المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

فيليب سوليرز: نقاش حول رواية ”مسافرو الزمان”

ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم:  ولد فيليب سوليرز سنة 1936،بالقرب من مدينة بوردو وسط عائلة اهتم أفرادها بالمجال الصناعي. سنة 1957،أصدر روايته الأولى تحت عنوان التحدِّي.ثلاث سنوات بعد ذلك،بلور ضمن منشورات “سوي”(Seuil)،مشروع مجلته ”تيل كيل”(1)،التي اهتمت غاية سنة 1982،بأعمال كتَّاب مهمِّين كما الشأن مع أنطونين أرتو، جورج باطاي، جيمس جويس، ميشيل فوكو، رولان بارت، جاك لاكان.
بعد ذلك أخرج إلى القارئ مجلة”اللانهائي”،بداية ضمن منشورات ”دونويل”ثم ”غاليمار”،وكذا سلسلة بنفس الاسم،أشرف على تهيئ مضامينها.
عزَّزت رواياته المختلفة أبحاثا أسلوبية عدَّة :إهمال لكل علامات ترقيم مرئية،لاسيما ضمن فصول روايتيه (H)و(الفردوس)(الجزء الأول والثاني)؛كتابة أكثر ”مجازية”مع نصه الروائي ”النساء”،ثم حدوث منعطف بخصوص عمله؛من خلال توظيفه للتجزيء؛إلحاحه على وظيفة نقدية وانقلابية لكتابة مميَّزة أكثر فأكثر حسب تأمل باطني.
أيضا،اشتغل على أبحاث ذات تطلُّع موسوعي انطوت على رؤيته لتاريخ الفن، استندت على الدفاع عن الفرد،والخلق والرغبة. إنه كاتب دراسات عن كبار الفنانين و سير- ذاتية رومانسية تعكس تذوُّقا واضحا نحو وجهة القرن الثامن عشر.
فيليب سوليرز كاتب مركَّب، أحد الشخصيات الأكثر ثقابة ضمن المشهد الأدبي الفرنسي ويدافع قبل كل شيء على القراءة والحرية.
أولا- عناوين نصوصه الروائية :
عزلة فضولية (سوي،1958 )
المنتزه(سوي،1961 )
مأساة(سوي،1965 )
أعداد(سوي،1968 )
قانون (سوي،1972 )
H(سوي،1973 )
الفردوس (سوي،1981 )
نساء(غاليمار،1985 )
صور اللاعب (غاليمار، 1985 )
الجنة 2(غاليمار، 1986)
فؤاد مطلق (غاليمار،1987 )
الحماقات الفرنسية (غاليمار،1988)
الزِّنبق الذهبي(غاليمار،1989 )
حفل مدينة البندقية(غاليمار،1991 )
السرّ (غاليمار،1993 )
ستوديو(غاليمار،1997 )
عشق أمريكي،ألف ليلة وليلة (غاليمار،2000 )
شغف ثابت(غاليمار،2000)
نجمة العشَّاق(غاليمار،2002)
حياة إلهية (غاليمار،2006 )
رواية حقيقية،مذكرات (بلون،2007 )
مسافرو الزمن،(غاليمار،2009 )
كنز الحب،(غاليمار،2011 )
ثانيا- عناوين دراساته النظرية
الكتابة وتجربة الحدود(سوي،1971 )
نظرية الاستثناءات (غاليمار،1985)
ارتجالات(غاليمار،1994 )
حرب الذَّوق(غاليمار،1994)
ماركيز ساد ضد الكائن الأعلى(غاليمار،1996 )
سنة النمر،يوميات سنة نهاية القرن(سوي،1999 )
مدح اللانهائي(غاليمار،2001)
الوسيط (سوي،2001 )
حرية القرن الثامن عشر(غاليمار،2002 )
إضاءات (لافون،2003 )
قاموس عاشق لمدينة البندقية(بلون،2004 )
حروب سرِّية (مذكرات الشمال،2007 )
زمن رائع كبير(بحث الظهيرة،2009 )
خطاب رائع (غاليمار،2010 )
ثالثا- دراسات
مفاجآت فراغونار (غاليمار،1987 )
أوغست رودان،لوحات إيروسية، مع ألان كيريل (غاليمار،1987 )
سريعا ويليام دي كونينغ (الاختلاف، 1988 )
فردوس بول سيزان (غاليمار،1995)
بابلو بيكاسو، البطل (حلقة الفن،1996)
مشاعر فرانسيس باكون (غاليمار،1996)

ثالثا- سير ذاتية
فارس متحف اللوفر : دومينيك فيفان (بلون،1995 )
جاكومو كازانوفا (بلون،1998 )
أماديوس موزارت(بلون،2001 )

يسعد جدا، مركز بومبيدو استقبال فيليب سوليرز داخل فضاء الخزانة العمومية، الذي يعتبر وجها بارزا بالنسبة للأدب وكذا المشهد الأدبي الفرنسي، ثم في الآن ذاته، روائيا وباحثا،أسَّس وأشرف على مجلة”اللانهائي” وكذا سلسلة تحمل ذات الاسم ضمن منشورات غاليمار.
تبنَّى سوليرز أسلوبا وعالَما خاصين به، بحيث بدا كأنه سعى إلى تجريب كل تطورات الأدب المعاصر من خلال التعددية التي اتسمت بها كتاباته، أساسا رواياته، التي قاربت غاية الآن عشرين رواية.
تقول إحدى فقرات دراسة رولان بارت لنصوص سوليرز تحت عنوان”كتابة للحياة”: ”تكمن لديه وأنا مقتنع بذلك، تيمة مركزية :الكتابة، التَّفاني في الكتابة”.تفان على مستوى الكتابة،مرتبط جدا بكيفية حتمية مع تفان آخر، ذاك المتعلق بالقراءة والأدب.

ناتالي كروم: شكرا فيليب سوليرز،لقبولكَ دعوة حضور هذا اللقاء.سأحاول تقديم معطيات عن شخصيتكَ من خلال كلمات معينة،ستبدو بلا شك كافية للغاية قصد تلخيص خمسين عاما من الكتابة، والحضور ضمن مابوسعنا تسميته بالمشهد الأدبي الفرنسي،عبر نتاج قارب خمسا وستين مُؤَلَّفا(روايات، دراسات، أبحاث)،منذ العمل الأول ”عزلة فضولية” (سوي،1958)، غاية ”مسافرو الزمان”، التي تصدرها اليوم غاليمار ونلتقي هذه الأمسية قصد مناقشتها طويلا.تجلى،أيضا حضوركَ ضمن مكونات المشهد الفرنسي،من خلال مجلتي ”تيل كيل” و”اللانهائي”اللتين ميَّزتا حقبتهما بل وأبعد من ذلك.لقد أكد جاك هنريك، في مقالته الرائعة التي انصبَّت حول روايتك ”مسافرو الزمان”، بأنَّ أعمالك بمثابة: ”فترات متعاقبة لأوديسة جديدة، أكثر غرابة، بعيدة الاحتمال،لايمكن تصورها قياسا لأوديسة الإغريق، مادام السياق هنا لايمثل بالنسبة للذات إنسانية أن تَعْبر بحارا ثم تعود ثانية إلى نقطة انطلاقها،لكن السفر بين طيات الزمان”. ستكون أمامنا فرصة تفسير هذا السفر في الزمان،الذي اختبرتَ تجاربه وكذا الإشارة إلى مدته الطويلة؛ ينبغي استحضار عمق تلاحم نصوصكَ، الاستمرارية، المثابرة، معطيات معينة أوضحت منذ البداية، الإشارات الواردة في مقولة جاك هنريك. ربما أمكنكَ أن تستعرض أمامنا هذا السفر،ومداه حاليا قياسا للأوديسة؟ لكن بداية،نستدعي إشكالية الجنس الروائي حسب تصوركَ الذي يثير أحيانا الالتباس لدى بعض القرَّاء.انطوت روايتكَ”مسافرو الزمان”على أدب قد تخلَّص من الحكاية، السرد، الأدب،ويكمن بعيدا عن :”روايات عائلية نفسية، اجتماعية، رومانسية، عاطفية،تتراجع أمام عروض غباء صار بديهيا أكثر فأكثر ويحظى بالتشجيع”.

