الكذب والسّرقة من وهم الفكر التنويري الماضويّ إلى واقع الفعل السّيميائيّ المُستقبليّ
محمّد خريّف*
وإذَا بالكَذب وغايَته السّرقة يبدو لفظا منبوذا بالقوّة منجزا بالفعل في القديم مع الفلسفة المثاليّة الايجابيّة لينقلب مفهوما سيميائيّا مع الفلسفة الواقعيّة السّلبانيّة الحديثة لا باعْتباره من تابوهات فلسفة التنوير التي تتعارض مع الفلسفة السلبانيّة المتذرّعة بأساليب التمرّد العلاماتيّ وإنما باعتباره تبشيرا بفتوحات المُحاكاة الساخرة العاصفة بجذوع المحاكاة في الفكر الفلسفيّ والأدب والفن ، ولا سيّما في الرواية السّلبانيّة وغيرها من علوم اللسان الممهّدة لظهور علم العلامة الحديث وهو علم يهفو إلى دراسة الكذب والسرقة باعتبارهما علامَتَيْن جديرتين بالتفكير الفلسفي المختلف ، بمنأى عن التأثّر بإجراءات النبْذ و الحمْد واكراهاتهما رغبة في فسحة انفلات منشود من قيْد المعنى القائم في الضمير الفرديّ والجماعيّ بترسّخات التسمية وتداولاتها اللفظية والمقاميّة.وإذا بالكذب فعل تسْمية زئبقيّ يحمل الدّلالة ونقيضها بما يُخوّل للإنسان اِرْتكاب الكذب وإنكاره عن نفسه الآن هنا مُجاراة لما تقتضيه حال واجب قول الحقّ ،ولا حقّ خارج علامة كبْرى هي علامة “الدّوكسا” وما تفرضه على متلقّيها من تفاعل يتراوح بين الإيجاب والسلب ،بين طاعة الخنوع ،وعقوق التمرّد ولو بالقول دون الفعل ، في مُحيط ثقافة تتذرّع في وهم انسجام لايدوم مع منظومة التسمية لتبني هيْكلا من العلامات الهشة الزائفة الزائلة من شأنه أن يُحوّل واقع المحيط الطبيعي ويمسخه بل يمحوه بصرامة نحو القيَم السائدة وبلاغتها الميّتة القائمة بالأساس على مبادئ قُدَّتْ بدورها من شتات العلامات الفارغة وغير الأساسيّة لتصلب بالجمع والمنع وتلين بالشّيوع والتفتت ،دأبها رفع راية الصدق وأداء الأمانة ،والرّاية علامة ،والعلامة”اعتباطيّة” في علم اللّسان الحديث :وهي اللفظ وسائر الإشارات الصوتيّة والمرئيّة في علم السّيمياء الحديث ومنها”الكلام” يقتنصها الوعي السّيميائيّ الحديث بكذبة العلامة وسرقتها،وهو وعي دقيق مترقّ، به تنقلب المفاهيم رأسا على عقب ،وإذا بخلافة الكلمة تنهار لتفسح المجال لامبرطورية العلامات التي هي من إمبراطورية الكذب والسرقة، بديل خلافة “الحق والأمانة” المنهارة ولاحق ولا أمانة خارج الخبر والإنشاء وأساليب البثّ والتقبّل ،وإذا بالكذب والسرقة فاعلان سيميائيّان نافذان في مجال البناء اللفظي وتفكيكه، وهل الفعل اللغويّ سوى اسم كاذب سارق بكذب علامات الطبيعة وسرقتها؟وهل الأرض لا تكذب كما كان يقول قيستاف تيبون Gustave Thibon(1) ،والحال أنّ الأرض باعتبارها كوكبا سيميائيّا لا يكذب ولا يصدق إلا بكذب المتحكم في العلامة وصدقه ؟و لعلّ كذب المتحكم وصدقه من كذب العلامة و صدقها ،وماصدقهاالاّ من كذبها، والأرض تصْنع العلامة والعلامة تصْنعها في منطق البيوسيمياء لا منطق واقعيّة الأرض وبالتالي فالأرض تكذب وتسرق ولا تصدق ولا تُؤْتَمن إلاّ في حكم النزوة وحنين العودة إلى الطبيعة الأمّ ورفع شعار الوطن والوطنيّة وغيرها من شعارات الايدولوجيا،وعلامات الأرض تعتريها عوامل الكذب والسّرقة بمنأى عن التقيّد بدوالّ الإسناد الأخلاقيّ ومدلولاته الاعتباطيّة الماحية بالتسمية و خداع الحواس ولعلّ ما يتوهّمه المرء صدق أرض ووفاء أرض يُماثل صدق الخرافة تأتي على لسان من نصدقه بعاطفة الأمومة أو معتقد الوجدان ، وما صدق العاطفة إلا كذب يسرق من المرء في لحظة مّا قدرته على التمييز بين الصدق والكذب والسرقة وأداء الأمانة ،وما الكذب والسرقة إلا سلوك ينمو ويزدهر بعدوى التماثل والاختلاف فالانسجام والمُفارقة،وهي عدوى يكون فيرسها منها وليس منها يصيب خبرها ليتسع فيغطّي الواقع ليُعرّي ويتعرّي ليُغطّيَ باللفظ واللفظ المضادّ وشبه اللفظ المماثل المفارق وما اللّفظ إلا اسم يَسِم ويمْحو فيُميّز ويخلط بل يخبط خبط عشواء ،والاسم علامة وعلامة مُضادّة،والعلامة تتعاضد مع العلامة وتتناحر لتنشئ بناء صُلْبا ليّنا بهياكل النحو التقعيديّ وتأويلات فقهائه وهو الواهم بالإفادة دون إفادة فتفكّك بُناه حُطاما علاماتيّا بمعاول اللاّنحو ،ودأب التفكيك النقص والزّيادة فالنقض ونقض النقض وهل النقص والزيادة سوى بوادر كذب وسرقة ؟ وهل الوعي بعامل النقص والزيادة سوى وعي سلبانيّ كان ولا يزال منبوذا في مُواجهة تيّار ايجابيّ موهوم محمود ؟،وما الوعي السّلبانيّ سوى يقْظة مُفارقة حديثة تُوقدها عيدان حُطام مُحاكاة ساخرة تعصف بجذوع المحاكاة في الرّواية التقليديّة بالتناصّ لتقصفها وتمسخها جسدا مختلفا شبيها ب “جسد” مسرح الرّعب والكلام المنفوث عند أرتو، وهل جسد الرّعب الفني سوى معول سيميائيّ لطيف يهدم بُنَى الصارم اللفظيّ و يخلخلها ليُحرّر علامتيّ الكذب والسرقة من تراكمات الترسيخ الاستعاريّ القائمة في الخطاب السائد باكراهات قِيَم الفكر التنويري الموروث وثقل تابوهاته المحرّمة للكذب والسرقة على الرّعيّة دون الرّاعي، بها يغدو النبْذ أو التّحريم حائلا دون تجاوز متاهات الفكر الفلسفيّ التقليديّ ورُقعه القائمة على أنقاض ما يبقى من تراكمات الفلسفات المثالية لأفلاطون وأرسطو وغيرهما ليتلقف أصداءها بتصرّف المريدون من الإخباريين ورواة التاريخ أمثال ابن خلدون في المقدمة وغيره :وهي فلسفات إن كانت ولا تزال تشهد لأصحابها ومريديهم بالحكمة والنبوغ وحوز ألقاب العلم المعرفة الفريدة من نوعها فإنّها في نظر فلاسفة الاختلاف المحدثين السلبانيين لها أن ترتكب الكذب والسّرقة من ناحية وتتبرّأ منهما من ناحية أخرى متمسكة بشعار الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه ، ومن الحق الالتزام بالصدق وأداء الأمانة في “طاعةالله” وأولي الأمر منهم”وغيرها من العبارات الجاهزة التي تعدّ من شروط الإيمان المقدّس بالصدق دون الباطل ، وكأنّ التمسك بقيمتي الصدق والوفاء “رهن تجاريّ” لا يمكن التفريط فيه بأية حال في حكم الفكر التنويري وما ينهض عليه حكم الديكتاتورية السياسية التي تكذب بالصدق وتسرق بالسرقة فتستثمر مقولات القيم النبيلة من أجل الهيمنة بالكذب والسرقة على الشعوب التي تكون ضحية الغباء الشعبي بفعل الإعلام الزائف في العصور الحديثة ،ومن القيم النبيلة القول المأثورة الموروثة عن أرسطو وصاغها ابن خلدون على طريقته ومنها القول إنّ”الإنسان مدني بالطبع نقيض قول حنة أرندت “إنّ الإنسان لا سياسيّ بالطبع(2) “أي “لا مدني بالطّبع” كما يصير الكذب عند كونستون غير الكذب عند كانط فالأول يقبله في حالات الضرورة والثاني يرفضه أو يدينه رافعا شعار الحق المطلق ،وما حجّة كونستون إلا مستلهمة من واقع التجربة اليوميّة للحكم النازي في فرنسا(زمن حكومة فيشي” وما تخلفه من جدل فلسفي حول الكذب السّياسي و نجاعته في اتقاء شر جنود النازية للإفلات من خطر الموت المحدق ،هكذا يستمر الجدل الفلسفي ونقده حول المسألة ليشمل كتابات أرندت وكواراي في الكذب ولاسيما الكذب السياسي في تدبير شؤون العالم وتحويله تحويلا يستجيب لنزوات الكاذب السياسي الفاعل البرقماتي المستفبليّ الضروري لازدهار العمران البشري وتوسعاته الامبريالية خلافا لما تدعيه فلسفة التنوير القائلة بالكذب القديم الذي هو غير الكذب الحديث وتابعه السرقة الحديثة والكاذب السياسي الحديث” حسب أرندت “فاعل بطبعه”(3) وهو يقول ما لم يكن لأنه يريد أن تكون الأشياء مختلفة عما تكون” أي أنه يريد أن يغيّر العالم- بعبارة أخرى يريد أن يُغيّر قدرتنا على الكذب (3)وفي هذا تحوّل لافت في مفاهيم الكذب والسرقة يحمل لواءه ارتدت و كواراي ودرّيدا وغيرهم من السيميائيين في الغرب في غياب الاهتمام الفلسفي والسيميائيّ في الثقافة العربيّة الإسلاميّة على امتداد القرون ممّا يُثير السؤال حول ما يدور في المنابر الخاصة والعامة ، ولاسيما منابر العبادة من نبذ الكذب والسرقة وحمد الصدق وأداء الأمانة وغيرها من مفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية في المنابر السّياسية ،لكن مع ذلك هل من تمرّد علاماتيّ في ثقافة الهامش الأدبي عند العرب في سرد الخبر لاسيما في المثل والنادرة فالمقامة والقصة والرواية؟.
1-2-3 ـJacques Derrida, Histoire du mensonge e; éditions L’HERNE .Paris 2005(pp-94-101 -103)
*ناقد من تونس





