«مما يُكتب كُله، لا أحبُّ إلا ما كُتب بالدم؛ اكتب بالدم وستدرك أن الدم روح».
— فريدريش نيتشه –
خالد مصطفاوي
«المعرفة التي لا تمس الوجدان والتجربة الحيّة للمتعلم تظل معرفة ميتة، معلقة في الهوامش، ولا تسهم في بناء شخصيته الكلية». — جون ديوي –
لم تكن الفلسفة، في لحظة تكونها الأولى، نتاج عقول محايدة تُصنّف الوجود وتقيسه بمساطر التجريد البارد، بل كانت وليدة شغفٍ وجدانيّ يتـّقد في دواخل الذات، هذا الشغف هو الشرارة الإبستمولوجية الأولى التي تبعث روح التفلسف، باعتباره العاطفة المعرفية الخالصة التي تُحيل الفكرة من مقولة معلقة في أثير الصمت إلى كائن حيّ ينبض في الكيان؛ يذكّرنا سورين كيركغارد بأن «الفكر الذي ينفصل عن الشغف هو تجريد خاوٍ»، إذ لا تولد الحقيقة من الحياد البارد، بل من جسارة تُعاش بكل قلقها وحرارتها. من هنا، لا تُصنع الفلسفة بالتقنيات الصماء وحدها، بل أيضاً بالشرارة التي تدفع المرء ليخوض تجربة التفلسف بكيانه الكلي. غير أن التعليم الفلسفي المعاصر، في سعيه المفرط نحو التعقيم والنمذجة الصورية، قد همّش هذه الشعلة؛ حين توهم أن الصرامة المنهجية تقتضي إخصاء الشغف وتجريف الوجدان، فترتب عن ذلك درسٌ معقمٌ يُدرّب الطلاب على الكتابة الباردة بدلاً من أن يجعل أرواحهم تتأجج بالتساؤل الحارق. إن أي مراجعة حقيقية لبيداغوجيا الفلسفة اليوم لا يمكن أن تبدأ إلا باستعادة هذا الشغف المنسي؛ بوصفه الشرط الإنساني الذي يُنقذ فعل التفلسف من التكلس، ويُعيد للدرس الفلسفي قدرته على بناء المعنى وترميم الوجدان.
إن المفهوم الأصيل للكائن البشري يقتضي النظر إليه بوصفه وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة البتراء بين العقل والعاطفة. يعكس هذا المعنى البيت الخالد لزهير بن أبي سلمى: «لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ … فَلَمْ تَبْقَ إلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ». تُبرز هذه الرؤية أن التعبير الفكري الصريح (اللسان) لا يكتسب قيماً إنسانية أو معنى وجودياً إلا إذا استند إلى عمق انفعالي صادق (الفؤاد)؛ فإن تقزيم الطالب في صورة ميكانيزم ذهني يستوعب المفاهيم دون أن يتأثر بها يُحيل المعرفة إلى تجريد ميت. وكما يؤكد أرسطو: «إن الدهشة هي التي دفعت الناس للبدء في التفلسف»، مما يعني أن العقل لا يشتغل في فراغ، بل تحركه انفعالات الدهشة والذهول الأولى.
وفي سياق الحفر الإبستمولوجي لتاريخ الفكر، يكشف المؤرخ والفيلسوف” بيـير آدو “أن الفلسفة القديمة لم تكن يوماً تجميعاً نظرياً للمفاهيم أو تدريباً على السفسطة المقالية، بل كانت بالأساس “طريقة للحياة” وتمرناً روحياً يُغير طريقة رؤية الذات والعالم، و لم تكن الفلسفة القديمة عنده مجرد نمط فكري يراهن على تدريب الشباب ليصبحوا أساطين في المنطق الصوري، بل كانت اختياراً وجودياً وتحولاً شاملاً لطريقة رؤية العالم والعيش فيه، وهو قول ينسجم مع الرؤية الرواقية تحديدا مع سنيكا الذي أشار في رسائله إلى أن الفلسفة تشكيلٌ للذات وليست استعراضاً لفظياً فالفلسفة عنده ليست صنيعة جيدة تُعرض للجمهور، ولا هي حذلقة لفظية تُمارس على الملأ؛ إنها تبلور للروح وصياغة للحياة وتوجيهٌ للأفعال.
من هذا المنطلق، فإن تحويل درس الفلسفة إلى آليات نمطية للإجابة عن الامتحانات ينزع عن المادة قدرتها التحريرية ووظيفتها في بناء الكيان الوجودي للمتعلم.