فيليب سوليرز : ”روايات تتراجع أمام الغباء”،صيغة تعود إلى لوتريامون أو إيزيدور دوكاس، الذي استوعب مبكِّرا جدا،مثل عدد معين من الأشخاص، كمالارميه أو آخرين بحيث لوحظ بأنهم لازموا هذه الحديقة، أو بالأحرى قطنوها فعليا، مع وجود أزمة عميقة للأدب والرواية. لكن”الروايات التي تتراجع أمام العروض”،بوسعنا نعتها حسب مصطلح معاصر ب”لجان الرواية”، المستلهمة للبعد السِّلعي، مما أتاح منذئذ،تبعا لمصطلحات الماركتينغ الأدبي، مجالا ناجعا أمام الرواية الأنغلوساكسونية مقابل الرواية الفرنسية التي صارت متواضعة، عائلية، مُرْهقة، إلخ.حينما يؤكدون لي بأني لم أنجز متنا روائيا حقيقيا، ألتقط حينها فقط حيثيات صوت السوق، وليس تصور النقد الأدبي الجاد. يناديني السوق كما حدث مع فيلم الديكتاتور لتشارلي تشابلن : أينما تواجدتُ، أتبيَّن فورا تجليات صورة السوق، التي تخاطبني كالتالي: ”أنتَ،لاتنجز رواية حقيقية”؛ هذا التأويل يلاحقني في كل مكان، حتى داخل بيتي، عندما يواجهني ضيوفي بالعبارة التالية : ”يا للحسرة،لم تكتب رواية بالمعنى الأصيل للكلمة”. مبدئيا، البضاعة هي البضاعة، أما نص رواية ”مسافرو الزمان”، فيمثِّل شيئا مغايرا. لقد فرضت هذه العيِّنة من الأعمال وستفرض حضورها مع انقضاء الوقت، أحيانا بعد فترات تأخير طويلة، لكن تاريخها يعتبر روائيا تماما.هل يكمن حسّ روائي يفوق قصائد لوتريامون؟ وكذا قصائد رامبو من خلال مجموعتيه الشعريتين ”موسم في الجحيم” أو ”إشراقات”؟ يا إلهي، هل يوجد منحى روائي أسمى من ذلك؟حينما أدلي بهذا الإقرار، أشعر بالتأثُّر كما لو أني أقرأ رواية أرغب حقا في قراءتها، أخيرا أصادف إيحاءات من هذا النوع! كما الشأن مع يوميات حياة هولدرلين في مدينة بوردو؟ غير أنَّ هذا المنحى الروائي، لايثير عمقه اهتمام أحد. الرواية بالنسبة للسوق، مجرد كتاب تفتحه كي تتابع وقائع فيلم: نعيش القصة، تلفت انتباهنا شخصيات تختبر اضطرابات، لأنه بغير الأخيرة، فلن تتشكَّل معالم الرواية، الحب محاصر، هيمنة العنف،هكذا نعيش على امتداد فقراتها أجواء يوم 11سبتمبر 2001، بحيث لانعلم قط وجهة انسياقنا، في خضم غبار أتربة. سياقات من هذا القبيل تواترت بين طيات نصوص منشورات ”مينوي” على سبيل المثال، ربما منشورات ”لابروفانس”، فهل يعتبر عمقا، اشتغال رواية حقيقة على التالي: نصٌّ يتيح لنا إمكانية تعقُّب آثار حكاية حيوات شخصية عالقة ضمن الراهن.لذلك،توخيتُ السعي نحو القيام بشيء مغاير،من هنا، حدوث التباس شامل بما يكفي، لكنه أمر بلا أهمية تذكر. أحاول إضفاء الطابع الروائي على أفكار الحياة، بين طيات هذه المغامرات المعنونة ب”مسافرو الزمان”. يتمثل طموحي في إنجاز رواية حقيقية خلال حقبتي؛ أما التفاصيل الأخرى فسيأكلها النسيان على غرار جل مانسيناه سلفا، لقد اكتنف الدخان أغلب الأفلام وكذا البرامج التلفزية السابقة.

ناتالي كروم : أشرتَ في عملكَ”مسافرو الزمان”، بأنَّ الراوي باشر لعبة كبيرة بفضل الذاكرة والأرشيف؛هذا بوسعه أيضا تجسيد تعريف للرواية؟

فيليب سوليرز : نعم، الذي يظهر لي اليوم روائيا بكيفية مذهلة، العمل على استنباط معطيات تلك المغامرات، المثيرة جميعها للاهتمام.حياة كافكا مذهلة،مثلما الشأن أيضا بالنسبة إلى لوتريامون.لهذا السبب قصدتُ 5 شارع ليل Lille، هناك حيث يزور إيزيدور دوكاس أو الكونت دو لوتريامون، باب المصرفي داراس، قصد استلام النقود التي يرسلها له أبوه، القاطن في مدينة مونتفيديو. يسرع نحو عنوان المكان محكوما برغبة التطلع إلى طبع كتاباته. هل يكمن معطى أكثر روائية من ذلك؟ لحسن الحظ، أنَّ أندريه بروتون ولوي أراغون، قد استخرجا سنة 1919 هذا التراث من المكتبة الوطنية، وإلا بقي دائما متواريا عن الأنظار، ولن نعلم شيئا عن الموضوع، مادام أحد لم يقرأ تلك النصوص.بالتالي، ما الذي يبدو أكثر روائية من رؤى رجل شاب اسمه إيزيدور دوكاس، توفي سنة 1870عن سنٍّ لم يتجاوز أربعة وعشرين، خلال فترة حصار باريس، والمجاعة تسود باريس، لكن لوتريامون يزور مصرفه لاستخلاص النقود حتى يصدر مستقبلا مجموعته الشعرية النثرية. لماذا يعتبر هذا المعطى روائيا؟ لأنه نفس عنوان جاك لاكان. هل يوجد أكثر روائية من العبارة التالية : سأذهب إلى شارع سيباستيان بوتين، كي ألتقي جميع الأحياء- ربما أكثر من الأموات-ربما القابعين في حديقة مؤسسة غاليمار للنشر،5 شارع ليلLille، هناك أعثر ثانية وسط الحديقة على لوتريامون بصدد تسلُّم نقوده؟ مثير للانتباه عدم اهتمام أيِّ شخص بالقوة الروائية لهذه الإيحاءات المتجلية هنا،كما لو يستدعى الأموات حتى يصبحوا أحياء أكثر من الأحياء أنفسهم. تواجد منزل صديقي الكبير جاك لاكان، في شارع ليل Lille بجوار منزل ماكس إرنست.كنت أذهب لزيارته خلال نهاية اليوم، كي نتناول معا وجبة العشاء في مطعم”لاكاليش”. يتأوَّه طويلا : فقد مكث طيلة النهار يستمع إلى سخافات روائية عُصابية، غاية عدم القدرة على التحمُّل. هكذا، يكسب مورده المالي، جيوبه ممتلئة بالنقود لأنه يستوفي بدقة التسعيرة المالية لجلساته النفسية، شخص مثير ! حياة لاكان، روائية جدا. يأتي عنده الأفراد ويسددون تكلفة مالية قصد خضوعهم لتحليل نفسي ينصب على مضامين أفصحوا عنها دون أن يدركوا،بينما أزوره كي أحظى بعشاء مجاني،ألا يعتبر هذا روائيا؟

