فاطمة محمود سعدالله – تونس
تمهيد
بسمة الشوالي قاصة مختلفة وحرفها له عطر مميّز. تضطلع برسالة الخطاب السردي الحداثي على أحسن وجه فبوّأها مكانة لافتة ويُشهدُ لكتاباتها بطابع القدرة الفائقة على التبليغ بأجمل الأساليب التي أثثتها بالتشويق ورصعتها بأجمل الصور. لغتها مشفرة تستفز المتلقي وتدعوه إلى تجميع ما تفرّق وإعادة تركيب صورة ساهم في بنائها وتذوق ما التمع من آيات الجمال بين سطر وسطر وفكّ رموز ما دسته من شيفرات بين مقصد وإيماءة أو تلميح حتى لا يكون القارئ مجرد وعاء يفرغ فيه الباث ما لديه من بوح بل إن القاصة بسمة الشوالي تؤمن بما للمتلقي من قدرات على الاستيعاب ومشاركة قلمها التحليق في فضاء سردىٍّ رصّعته بشعريّة لغويّة عالية الجودة. هذا ما تبينته من خلال اطلاعي على بعض إبداعاتها المختلفة ولكني سأحاول استنطاق قصة ” اللص ” لعلها تجود بكنوزها المخبوءة.
العنوان / اللص
ورد العنوان لفظا مفردا معرّفا بالألف واللام تحديدا له وانتقاء. هو لص معيّن دون غيره وهو معروف نأت به عن التنكير والإبهام. عرفته عن قصد وحددته لتقول لنا أنتم تعرفونه لو التفتّم حولكم ستتضح لكم ملامحه. هو في المكان والزمان حاضر واضح المعالم. ورغم اتفاق المعاجم في تعريف اللص ب / السارق (معجم المعاني وقاموس لسان العرب) مثلا فإن ّ اللص يختلف عن المختلس الذي يسرق خفية ويتستر بالظلام مثلا فاللص يسرق عنوة وجهرا دون خوف أو لجوء إلى التستر. وما أكثر هذا الصنف على أيامنا. بل لقد سنوا قوانين تجعل السرقة مبررة ومشروعة. العنوان إذن يبدو مكتنزا بالإيحاءات منفتحا على التأويل ويدعو المتلقي بإلحاح أن يتساءل ويبحث بل ويتتبعه ليكشفه.. فمن هو؟، ماذا سرق؟ ومن الضحية؟ من هنا كسبت الكاتبة رهان التشويق وإغواء القارئ بالمتابعة للقبض على ما يريده المتن.
تندرج هذه القصة ضمن ما اصطلح عليه بالأدب الوجيز فهي في نظري قصة قصيرة جدا لأنها استجابت لكل خصائصها وشروطها المتفق عليها بدْءًا بالعنوان واختتاما بالقفلة النهائية. وضعت الكثير من المقاييس والشروط للقصة القصيرة جدا يمكن أن أشير إلى أهمها. فهي جنس أدبي سردي يقوم على أركان جوهرية أهمها: الثنائية والمفارقة وتتمثل في وجود عالمين متقابليْن أو حالتيْن تقومان على التضاد والتقابل. كالحلم واليقظة أو تبنى على المعنى وضده إلى غير ذلك مما تتسع له الصور الحقيقية أو المجازية. كما يتطلب هذا النوع من القص التكثيف واجتناب الشرح والتفصيل مع انزياح المعنى والقصد إلى الإدهاش والمباغتة النهائية دون نسيان الاتكاء على التلميح والرمز الخاطف واللغة المحفزة للمتلقي على التفكير والبحث. والمتتبع للقصة القصيرة جدا ” اللص” للكاتبة بسمة الشوالي سيتبين ذلك فهي قد أولت قصتها أقصى العناية منذ العنوان فهو لبنة مستقلة بتركيبه اللفظي عما ورد في النص من مفردات إذ لم يتكرر لفظا ولا اشتقاقا ولم يكشف مضمون النص بل تركت للمتلقي حق الاكتشاف ومتعته كما لم تغفل عما يتطلبه العنوان من علاقة مع الحبكة في المتن والنهاية المدهشة. وكما اعتنت بالعنوان وضمنت له الاستقلالية فإنها لم تغفل عن أهم ركيزة من ركائز المتن وهي:
ـ المفارقة/ الثنائيّة: بالعودة إلى مضمون الق.ق.ج ” اللص” سنجد أنها بنيت على مفارقة بيْن طرفيْن متقابليْن هما الشخصيّتان اللتان نُسِجتْ حوْلهما الأحداث٠ولعلّ الكاتبة قصدت إلى نسج الأحداث ببراعة. وتبدو براعة الكاتبة في تحريرها لهما من ثقل الاسم والملامح الفيزيولوجية فساهم ذلك في تحويلهما إلى نموذجيْن أوسع من حدود شخصيّتيْن في قصة.