تتعـزّز الدعوى لإعادة الوجدان إلى الفصل الدراسي بفلسفة الانفعال عند باروخ سبينوزا؛ إذ إن قوة التفكير عنده ترتبط مباشرة بقدرة الجسد والروح على التأثر والتأثير، موضحاً أن: «الانفعال لا يمكن أن يُحدَّ أو يُلغى إلا بانفعال نِديدٍ له أو أقوى منه».
وقد طوّر جيل “دولوز “هذا المعنى في تفسيره لفعل التفكير؛ إذ يرى في ما هي الفلسفة؟ أن الفكر لا ينطلق من قرار إرادي محايد، بل من صدمة تنقله من السكون إلى الفاعلية فهو يرى
اننا لا نفكر لأننا نريد ذلك، بل لأننا نُجبر على التفكير عبر لقاء صدمي مع شيءٍ ما يزعزع سكوننا ويستحث انفعالنا.
تؤكد هذه المرجعية أن المعرفة الفلسفية داخل الفصل لا تبدأ بتقديم التعريفات الصامتة، بل بخلق “لقاء انفعالي” يشحن وعي المتعلم ويستحثه على التفكير.
تتقاطع ايضا هذه الرؤية الفلسفية مع البيداغوجيا النقدية التي تُحذر من تحويل التعليم إلى “نموذج بنكي” يُفرغ التعلم من الشغف، ففي بيداغوجيا المقهورين يحذر المربي البرازيلي باولو فريري من هذا المسار بقوله: «التعليم الذي يُفرَغ من الشغف ويُحيل المتعلمين إلى أوعية تُملأ هو تعليم للتدجين، أما التعليم المحرِّر فهو الذي يبدأ من حب العالم وحب الناس والإحساس بقضاياهم».
وفي الممارسة التربوية المعاصرة، تؤكد الفيلسوفة ليز جاكسون في كتابها الأحاسيس: فلسفة التربية في المدارس على أن استبعاد الوجدانيات يُمثل خللاً تربوياً: «إن استبعاد المشاعر من التعليم الفلسفي والتربوي يُسقط عن المتعلمين إنسانيتهم؛ إذ لا يمكن لبناء الوعي الأكاديمي أن يكتمل في منأى عن الممارسات الوجدانية والاجتماعية».
لتنزيل هذا التصور داخل القاعة الدراسية وتحويله إلى ممارسة بيداغوجية حية، ينبغي إعادة تكييف سيرورة الدرس الفلسفي بهيكلتها وفق ثلاثة تمفصلات منهجية تتدرج بالمتعلم من الانفعال الأولي إلى التأسيس العقلاني المنظم. تبدأ هذه السيرورة بمرحلة «اللقاء الوجداني» (الصدمة)، وتتجسد ميدانياً من خلال تقديم وضعية مشكلة مستفزة، أو وضع المتعلم أمام نص، صورة فوتوغرافية، أو مشهد سينمائي يُثير القلق ويولد الدهشة، لتهدف هذه اللحظة بالأساس إلى إخراج المتعلم من حالة السكون المعرفي والانتقال به من موقف الحياد البارد إلى الانخراط العاطفي التام مع الإشكال الفلسفي. ثم تليها مرحلة «الحوار المستفز»، التي تعتمد إجرائياً على إدارة مساجلة توليدية تفكك التمثلات الجاهزة والبديهيات لدى المتعلم لتستدعي المفاهيم وتزن الحجج، حيث ينصب الهدف المعرفي والوجودي هنا على تحويل ذلك الانفعال الأولي والدهشة الخام إلى مفهوم منظم ومساءلة عقلانية نقدية تحمي الوجدان من الانفلات وتصوغ الشعور في قالب منطقي صارم. وتكتمل هذه السيرورة بمرحلة «الكتابة التأملية»، التي تنزل ميدانياً عبر مطالبة المتعلم بإنتاج مقالي أو نص تأملي أصيل يُعبر فيه عن موقفه الوجودي الذاتي تجاه القضية المطروحة؛ لِتتوج هذه اللحظة الدرس الفلسفي بصياغة موقف يزاوج بين تجربة الانفعال كخبرة ذاتية من جهة، وبين الصرامة والدقة اللغوية والحجاجية من جهة أخرى، فيكون المنتج النهائي شهادة حية على تعانق العاطفة مع الفكر.
إن الرهان الحقيقي لتدريس الفلسفة اليوم لا يكمن في حفظ النظريات الباردة، بل في إعادة إحياء الفلسفة بوصفها تجربة وجودية وحكمة عيش. إننا بحاجة إلى بيداغوجيا تُعيد للوجدان مقامه الإبستمولوجي بجانب اللسان، لترميم تصدعات الدرس الفلسفي وإعادة الروح إلى القاعة الدراسية.
*مفتش التربية الوطنية