ناتالي كروم : هل بوسعنا القول بكيفية ما، أنَّكَ انخرطتَ في حوار مع كتَّاب وكتاباتهم، لم يعودوا من الماضي، بل الراهن الفعلي؟ فما العلاقة القائمة بالنسبة إليكَ بين واقعتي القراءة والكتابة؟هل ينبثق ذلك عن نفس المعطى؟

فيليب سوليرز :بالتأكيد !بما أنَّ القراءة ضمن مسار تدمير متواصل،فالأمر كذلك ينطبق على الكتابة.هكذا،تتجلى صيغة مفادها:قصد التمكن من الكتابة، ينبغي استيعاب آليات القراءة،ولتحقيق هذا الشرط يلزم إدراك معنى أن تحيا ! بوسعك إذن استلهام الصياغة وفق جميع الدلالات،إذا لم تستوعب حيثيات القراءة،فلاجدوى من الكتابة.جلّ الكتَّاب الذين خلَّفوا أثرا،اعتُبِروا أيضا قرَّاء مذهلين، بحيث استدعوا الماضي صوب الحاضر لذلك يسكنون المستقبل. لاأذكر اسم الناشر الذي قال لي :”ألتقي عدَّة شعراء شباب وحين استفسارهم بخصوص”ماذا تقرأون؟”،يقدمون الجواب التالي :”آه لاشيء !لا أريد الخضوع لتأثير معين”بينما يتحقق عكس ذلك. قصد معرفة كيفية القراءة،ينبغي إدراك كيفية أن تعيش. لكن مامعنى ذلك؟ سؤال يأخذ منحى بعيدا جدا.نعيش بطريقة أو أخرى،تتِّسم بكونها تقريبا حائرة،متجاهلة، مكتفية بذاتها،غير مكترثة لما يجري حولها، بمعنى نحو الجرائم، إلخ.أن تحيا بكيفية جيدة،يفضي صوب الإلمام بطبيعة القراءة، وهذا لايعني شيئا في حالة جهلنا بالقراءة.

ناتالي كروم : معرفة القراءة، يعني معرفة أن تحيا وتقرأ، أن تدرك معنى الحياة.هذا يسير حسب الوجهتين.

فيليب سوليرز : نعم، هكذا تمضي المسألة. كما تعلمين، جلّ الكتَّاب بمثابة قارئين بارعين. ننزع صوب نسيان ذلك، كما لو تتجلى أصالة، عفوية، مصداقية عبر الشهادة الحية لرواية تُكتب من خلال سرد حكاية مجتمعية. يندرج الاعتقاد بالمجتمعي ضمن صنف الاعتقاد بالله فيما مضى :أضحى الله مجتمعا، ولاأهمية تذكر لغير الاجتماعي. لكن بإعادة إنتاج الرواية للمعطيات الواقعية والطبيعية.دائما بقيت هذه الرواية مثلما تصبح ثانية نفس الشيء، عند منعطف تراجعها أمام إغراءات العروض،بمعنى لجان الرواية؛ لقد انتهى ذلك، مادام الطارئ يستدعي شيئا مغايرا : التركيز على اللغة نفسها في عمقها وكذا القصيدة، لأنه كي تدرك معنى العيش، يلزم تمثُّل ماهية القصيدة، بغير هذا الشرط نحيا فقط بجوار الحياة.

ناتالي كروم : لقد كتبتَ في عملك”حرب الذوق”، مايلي :”تقرأ يعني خاصة أن تلج ذاتكَ ، التمرُّس على اعتبارها مثل عالم من العلامات، وخطابات مرموزة، ثم ألغاز”.

فيليب سوليرز :أن تكون حيَّا، ليس بالأمر البديهي.بالتالي اعتقاد كل شخص ببداهة من هذا القبيل، والمجتمع يبلورها، قد يصبح الشخص المقصود متغطرسا، وإحساسه بمسوغ وجوده،لكن مثلما يقول أحد أصدقائي، لماذا لايبدأ التاريخ هذا الصباح أو البارحة صباحا؟ فيما يخصني، يعتبر المنحى التاريخي طارئا كلِّيا: بقدر التخلي عن هذا التصور،تتحقق القراءة بشكل أقل،من ثمة الحياة. استيعاب مقاس التاريخ، بمعنى الزمن المتعالي، يحظى بأهمية استثنائية. يحدث كل شيء راهنا قصد الاهتمام بفقدان الذاكرة و سبات القراءة؛ إن بدا الكتاب فيلما جيدا، سيعتبره السوق رواية حقيقية.أستغل سياق حديثي قصد الإشادة بمشروع حاضرة الكتب، مستوطنة عجيبة وسط العالم، لاأدلي بهذه الحقيقة لأنَّ أنطوان غاليمار صديقي المشرف على البرنامج،يتابع معنا نقاشنا هذه الأمسية. مشروع يسير أبعد كثيرا مما نتصوره، لأنها ضئيلة جدا المواضع المنطوية على ذاكرة تاريخية :هناك واحدة، نِعْم الأمر !

ناتالي كروم : ضمَّت حلقة روايتكَ”مسافرو الزمان”، كتَّابا، موسيقيين، شعراء، فنانين تشكيليين،رافقوكَ منذ فترة بعيدة مثل، رامبو، لوتريامون، نيتشه، بحيث نلاحظ بأنكَ تحاورهم مرة أخرى من خلال سلسلة كتب.أشرتَ في عملك هذا،بأنها أسماء تقطن زمنا رباعي الأبعاد :الماضي الحاضر المستقبل، بل و تيمة رابعة تكمن في البداية مثلما عند النهاية. هل بوسعكَ شرح طبيعة التصور؟