حررتهما من ثقل الاسم والملامح الفيزيولوجية والعمر والانتماء الاجتماعي واكتفت بتحديد الجنس، هو ( الوسيم) وهي (تشكو الوحدة. إذا نحن أمام شخصيتين يلفهما بعض الغموض المقصود. فالكاتبة حريصة على الإيفاء بشروط القصة القصيرة جدا وبالتالي الاقتصاد في التصريح ضروري والتلميح واجب ولغة الرمز أفضل مطيّة لقص مشوق. شخصيتا هذه الق.ق.ج هما أوسع من أن يحدهما الجسد أو المكان أو الزمان إذ نجحت الكاتبة في تقديم أطروحات متقابلة ومدروسة فهما الأخذ والعطاء وهما الإقبال والإدبار وهما العطش والارتواء .هما أقرب إلى سلوكيْن أخلاقيّيْن مختلفيْن تماما لكنهما سائدان في مجتمعنا. ودون هذه المفارقة لا تنجح القصة القصيرة جدا. كما أن من أسسها:
ــ الإدهاش وهو تحويل العادي إلى غير عادي وهو البعد عن المألوف من الأشياء. ولعل بسمة الشوالي اتبعت هذا المسار منذ تأطير قصتها إذ افتتحتها بالإطار الزماني الذي وظفت لتقديمه أسلوب التشخيص فهو ليس مساء عاديا يخيم على الكون بظلامه بل هو ” مساء على حرف الغروب يقشّر حبّة برتقال شهية” وفي هذا الإطار من الرمز والتلميح ما يدهش فأي رسام سيغفل عن هذا الطيف البرتقالي في تلوين لوحة مسائية؟؟ كما أنّ المكان لم يكن أقلّ نبضا وإدهاشا من شريكه في هذا التأطير العجائبي الذي يزخر به السرد التعبيري فهو “جنة وارفة وأخرى تفتح شباك وحدتها.. في محطة النقل العمومي” إطار تأرجح بين الواقع واللاواقع رغبة من الكاتبة في الإدهاش دون أن تغفل الهدف النقدي لبعض المظاهر السلبية في قطاع المواصلات العمومية بالذات. نشتم رائحة الحياة والأحياء.. الانتظار وما يتبعه.. الثعالب المتنمرة والكروم المتدلية وقد حان قطافها.. والرغبة في الصيد من كل الأطراف. كل ذلك دون أن تقع الكاتبة في لغة التصريح الفج والتقرير والمباشرة أو الإغراب الملغز … هي تنتظر وهو ينتظر ولكن مع اختلاف المُنْتَظَر.. هي تتمني ” أن تروق له” فتخرج من وحدتها ولو بلقاء عابر في محطة الحافلة وهو ” يشتهى ارتشاف عصير البرتقالة” والارتواء قبل أن يرميَ القشر في قارعة طريق زلقة”. ومن هنا نلاحظ أن القضية المطروحة مألوفة في مضمونها فالرجل “الوسيم” يرغب في” الأنثى” لا المرأة يشتهي الجسد ترويه عصارته ويرمي القشر في حين أنها كانت تنتظر من يعشقها فتروق له. لكن المدهش في هذه القصة القصيرة جدا أنها قدمت الحدث بأسلوب مغاير عن المألوف. غرست الحدث في تربة الواقع لكنها مكنته من جناحين يحلق بهما في عالم الجمال والإدهاش والحداثة. كما أن الكاتبة نجحت في عرض هذه الأحداث