي قتل أبوه أباه، ويريد هو أن يأخذ منه حبيبته “دونا سول” إلا أن “دون كارلوس” يعفو عنه في النهاية بعد علمه بقصته وبالحكم غير العادل الذي أصدره والده على والد “هرناني” وزيادةً في الكرم والسماحة يمنحه يد محبوبته “دونا سولا” مع أنه كان يعشقها.

غير أن “دون ري” يذهب إلى العاشقين في ليلة عرسهما ويُذَكِّر “هرناني” – بعد انصراف المدعوين واختلائه بزوجته- أنه كان قد أنقذ حياته، وأنه بنفسه قال له: “متى رأيت أن ساعتي قد حانت فانفخ في هذا النفير وأنا أتبعك إلى حتفي”! فيترجاه “هرناني” أن يمهله إلى الغد ليستمتع مع محبوبته بليلة عمرهما؛ لكن لا مفر، ولما رأت “دونا سولا” أن حبيبها حتمًا سيموت اختطفت الكأس من يده وتجرعت نصفه، فتجرع “هرناني” باقي الكأس على إثرها، فما كان من غريمهما إلا أن أغمد سيفه في صدره حتى يعكر صفوهما في الآخرة!

وتمتلى الرواية بأحداث عجيبة تذكرنا بمشاهد سينما “بوليوود” القديمة؛ فمثلًا في الفصل الثاني نعرف أن الملك كان قد دافع عن “هرناني” حين وجده “دون ري” في الجناح الخاص بمعشوقته “دونا سولا” فقال للعجوز المُتَيَّم بابنة أخيه إنه حضر إليه ليطلب منه مساعدته بماله وإمكاناته في الوصول إلى عرش أوروبا بعد موت الإمبراطور؛ أما “هرناني” فهو أحد أتباعه، وبعد خروج الملك وهرناني من القصر يأتي المنظر التالي كاشفًا عن ندم الملك على شهامته التي أتاحت لهرناني أن يفلت، فلذلك يصدر أمرًا بالقبض عليه أينما وُجِد، ثم يأتي بنفسه إلى قصر “دون ري” بعد علمه بالخطة التي دبرها العاشقان للهرب، وذلك أنه في الفصل الأول كان مختبئًا في أحد أركان مخدع “دونا سولا” حين كنت تتبادل الغرام مع حبيبها! وفي هذه اليلة اتفق “هرناني” مع محبوبته على التصفيق بيديه ثلاث مرات في الليلة التالية ليكون ذلك إشارة لها حتى تخرج من القصر وتلحق به فيهربان معًا؛ فما كان من “دون كارلوس” إلا أن حضر في الليلة الموعودة وصفق بيديه ثلاث مرات فحسبته “دون سولا” حبيبها وحين خرجت من القصر أمسك بها وأخذها معه وبرفقته حراسه وجنوده، فتصيح “دونا سولا” مستنجدة بهرناني الذي كان قد حضر للتوّ ومعه عدد غفير من أتباعه الذين يفوقون أتباع الملك فيحاصرونهم، ثم ينظر “هرناني” بتشفٍّ إلى غريمه وقد حانت ساعة انتقامه؛ إلا أنه لا يأمر جنوده بقتله ولا يقتله هو؛ بل يعطيه سيفًا للمبارزة!!

ويأبى الملك أن ينازل غريمه لأنهما كانا قد تبارزا بالفعل في الليلة الماضية! فيندفع إليه “هرناني” شاهرًا سيفه والملك لا يتحرك للدفاع عن نفسه؛ وإنما يقول في هدوء: “هل تقتلني بدون مبارزة، تقتلني غيلةً؟” فيتركه “هرناني” لأنه ليس من الأصول قتل غير المبارز! بل يقصف سيفه على الرصيف ويتركه بشهامة ليقابل شهامته! فإذا كان الأمير قد أنقذ حياته بالأمس فلينقذ هو حياته اليوم. وينتهي المشهد بهذا الحوار الغريب:

هرناني: اذهب الآن، وسوف نلتقي في فرصةٍ أنسب.

دون كارلوس: شكرًا أيها اللص.. سأذهب، ولكن بغير سلام، فمنذ الساعة سأضع مكافأةً لمن يأتي برأسك (ويمضي).

دونا سول: فلهرب يا هرناني.

هرناني: لقد فات الأوان، فالملك سوف يملأ الطرق برجاله ويسد السُّبُل.

وفيما هما يتحدثان تُسْمَع دقات الأجراس من بعيد، فتقول “دونا سولا” مذعورةً: أهكذا سريعًا، أجراس الخطر؟

هرناني: كلا يا حبيبتي؛ بل هي أجراس زفافنا.

ورغم هذا الضعف الفني الذي يبدو للقارئ إلا أن “هرناني” لا زالت حتى اليوم أشهر مسرحيات “فيكتور هوجو” مع مراعاة أن مثل هذا النوع من الدراما كان يعجب مشاهدي المسرح في ذلك الوقت، لما فيه من الغرام والصراع المثير، أو بلغة السينما “الأكشن” ولانطلاقه من مبادئ “الشهامة” و”الواجب” وعزفه على الوتر الأخلاقي.

على أن ضعف هرناني لا ينسينا قوة “أحدب نوتردام” ولا تفوُّق “هوجو” في الشعر حتى أن شاعر النيل “حافظ إبراهيم” قال عنه:

أعجميٌ كاد يعلو نجمُهُ.. في سماء الشعرِ نجمَ العربِ

بقي القول إن تصنيف الكتابة الأدبية إلى واقعية ورومانسية هو أمر ضروري للتعامل النقدي مع الأعمال المكتوبة؛ إلا أن الكاتب في النهاية فنان مبدع جدير بالإكبار مهما يكن توجه كتابته، وحتى لو تجاوز الزمن تيار “الرومانسية” فإن روحها لا زالت ترفرف في أعمال كبار كتابنا اليوم، وإن جوهر كل عمل أدبي هو الرومانسية والمثالية لأن كل أديب يحلم بعالم أرقى وأسمى وأجمل، وإلا فقد الأدب معناه وغايته.