فيليب سوليرز : أضحى القرن العشرين بكل مغامراته، بعيدا عنا؛ فقد ولجنا عهدا كونيا، لم نعد ضمن نطاق العصور الحديثة، وهذا مايلزم الإحساس به. لذلك وضعت دانتي في موقع مميَّز كي أظهر إمكانية حلوله هنا بغتة داخل كنيسة القديس توما الأكويني، من هو القديس توما الاكويني؟الخلاصة الثيولوجية، لا أحد يهتم!فقط،يتضح ذلك،حين العودة إلى دانتي والكوميديا الإلهية. بدلا عن تصنيف”الشعراء” أفضِّل مفهوم”مغامرون محاربون”. لأنه مثلما يقول أوسيب إيميليفيتش مانديلستام الشاعر والكاتب السوفياتي (-1891 1938):’ ‘القصيدة معركة دائمة”. تعني المعركة،اقتناع شخص معين خلال فترة معينة، بأنه على صواب في مواجهة الجميع والعالم مجرد أكذوبة تامة، يتصرف حسب دواعيه الخاصة، ثم يتأتى له رويدا رويدا تأكيد حقيقته الشخصية. لاأظن – اللهم إن كنت مخطئا، ويجب إثبات العكس- بوجود عنوان دراسة اهتمَّت تدقيقا بحياة نيتشه اليومية من مضامين كتابي”حياة إلهية”، الذي يرصد يومياته،طبيعة الأجواء، الطعام الذي يتناوله على طاولة الضيوف في فندق للأسرة مبديا تماما استياءه من بلاهة النساء اللواتي تواجدن في عين المكان، بل وسخافة كل حقبته. سأقرأ عليكِ شيئا معينا راجعته مرة أخرى هذا الصباح، يتيح لي ربما ذات يوم من الأيام كتابة مقالة- أو لا- قليل من الصخب بخصوص تلقي كتابي لدى بعض الجرائد. مثال ملموس. أستحضر مسألة تركيزي- تمَّت مؤاخذتي كثيرا بهذا الخصوص من خلال روايتي الأخيرة-على حوار أجري مع والدة ميشيل ويلبيك المنشور على صفحات جريدة لوموند،اتسم بطابع معبر ومتعاطف للغاية. وثيقة – أعتقدها قد تجاوزت مختلف مابوسعنا رصده على امتداد تاريخ الإنسانية بخصوص أسرار تكشفها أمٌّ عن ولدها- ميَّزها عنف استثنائي، انبثق بورع، تؤثثه صورة على صفحات لوموند،الأخيرة تمثل لدينا نفس موقع جريدة برافدا، ثم نلاحظ إقرار هذه المرأة المسكينة بأنَّ ابنها لايستحق سوى ضربة عصا على وجهه.انطلاقا من هذه الواقعة،سعيت مع كتابي”مسافرو الزمان”، طرح تساؤل حول الذين أثاروا تقريبا أسرار علاقاتهم مع أمَّهاتهم :رامبو، هولدرلين، نيتشه الذي تحدث أيضا عن أخته،ثم بودلير. تعلمين قصيدة بودلير ”الرحمة”.حينما،ينبعث الشاعر وسط هذا العالم المزعج،نتيجة قرار سنَّته قوى العليا،تبادر أمُّه المذعورة وتلاحقها شتائم عدَّة،كي تتوجه بكفَّيها المرتعشتين نحو الله،التماسا لرحمته:”ماذا! لو حدث وأنجبتُ تماما نواة شرٍّ”. لذلك، يعتبر بودلير الأول،الذي سلَّط الضوء على مكمن اشمئزاز أمومي نتيجة ولادة الشاعر،القصيدة : العالم مضجر وكذا أمّ الشاعر، أمّ بودلير. هناك أمر يثير الاهتمام، مادام ميشيل ويلبيك، الذي كتب روايات مهمة، يتألم حقا بسب عجزه عن بلوغ القصيدة. فهل تجسِّد الأمهات إذن رابطة سرِّية معينة قصد الحيلولة دون تبلور القصيدة؟ هذا يؤكد حسب بودلير، ضرورة البقاء وسط عالم مضجر. بيد أنَّ مالارميه مثلا،سيعكس الإشكالية :
أخيرا، وقد غيَّر الخلود الشاعرَ، سيخلق بحسامٍ عارٍ،حقبته الرهيبة (2).
هذا لايستقيم.لماذا سيكون العصر مرعبا؟ هل أنا بصدد إضفاء خاصية الرعب على العصر؟ أبدا. في المقابل،هذا الإشكال المتعلق بوصل الأمِّ بالفزع، ستلاحظين توظيفا لنفس الكلمة، فماذا يعني هذا؟ مامعنى إثارة فزع أمِّه؟ لقد كتب بودلير في إحدى مقدمات مشاريع مجموعته الشعرية ”أزهار الشر” :”اكتسب هذا العالم كثافة ابتذال يتيح إلى احتقار الإنسان الروحي عنف شغف، لكن توجد قوقعات سعيدة لايلجها الشغف قط.أمتلك إحدى هذه الخاصيات المبهجة التي تستخلص متعة للكراهية وتتباهى ضمن إطار الاحتقار. ذوقي المتحمِّس شيطانيا نحو الحماقة،يجعلني أكتشف مُتعا خاصة ضمن أقنعة الافتراء”.هل سينجز مقدمة لديوان أزهار الشر؟أبدا، نتيجة تعرضه للإدانة والنصوص التي شكلت موضوعا لذلك لم تصدر سوى 1949 .إنها مثل رواية ”الصلات الخطيرة” لبيير فرانسوا لاكلو وكذا ”يوليس” لجيمس جويس، التي أفضت إلى محاكمة مشهورة في الولايات المتحدة الأمريكية.فمن بوسعه اليوم إثارة دوافع محاكمة من هذا القبيل؟ لاشخص.لقد خسروا القضية :”مادام البعض يدرك أو يخمِّن،بينما طرف آخر فلن يستوعب قط”(3). إنه فعلا بودلير !لقد طرحتُ عائقا.

ناتالي كروم : تبدأ الرواية بسؤال الجسد. يمتثل الجسد إلى زمن بيولوجي، متسلسل تاريخيا، وكذا مسار المصير، مثلما يرسم أيضا حيز تجربة العبور وكذا السفر في خضم كثافة الزمان.

فيليب سوليرز :واضح جدا. تنطلق الرواية عندما يتوجه الجسد إلى الرَّاوي، مما أثار شيئا من دهشة الأخير لأنَّ جسده قد خاطبه فجأة. لقد رغبت دائما في عنوان ل”روني كروفيل”، الذي انتحر سنة 1935 حينما لاتسير الأمور بين السورياليين والوهم الشيوعي :”جسدي وأنا”.عنوان مذهل. يمتلك الجسد أشياء يفكر فيها أو يقولها غير منتمية بالضرورة إلى ذوق ساكنه، لكن أيُّهما يسكن الثاني؟ أعلم سبب انزعاج عدد معين من النقاد، لاسيما النساء. يقبع هذا السارد عند سطح في روما،مصغيا باهتمام إلى البابا الذي يتحدث عن البعث، لأنه ببساطة فقد بُعث المسيح.لذلك، أبان عن تأهُّب بهدف خوض سجال ساخن لأنه يلزمه التعبير عن فضول بخصوص إشكالية البعث :”هل تؤمنون بانبعاث الأجساد؟ آه،لا ! ألاتشعرون باستحقاق من هذا القبيل، وأنا بدوري لا. هل تشعرون بالانبعاث عبر جسدكم؟آه، ليس كذلك !سننتقل إلى تفكيك أكثر زخما يسكننا سلفا.إنكم لاترغبون في الانبعاث؟ “ثم يتجلى السؤال! غير أني، لاأطرحه حقا مادمت أواصل بناء على الكامن خلف هذا،بمعنى العرفانية”. إذن، أسلِّط الضوء على الإنجيل بحسب فيليب :”سعيد للغاية من يوجد قبل أن يتحدَّد ماضيا، مادام وجوده في الحاضر يضمر الماضي والمستقبل”. لاأقول بأنه يلزم انتظار الموت بورع قصد التطلّع، أبعد مايكون، نحو الانبعاث في يوم من الأيام؛ لكن الإشكال يطرح إن أبديتُ اهتماما لما يقوله جسدي وقد اتَّضح له بأني لست على مايرام نحوه كفاية،صحيح، إنَّه محقّ لذلك واجهني بمؤاخذات. لكن، في نفس الآن،يختبر الجسد حالة انبعاث راهنة،فورية،تخلق ارتباكا عميقا، مثلما أوضحته نصوص دُفنت بداية حقبتنا بين ثنايا مكان ما في مصر. مامعنى البعث فوريا؟ الغنوصية عند الإغريق تعني”معرفة”. قراءة مقطع من رواية”مسافرو الزمان” :” أنا صوت يرنُّ بهدوء، يسكن الصمت منذ البداية”. نستعيد في خضم هذا السياق تلك العهود الأولى لما اعتدنا على تسميته بعصرنا، حينما عثر بدويون صدفة على تلك المسودَّات في مصر سنة.1945 إذن، هذا النص بمثابة رواية صوتية، عكس توجُّه الرواية التسويقية، حيث نشاهد فيلما تتوالى صوره: ماكتبتُه مهيَّأ للسَّمع. أكتب من أجل الموسيقى والصوت، وليس لمجال السينما. ينزع أغلب الكتَّاب بجنون نحو بلورة ممكنات صناعة أفلام، كما الشأن مع آلان روب غرييه، ميشيل ويلبيك. حتما بدون جدوى !ماداموا لايثقون في كتاباتهم : يخسرون مبالغ مالية معتبرة،لاتخرج الأفلام إلى دور العرض،إنها بدون قيمة؛ مما يعني عدم تموقعهم بهدف الإصغاء حيث يلزمهم أن يكونوا،تحديدا داخل القصيدة :”إذا أجبت،هذا مالم تراه العين، ولم تسمعه الأذن،أو تلمسه اليد، ثم لم يرتق صوب الفؤاد الإنساني”. بهذا الصدد، يلزم الرجوع إلى هنري شارل بيش(4) .عبقري لن تصادف اسمه ضمن لائحة المعجم، كتب عملين أساسين لدى غاليمار حول الغنوصية، وكذا الغنوصية والزمان، ثم كتاب آخر رائع تطرق إلى فلسفة المانوية. أطروحة بيش بسيطة للغاية وروائية بكيفية مدهشة: “ليست الغنوصية مجرَّد وعي تتناوله الأنا في ذاته، لكنه تحوُّل جذري للأنا عبر هذا الوعي”.بلغة أخرى، هناك قراءة عرفانية : إذا قرأتُ بكثير من التركيز كي أغدو ماأقرأه، فأنا ضمن نطاق ثورة باطنية. هذا ماترويه رواية”مسافرو الزمان”.