باعتماد الحذف وتشذيب الزوائد مما حقق لها التكثيف في أعلى درجاته وأجملها. لم تغرق في الوصف ولم تطنب في سرد الأحداث وإنما اكتفت بالتماعاتٍ خاطفة تحرك الذهن وتدعوه إلى البحث ومتعة المشاركة في القنص. تخفف السرد من كل ما يمكن أن يثقله دون أن تتحوّل القصة إلى لوحة سريالية مبهمة. ولعل الكاتبة قصدت إلى جعل هذه اللوحة المنتقاة من الواقع موقفا نقديا وربما ساخرا من الإنسان “المستذئب” الذي يرى في المرأة فريسة تشبع جوعه وكذلك من المرأة “الفراشة” التي تبحث عن الأنس وإن كان سيحرقها نوره الكاذب.. نجحت بسمة الشوالي في سرد قصة طويلة بأحداثها المتشعبة وبقضاياها المختلفة وشخصياتها المتآلفة والمتنافرة باتباع تقنية الاختزال والاكتفاء بلبنات البناء السردي الوجيز الضرورية فجعلت قصتها نسيجة بين ثلاث نوى متكاملة بداية من مشهد تأطيري وامض إلى مشهد جوهري واخز لعرض المفارقة ثم بالانتهاء بمشهد قفلة مدهشة رغم ما فيها من ألم وسخرية مرة / ذاك القلب الذي لا يختلف عن قشر برتقالة ملقاة في طريق زلقة .ولعل هذه الإشارة هي التي تسلمنا دون مقدمات إلى نهاية القصة القصيرة جدا ” اللص” في قفلة مباغتة. في القصص التقليدية ينتظر القارئ عادة نهاية سعيدة ترضي ما يؤمن به أخلاقيا ومنطقيا أيضا فاللص عادة ننتظر أن يلقى عليه القبض ويعاقب وتعادُ المسروقاتُ إلى أصحابها لكن بسمة الشوالي نسجت خاتمة قصتها خيطا خيطا منذ التأطير وذلك بالإشارة إلى الأرضية الزلقة التي تلمح من خلالها إلى الانزلاق دون أن تقطع على القارئ رغبة المواصلة إلى أن وصلت إلى “السقوط” هو النتيجة الطبيعية للانزلاق وهنا تربط بحرفية ومهارة بين البداية والنهاية بشكل مدهش ومثير ..سقوط القيم في فخ الغاية تبرر الوسيلة سقوط الأنثى في قبضة الخداع والغباء سقوط الجسد بين أنياب مستذئبة سقوط الأمان في متاهة اللاسكينة. على سبيل الخاتمة. هذه القصة القصيرة جدا كانت حقلا مكتظا بالأشجار المثمرة لم يسمح لي قانون اللعبة بقطفها جميعها فاكتفيت بالاختيار. ولا يسعني إلا أن أقول أن الكاتبة بسمة الشوالي حولت قلمها إلى كاميرا تلتقط المشاهد بطريقة بانورامية مركّزَة وفي الان نفسه مسلطة الضوء على الأهم دون إطناب أو لجوء إلى التفاصيل.. وهي هنا تقمصت شخصية السارد العليم وتركت البطولة للشخصيتين (هو / وهي) بل أفسحت المجال حتى للمكان والزمان والانتظار سيد الموقف. لكنها تخاتل البطلة الواقعة في غيبوبة الخدر وتمر دون أن تنتبه لها. وهكذا العمر وأشياء أخرى تمرّ في مجتمعاتنا العربية ونحن ننتظر.