ناتالي كروم :هي ”معركة روحية”؟
فيليب سوليرز : فعلا، مثلما أوضحت بين صفحات المتن، بوسعي نعت الأمر ب”معركة روحية”، تلميح لن يفهمه سوى أربعه أو خمسة أشخاص. عنوان استلهمه رامبو لديوانه”موسم في الجحيم” :” المعركة الروحية شرسة كذلك مثل معركة الأفراد”. يبحث الجميع بشكل محموم عن مسودتي رامبو”المطاردة الروحية”، وكذا ”المزيَّفون”الصادرتين بعد الحرب. إبَّان تلك الحقبة، بادر موريس نادو إلى توثيق النص، الذي عانى سابقا تزييفا فظَّا؛وحده أندريه بريتون وضع الأصبع على الخداع من خلال نص”جرم فادح”، لذلك يمكن أن يهدى له كتابي، لأنه يلزم التحلي بسمة التركيز والرجوع إلى سنة 1919، تحديدا أشعار لوتريامون داخل المكتبة الوطنية، كتابة هذه النصوص العظيمة مثلما الشأن مع بروتون ”نادجة”Nadjaأو”أركان”.Arcaneالسؤال الجوهري :نتحوَّل نتيجة تجربة معينة، تغدو ثوريا ويوجد عدد معين من النصوص الأساسية قصد مساعدتكَ.
ناتالي كروم: يكمن هذا البعد الزمني،في روايتكَ”مسافرو الزمان”.
فيليب سوليرز : يوجد هذا البعد فيما يتعلق بمعركة روحية دائمة، إنها حرب العصابات، لذلك استحضرتُ رمزية توماس إدوارد لورانس بفضل نص رائع تماما” فن حرب العصابات”، ائتمنني عليه بيير نافيل قبل موته. اشتغلت زوجته دينيس على ترجمة كلاوزفيتس بجانب هولدرلين باعتباره إحدى الشخصيات الكبيرة خلال القرن العشرين.هذا النص ذكيُّ على نحو مذهل.الخلاصة في كلمتين،أنت في صحراء، تقود محاربين غير منتظمين، بالمطلق أمِّيين،أفضل وضع بوسعهم تجسيده:هكذا، يطبِّقون حرفيا الأوامر التي يتلقونها.باختصار،يجعلون من الصحراء محيطا،يخوضون حربا فوق رمال لانهائية كما لو أنهم يركبون قَاربا ويتحاشون الهجمات الأمامية : يهاجمون ثم يتراجعون، ويكرِّرون ذلك ثم يتراجعون، يكمن الهدف في انتهاء العدو إلى تناول الحساء بسكِّين، صيغة رائعة ! ذات الاستراتيجية بالنسبة للكاتب :”دائما،تندلع حرب مع القصيدة”. مؤسف أنَّ كل الشعراء، مخدَّرين راهنا نتيجة البؤس المطلق لقصيدة العصر الحالي،واستسلامهم لمؤَلفاتهم الصغيرة، ترَّهات سلسلاتهم الصغيرة، أشعارهم الصغيرة.القصيدة عظيمة، هي معركة كبيرة !

ناتالي كروم: إنها حرب ضد السلعة،وكذا الاستعراض.
فيليب سوليرز : نعم، جلّ مايحدث يعكس نهاية القصيدة، ومعها الكائن الإنساني : تفريغه المستسلِم.أجازف بكلمة كبيرة، حين قولي بأنِّي أنجز روايات”ميتافيزيقية”.

ناتالي كروم: المقاومة من خلال الميتافيزيقا.

فيليب سوليرز : نعم ماذا نفعل هنا؟لماذا يوجد شيء ما بدل اللاشيء؟أن أصبح منذهلا باستمرار،غير ذلك أشعر بالسأم.إنها أسئلة حاضرة في كل مكان. مثلما يقول باسكال : ”أرى فقط سائرين أثناء النوم”.

ناتالي كروم: حسب هذا المعنى،بوسعنا التأكيد بأنِّ مجمل كتبكَ بلورت كتابا حربيا،وكتاب محاربٍ.

فيليب سوليرز : نعم، لذلك تتجلى قفزات وتراجعات. أهاجم، ويهاجمونني.الأمر عادي تماما. هذا يسلِّيك،لكني أقترف خطيئة في الصحافة، تحديدا مجلة ”لوفيغارو مادام”، هذا يرضيك؟طبعا، لا؟ وأنا،أيضا!أستحضر جملة كتبتها صحفية ربما اسمها فاليري غانس : ”لازال فيليب سوليرز منتشيا،مع مسافري الزمان”سألتمس من ناشري وصديقي كي ينجز دعاية كبيرة بناء على هذه الجملة الوحيدة ويكتبها بحروف عريضة :” فيليب سوليرز منتشيا دائما”، يوقِّع مقالة فيغارو مادام :”فيليب سوليرز منتشيا دائما،لكن مقابل دفاعه عن جسده إذا أمكنني القول،فالرأس غير متَّفق”.لاحظي هذا التمييز الرائع،وقد اكتسى طابعا خاصا يحيل جدا على لوفيغارو ! :”فليرفع أصبعه،من لم يذكر هذا الاعتذار إلى البيت”.هل يمكننا تخيُّل أين وصلنا ؟يلزم الإلحاح،لأني ألامس معطى معينا وصفتُه سابقا في رواية”النساء”،ترك أثرا معتبرا.بوسعنا تأويل هذا الرواية طويلا جدا،وقد كتبتها قبل خمس وعشرين سنة : لم تتجعَّد. بالتالي،تزداد نفوذا!

ناتالي كروم: هناك إشارة في رواية النساء عن النساء.
فيليب سوليرز :”ينتمي العالم إلى النساء.بمعنى الموت.بهذا الخصوص، الجميع يكذب”.نستعيد الموت،إذا أردتِ، مثلا عبر صفحات هذا الكتاب الرائع ل كلود لانزمان ”أرنب باتاغونيا” الذي قرأه أغلبنا.سنلاحظ كيفية حديث ذاك الفارس حول حقيقة الموت،ثم معنى قوة الإنكار قياسا لما حدث له عندما أنجز فيلمه عن الهولوكوست.

ناتالي كروم: سنعود إلى الغنوصية. هذه الطريقة كي تنتشل الذات من التسلسل الزمني،وكذا ما يسمى بزمن الأجيال.
فيليب سوليرز : ”البيو- سلطة” ،بمعنى الزمن البيولوجي. ستوثق ذلك في يوم من الأيام على قبرك : تاريخ الولادة وكذا الوفاة. يسهر المجتمع والأسر على تحقيق ذلك وفق هذا الترتيب.

ناتالي كروم: طريقة تدرج الحضور حسب التقويم النيتشوي.
فيليب سوليرز : لقد لاحظتِ بأنَّ أصدقائي الذين أنجزوا هذا الفيلم وضعوا بشكل خفيٍّ جدا في النهاية أرقاما رومانية تشير إلى سنة(cxxi)121 .لماذا؟لأني أستعيد التقويم النيتشوي، منذ روايتي ”حياة إلهية”،في إطار خطوة طموح مفرط،لكني أقرُّ،بوضع تقويم جديد انطلاقا من إضاءته يوم 30شتنبر 1988 ، وأوضحت هذا بتفصيل بين فقرات حياة إلهية.ماذا يعني ذلك ؟الأمر بسيط جدا.يتبنى الجميع التقويم المسيحي،الذي أصبح اقتصاديا-سياسيا،بكيفية استثنائية،بحيث لايمكنني حاليا التوقيع على صفقة مالية وفق تاريخ آخر غير 2009 ،وإلا افتقد التوقيع المصداقية المطلوبة. حين الاندراج ضمن إطار هذا التأريخ،فأنت مجبر على الامتثال لعدد معين من التأويلات.تقويم مسيحي بالنسبة للعالم قاطبة،والحال أن الأفراد مسيحيون بنسبة تقارب واحدا على ثلاثة أو أربعة ضمن آخرين،ها أنا أعتقد بأنَّنا في زمن.121

ناتالي كروم: هل يمكننا تناول الأماكن في هذا الكتاب؟فعليا،يكمن بعد الزمن، لكن أيضا الفضاء الخارجي،نصادفكَ عبر أمكنة مثلما الشأن بالنسبة للدائرة السابعة في باريس.
فيليب سوليرز : الدائرة السابعة،وحدة مكان،بل أضيف بأنه يبقى واحدا في نهاية المطاف.أتجوَّل في عين المكان،ثم أذهب لانجاز عملي داخل دار غاليمار،إلخ، وفجأة، تغدو فكرة وحدة المكان في التَّبلور،تدوِّي وتنفتح على تعددية الزمان. التاريخ هنا،فضولي جدا، ممتلئ بأشخاص متناقضين، ولحسن الحظ وُجدوا هنا، وضع شَكَّل باستمرار مذهب”ميثاق مع الفكر” لغاستون غاليمار، معطى أعتبره روائيا بكيفية مدهشة. عجيب أن نرى هنا أشخاصا عابرين يتنفَّسون، بل ولا يتبادلون التحية، كانوا أعداء وأحيانا يطلقون النار على بعضهم البعض،كما يقول مورياك :”حينما انتهت الحرب،اندلع الصراع من أجل السلطة،ثم أيضا بين مالرو و أراغون، بخصوص من سيبادر الأول إلى إعدام الثاني”. بوسعنا قراءة ذلك مثل وقائع، اختبرها عدد معين من الأشخاص،مثل جورج باطاي الذي أضمرُ له تقديرا كبيرا، فقد عاش هذا التواصل،قرأ هذه الكتب، أحاط بما جرى، في إطار حسٍّ روائي للغاية.وألحُّ على أنه لم تبق سوى خمسة نماذج لمجموعات لوتريامون الشعرية، و لاأدري كم يلزم من الوقت حتى نكتشف في هذا الشارع الصغير، عرض نماذج عن ”موسم في الجحيم” (رامبو)،الصادر من طرف التحالف الطباعي الجامعي في بروكسيل، للبيع بفرنك.بالتالي، يلزم التخفيف من غلوِّ الخطاب السائد : توجُّه السوق ليس بالضرورة على صواب.
ناتالي كروم: هل شَغَل لوتريامون ورامبو ضمن روايتكَ ”مسافرو الزمان”، موقعا استثنائيا إلى حد ما؟

فيليب سوليرز :حتما، لأنه في نهاية المطاف، لم نحقِّق تقدما بخطوة منذ ترسُّخ سياق هذه السنوات الغريبة جدا.
ناتالي كروم: ماذا تعني بقولكَ ”لم نحقّق تقدما بخطوة ؟”

فيليب سوليرز : لم أر أيَّ جديد – إذا تناولنا الأدب الفرنكفوني- يمكننا مماثلته بمستوى تلك النصوص.لقد التمستِ مني أن أسرد لكِ عشرة عناوين تحدِّد كتبي المفضَّلة، سؤال طرح لدي إشكالية ثم تساءلت بخصوص مابوسعي قوله : هوميروس، الإنجيل،دون إغلاق اللائحة. إذن، أجيب بأنِّي لن أستشهد سوى بعشرة كتَّاب فرنسيين : باسكال، سان سيمون، فولتير، شاتوبريان، بودلير، لوتريامون، رامبو، بروست، بروتون (بيان السوريالية) وكذا سيلين (دنيا الخيال لوقت لاحق).ستقولين لايوجد أجانب ضمنهم، نعم، أو بالأحرى يوجدون، فهم جميعا أجانب بالنسبة إلينا، مادمنا نحن الغرباء قياسا إليهم.

ناتالي كروم: لماذا هذا الاختيار؟ كنتُ فعليا أترقَّب إشارتكَ إلى اسم دانتي.
فيليب سوليرز :لا. أعتقد بأنَّه في خضم الاضطراب الذي يعيشه الفرنسيون منذ أمد بعيد،فليسوا جديرين بذواتهم، وكذا ماضيهم ثم الحاضر والمستقبل؛ ومن يجهل ماضيه لايمكنه أن يكون في المستقبل، يلزم تذكيرهم بهذه الأشياء الكبيرة. إذن، لم استشهد سوى بأسماء فرنسية ! ثم أكتب أولا العبارة التالية بالفرنسية :”أنا أيضا فرنسي”(i am too french) مثلما يقول الأمريكيون.
ناتالي كروم: خلال الآن نفسه،وفي لقاء سابق،عرَّفت نفسكَ باعتباركَ كاتبا أوروبيا من أصل فرنسي.
فيليب سوليرز : نعم، أنا حريص على ذلك كثيرا : من أصل فرنسي لكن أوروبي أولا.فقط أوروبا ليست بخير. ثم أعلنت فرنسا عن نفسها مثل بلد بئيس داخل أوروبا، بينما يلزمها أن تكون عاصمة أوروبا. إنها كراهية الذات، الشعور بالذَّنب، فالأمر مريع.

ناتالي كروم: لكن فكرة أن تكون كاتبا ”أوروبيا من أصل فرنسي”،فما سبب انعدام السعي نحو العالمية؟
فيليب سوليرز :لاأحبُّ كلمة”عالمي”، وأرغب في التوضيح بأنَّ المثقفين لايأبهون تماما بأوروبا ! بالنسبة إليهم كل شيء يمضي في الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأمريكية ! بينما هناك إيطاليا، إسبانيا، ألمانيا. بلا ريب،تقدِّم أيضا أوروبا حياة رائعة.

ناتالي كروم: وددتُ حينما سألتكَ بخصوص عشرة عناوين لكتبكَ المفضَّلة، أن تستحضر بين طيَّاتها أسماء عشرة كتَّاب أوروبيين.
فيليب سوليرز :ارتباطا بالسياق المعاصر؟

ناتالي كروم: لا، ضمن صفحات روايتكَ”مسافرو الزمان”.
فيليب سوليرز : آه،سيكون سريعا،سنتناول الكبار. عندما يحضر اسم شكسبير، فأنت حيال الأدب الانجليزي، حين الإشارة إلى دانتي، فالأمر يتعلَّق بالأدب الايطالي، أما عن سيرفانتس فالإحالة مباشرة صوب الأدب الاسباني، إلخ.بينما يختلف كثيرا الوضع الفرنسي عن باقي البلدان الأوروبية. يبدو الأدب الفرنسي، من بعيد جدا، الأكثر انتشارا،تناقضا ثم ثراء. يوجد مؤسِّس في باقي الجغرافيات؛ لكن في فرنسا، إذا ورد اسم مونتين، تتم الإحالة أيضا على شيء ثان. لذلك، يزعج هذا السؤال ويلزم انبثاق الجواب ضمن الصورة، لأنه دقيق للغاية، معقَّد جدا، متضارب كثيرا، مفارق بما يكفي : فلا يمكننا أن نحب ماركيز دي ساد وجاك بنين بوسويه، أو ساد وباسكال.الخجل بأن تكون فرنسيا،تفسره بسهولة مبررات تاريخية متمركزة حول الثورة الفرنسية. هناك ذنب فظيع أو ما أنعته ب”إعلانات من خلال الجثث”.بالنسبة للعصر الحديث، تحديدا سنة 1940 ، حكومة فيشي، مضمار سباق الدراجات في باريس، الفاشية، التعاون،ثم الاتفاق، الذي لايتحمل قط تسمية ”الجرمانية-السوفياتية”، بل”الستالينية- النازية”. بعد ذلك، جاءت حرب الجزائر، التي كان يحظر وصفها بحرب لأنها مجرَّد سعي ل’الحفاظ على النظام”، لقد قضيتُ شهورا داخل المستشفيات العسكرية، لذلك أدرك حيثيات موضوع كلامي، ثم 1968 الشبح الذي يلزم التخلص منه. فرنسا بلد استمر شعوره بالخزي نحو نفسه وعندما يُقال له : ”لاتستحق عظماء كُتَّابكَ، ولاتستحق الوجود من جراء كونكَ ضعيفا”، مايسمه بودلير دكتاتورية الضعفاء. الفرنسيون ليسوا سعداء، حسنا، لايهمّ !

ناتالي كروم: هل تحسُّ بالعزلة؟
فيليب سوليرز : أبدا !جميع الأموات هنا،يتواجد حشد يلتمس المساعدة، يحضرون كل ليل،مثل هاملت! لاأملكُ وقتا أخصِّصه لأحياء مرضى، يغدو حينها الأموات في خطر كبير :”يشعر الأموات، المساكين بكثير من الآلام”، مثلما يقول بودلير بشكل مثير للإعجاب.لايمكنكِ تصور مدى تأثير مختلف هذه الأصوات.لست أبدا وحيدا،بل أعيش تضامنا من لدن خزانتي بأكملها.
ناتالي كروم: بما أنَّ الحضور متعدِّد داخل القاعة هذه الأمسية، أقترح على الجميع تناول الكلمة لمن أراد طرح سؤال على فيليب سوليرز.

جوزيان سافينو : أحبُّ إبداء ملاحظة قبل طرح سؤالين. أريد الإدلاء بإقرار جيِّد حول وظيفة تتعرض كثيرا للاستخفاف- أحيانا عن صواب- كما الشأن بالنسبة لوظيفتي : أقصد تحديدا الصحافة الأدبية. هكذا، اتضح إلي أنه قصد قراءة رواية”مسافرو الزمان” ثم تدبيج نقد ذكيٍّ حولها ، فيلزمني قبل ذلك التحلِّي بعشق الأدب وامتلاك حسِّ سمع موسيقي.والحال،يوم إصدار العمل، توالت تأويلات نقدية إيجابية من طرف أهم النقاد المعاصرين مثل ناتالي كروم وميشيل كريبو، الحاضريْن هذه الأمسية، ثم الغائب فيليب لانسون وكذا مارك لامبرون؛ أسماء تدرك حقا معنى القراءة.حدث التئام معين لايتشكَّل دائما؛ أحبَّ فيليب لانسون محاورة فيليب سوليرس بين الفينة والأخرى على صفحات جريدة ليبراسيون،لقد استند شيئا ما إلى اختيار دقيق حينما تبنى عنوانا لهذا الحوار ”سوليرز،نبيذ معتَّق 2009”. طبعا، توالت بعد ذلك أوراق سخيفة، غير ذات أهمية :في العمق، أصحابها أشخاص لايعرفون موضوع حديثهم ويوجد هذا الصنف باستمرار.قيل عن الرواية في مجلة” كتب إيبدو”بأنها انصبت على نوع من التوثيق لمرتكزاتكَ. تقييم أعتبره صائبا. شخصيا، تبيَّنتُ هذا العمل مثل صيغة استعادت الزمان ثانية – بغير الإحالة على بروست- وطريقة وظفها سوليرز كي يبلور تجمُّعا، ويكرِّس الصلة بين مختلف ما أنجزته سابقا،سواء مع رواية”الفردوس”أو نصوص أخرى صُنِّفت على أنها طليعية بامتياز،وكذلك نص ”ستوديو”،حيث تحقق هذا الموعد صحبة هولدرلين و رامبو.فهل حكمت سوليرز إرادة شاملة؟المنحى الثاني، يحضر جدا بين طيات مشروع سوليرز، يهمني بهذا الصدد النقد الاجتماعي، ولم تقاربه حقا مداخلات ناتالي كروم؟

فيليب سوليرز : قصد الإجابة على السؤال الأول، أعتقد بأني أحفر بعمق ضمن نطاق نفس الرواسب. المدهش،كوني أدركتُ الرواسب عن ظهر قلب، جيولوجيا، تاريخيا، أدبيا، فلسفيا، أتقبَّل تحدِّي كل قراءة، ثم حين النَّبش، أكتشف شيئا جديدا. هذا السؤال يثير اهتمامي : لماذا مجموع معين من النصوص، ليست بالضرورة دينية- أمكن الإنجيل،البقاء طويلا، ثم جاء التلمود لتأكيد المنحى – لكنها نصوص ذات أهمية كما الشأن مع دانتي أو هولدرلين، غير قابلة للنُّضوب؟ لقد اشتريتُ عشر طبعات من المجموعة الشعرية ”إشراقات” (بودلير) حسب طبعات مختلفة،وأعتقد بأنه يمكنني ولوج الجوهري تقريبا.كتبت إحدى الصحفيات على صفحات مجلة ليكسبريس،المنبر الذي احتضنني بشكل اعتيادي: “وردت إشارات قوية،حول رامبو،تمنحنا إمكانية الاستغناء عن إعادة قراءة فصل من أشعار الجحيم أو إشراقات”،مذهل. لماذا؟ لأنَّ المجلة نفسها باشرت دعاية كبيرة لكتاب جان جاك لوفرير عن رامبو، الذي بعث لي فيما مضى رسالة تهنئة بخصوص منجزي حول لوتريامون و رامبو- على الأقل هو باحث متخصِّص- لكن،بما أنه حظي بتناول جيد في ليكسبريس،فلا ينطوي الأمر على مبالغة، وبوسعه كتابة رسالة تقويم.أما عن السؤال الثاني حول النقد الاجتماعي، فلن أتوقف عنده كثيرا.يظن البعض بؤس فكرة أنَّ المجتمع يفرض نفسه،بحيث يمكننا إصلاحه، بل تثويره، لكنه صار حاليا إلها. يؤكِّد مقياس هذا النقد على تصميم الفرد بالمطلق من طرف المجتمع :ينشأ الفرد مجتمعيا،يعيش مجتمعيا،يشتغل مجتمعيا، يموت مجتمعيا.منظور،كما لو يسعى نحو جعل الكون معسكرا للمراقبة، مثلما الوضع الجاري حاليا : كل شيء مجتمعي.أفق استشرفه جورج أورويل،لكن قصد تبيان خلفيات الفكرة، ينبغي الذهاب بعيدا، واستدعاء تحليلات أخرى : البيو- سلطة مثلا، إعادة إنتاج النوع،التقنية.جملة نظريات بصدد التراكم.ما الحرية قياسا إلى كل هذا الانغلاق؟ السؤال الصغير الذي أطرحه،لاسيما على مستوى قدرة القراءة،لأنه استبداد مثير للريبة بصدد التكرُّس مبدئيا: لاحظنا مفعول ذلك مع سلمان رشدي مثلا وفق أشكال بشعة.مع ذلك،ليس الأهم الرقابة الدائمة،بل أخرى تتَّسم بمكرها ونعومتها،أو ما اصطلحت عليه ب”خلق الالتباس”. بالتالي،كيف تودُّون استمرار التمسُّك بالجوهري حينما تكون أمام ستمائة كتاب ودعاية جامحة بخصوص كتَّاب سيغمرهم النسيان سريعا جدا أو كتَّاب أنغلوساكسونيين لن يلتفت إليهم أحد خلال سنتين؟بوسع الأزمة أن تشهد استحقاقا عندما تفضي إلى عاصفة،مبيعات سيئة للكتب ثم غباء شامل؛هكذا تجلت المعطيات كذلك عام 1870،مع رامبو و لوتريامون.عموما، صدر كتابي خلال شهر يناير،ولحسن حظي،أرواغ،وعما قريب سنصير نحو الأسوأ.

جوزيان سافينو :أودُّ تقديم هوية السيدة التي ستتناول الكلمة.تسمى تيري سودور، ناقشت مؤخرا أطروحة حقا مثيرة للاهتمام حول رواية سوليرز”الفردوس”،مع ثناء لجنة المناقشة،وأتمنى أن تخرج هذه الأطروحة ذات يوم إلى عموم الجمهور،بالنسبة لمن قرأوا هذا العمل الروائي الذين انسابوا خلف الموسيقى،الأنغام،لكنهم لم يفهموا حقا مختلف الإشارات التي نجحت تيري سودور في تفكيك رموزها.
تيري سودور : أرغب في استحضار اسم جاك هنريك الذي تكلم عن أوديسة ويتجه ذهني نحو أوليسUlysse،حيث يذهب بين فترة وأخرى،كي يزور الأموات لاسيما أبيه لارتيس؛ثم جاء الحديث عن هاملت الذي لن يذهب للبحث عن الأموات،بل الأموات من سعوا إلى البحث عنه.أتساءل،في خضمِّ القراءة،إن كنت من يبادر للبحث عن كتَّاب أو بالعكس هم من يأتون عندكَ؟بمعنى ثان،هل توفرت لكَ كتب بمحض الصدفة بخصوص تطوير سرديات روايتكَ”مسافرو الزمان”أو قرأتَ بطريقة تقريبا موسوعية ولم تبحث عنها ؟هل ذهبت إليها أو هي من شدَّت الرحيل إليكَ؟ ربما يسلك الأمر الوجهتين؟
فيليب سوليرز : الاثنان.صحيح أنِّي أبحث طيلة الوقت عن ملاحظة جوهرية يُتَوافق حولها هنا أو هناك؛مسألة صادفتها عند كافكا مثلا،فنادرا مايُظْهر تناقضا مفرطا حيال مختلف الصور التي ارتبطت به.أحاول ”إزالة الرواسب”،مفهوم استعمله دانتي،وبقايا الأنظمة الدينية.سعي يقتضي صبرا كبيرا دون تجلي ذلك.أذهب صوبها لأنه يستحيل القيام بخلاف ذلك.هكذا،يتبلور الأمر وليس بطريقة أخرى،وإلا فهناك فقط تبذير للوقت.مذهل،أن نقرأ إبداعا للمرة مائة وخمسين ألف مرة ثم نكتشفه جديدا،إحساس يبعث عندي إشارة.بوسعي أيضا وفق نفس المستوى،القول بأنَّ معطى جديدا،ينزع نحوي قد بلوره هذا المسافر أو ذاك.إذن،بقدر تحقيق تطورات شخصية،أصبح قريبا جدا من الملاحظة الجوهرية،وبالفعل أمتلك محاورين.هناك رسالة رفيعة كتبها ميكيافليي،حيث لاشيء على مايرام خلال فترة نفيه إلى فلورنسا،لكن ليس مثل دانتي،الصادر في حقه حكم الموت،ثم انكبَّ على هيكلة فصول عمله”الكوميديا الإلهية”في خضم قرار إعدامه،فهل يوجد أكثر روائية من صنيع بهذه الكيفية؟يعود ميكيافيلي مساء إلى منزله،بعد أن قضى يومه وسط الغابات وكذا أعمال الفلاحة،ثم يبدأ نقاشا مع أرسطو. وُجد أفراد من هذه العيِّنة طيلة آلاف السنين؛مثل اليهود الذين قرأوا التوراة،فقد كانوا على صواب،لأنَّ ذلك يتيح إمكانية الصمود !

جوزيان سافينو : ألاحظ كتابا آخر أمام ناتالي كروم،عنوانه ”وقت رائع كبير”،هل بوسعكَ أن تقول لنا كلمة بخصوص مضمونه؟

فيليب سوليرز : الكاتب شخص شاب يسمى غيوم الصغير،شرع بغتة دون أن يلتمس منه أحد شيئا،يتصفَّح نصوصي كي يستخلص منها مضامين هذا العمل.يبلغ الشاب ثلاثين سنة،يسكن مدينة روان،عاطل عن العمل،لايتطلع قط نحو حياة ”مجتمعية”،شخص غير مجتمعي،يرفض الاشتغال على إنتاج يتضمن طابعا ”مجتمعيا”:لقد أنجز عكس ذلك تماما،وحدث أن أخرج عمله إلى القارئ.تنطبق على هذا الشاب،ماوصفه ستاندال بالقارئ المتطوِّع مثلما أحال عليه باستمرار،لاسيما من خلال تقديم لوسيان لوين”أيها القارئ المتطوِّع”،هكذا انتهت رواية ستاندال”دير مدينة بارما ”،بالنداء التالي :”أقلِّية هم السعداء”.
ناتالي كروم :جزيل الشكر فيليب سوليرز.
مرجع الحوار:
• Nathalie Crom : Philippe Sollers. Entretien avec Nathalie Crom ; éditions de la Bibliothèque publique d’information.2010. pp :3-19.
• (1) بادر فيليب سوليرز صحبة جان ايديرن آليي (الأخير انسحب سنة 1962)إلى إصدار ضمن منشورات “سوي”وكذا الإشراف على مجلة ”تيل كيل”مابين سنوات(1960- 1982).وأعاد إصدارها ثانية تحت عنوان ”اللانهائي”،عند منشورات دينويل. شهر مارس 1960،اكتشف الجمهور العدد الأول لهذه المجلة،التي افتتحت صفحاتها بقولة نيتشه :”أريد العالم وأريده مثلما هو”.تبلورت المجلة كمشروع مناهض لتصور سارتر،بحيث توخَّت تخليص الكتابة من كل التزام سياسي.تبنَّت المجلة نصوص فيليب سوليرز،جوليا كريستيفا، مارسيلين بلينيت، لكن أيضا إبداعات كتَّاب شباب،وأسماء كبيرة مثل فيليب روث، ميلان كونديرا، فيرديناند سيلين.
(2)ستيفان مالارميه : قبر إدغار بو،1877،في كتاب بول فيرلين ”الشعراء الملعونين”.
(3)شارل بودلير : أعمال صادرة بعد الوفاة. ”مشروع مقدمة من أجل طبعة جديدة ماي 1908”.
(4)هنري شارل بيش(1902 -1986) ،مؤرخ أديان وأستاذ كرسي لتاريخ الأديان.