المجلة الثقافية الجزائرية

كيف تربع “جيمس باترسون” على عرش الأدب العالمي دون أن يكتب؟

بقلم إليز كوستا

ترجمة: ناصرة صلاح* 

لو حدث ومررت بجانب جيمس باترسون (James Patterson) في المطار أو الشارع, على الأرجح لن تلتفت إليه. ملامحه عادية للغاية، رجل أمريكي ستيني يرتدي قميص بولو بسيط وساعة كلاسيكية ونظارة تقليدية. في عالم الأدب، يمتلك جيمس إلروي (James Ellroy) ملامح حادة حفرتها روايات الجريمة، ولدى جيه كيه رولينغ (J.K. Rowling) نظرات زرقاء ثاقبة، بينما يبدو جورج آر آر مارتن (George R.R. Martin) كبحار عجوز خرج للتو من ملحمة خيالية. أما باترسون؟ إنه يذوب في الزحام كأي شخص عابر لا تلحظه العين.
لكن خلف هذا المظهر المحايد يختبئ الكاتب الأغنى في العالم منذ عام 2001 بلا منازع. رجل لا تكترث له أضواء الشهرة الصاخبة، ربما لأنه يعرف حقيقة مذهلة: إنه يبيع كتباً أكثر من إلروي، ورولينغ، ومارتن مجتمعين!

أرقام تكسر المقاييس

تجاوزت مبيعات كتب باترسون حاجز 350 مليون نسخة حول العالم، ودخل بفضلها موسوعة غينيس للأرقام القياسية (Guinness World Records). ولتقريب الصورة، فإن هذا الرقم يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف ما باعته النجمة بيونسيه (Beyoncé) من ألبومات غنائية طوال مسيرتها المنفردة.
تُرجمت أعماله إلى نحو 40 لغة، وعلى مدار عقد كامل, كان هناك كتاب لباترسون من بين كل 17 كتاباً يُباع في الولايات المتحدة. وحتى هذه اللحظة، إذا تصفحت قائمة “نيويورك تايمز” (The New York Times) للكتب الأكثر مبيعاً، فستجد اسمه دائماً يحجز مكاناً ثابتاً في المراكز الخمسة الأولى.

يرى النقاد والخصوم (وعلى رأسهم الروائي الشهير ستيفن كينغ – Stephen King) أن أعماله تفتقر إلى العمق الأدبي والعاطفة

سر المصنع: الكاتب الذي لا يكتب!

كيف يمكن لشخص بهذا النفوذ الأدبي والمالي أن يظل مجهول الوجه تقريباً؟ الإجابة لا تكمن في غموضه، فالرجل لا يختبئ من الإعلام، بل يفتح أبواب منزله في “بالم بيتش” (Palm Beach) للصحفيين والناشرين بكل أريحية. اللغز الحقيقي يكمن في طريقة عمله: جيمس باترسون لم يعد يكتب كتبه بنفسه.
لقد تحول باترسون من أديب إلى “خط إنتاج” ضخم. يرى النقاد والخصوم (وعلى رأسهم الروائي الشهير ستيفن كينغ – Stephen King) أن أعماله تفتقر إلى العمق الأدبي والعاطفة، وتعتمد فقط على الحركة السريعة والإثارة. والسبب في ذلك أن باترسون يدير خلية عمل تضم نحو عشرين مساعداً، يزودهم بوصفة جاهزة وأفكار ومخططات تفصيلية، ليقوموا هم بصياغة الفصول القصيرة والجمل الموجزة في وقت قياسي.
هذا الأسلوب التجاري البحت يثير حنق الوسط الأدبي وصنّاع السينما في هوليوود (Hollywood)، والذين ينظرون إلى نتاجه باعتباره “فراغاً تجارياً مغلّفاً”، باستثناء دور النشر بطبيعة الحال، والتي تجني من ورائه ثروات طائلة.

من عبقرية الإعلان إلى عقلية القارئ

لكي تفهم هذه العقلية الاستثنائية، يجب أن تعود إلى ماضيه في عالم الدعاية. فبصفته الرئيس التنفيذي السابق لوكالة الإعلانات العملاقة “جيه والتر تومسون” (J. Walter Thompson) — والمشرف على حملات شركات مثل كوداك (Kodak) وبرجر كينج (Burger King) وتويز آر أص (Toys “R” Us) — تعلم باترسون درساً واحداً بليغاً: كيف يمنح الجمهور ما يريده بالضبط.
يقول باترسون في مقابلة أجراها معه الصحفي ديفيد كافيليولي (David Caviglioli) لمجلة “لوبس” (L’Obs) الفرنسية: “علمتني الإعلانات كيف أجذب انتباه الناس وأسليهم، وكيف أكون ماكينة أفكار”.
من عبقرية الإعلان إلى عقلية القارئ
لكي تفهم هذه العقلية الاستثنائية، يجب أن تعود إلى ماضيه في عالم الدعاية
الرجل تصالح مع فكرة أنه لا ينافس على جائزة نوبل. هدفه الأسمى هو حث الناس على القراءة عبر تقديم نصوص سهلة وممتعة لا تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً. هو خبير تسويق يدرس السوق بدقة؛ فعندما وجد أن نساء الساحل الشرقي يقبلن على روايات الجريمة (مقارنة بـ يوهان غريشام – John Grisham)، ابتكر سلسلة “نادي جرائم القتل النسائية” (Women’s Murder Club) ليغزو بها الساحل الغربي. ومؤخراً، أطلق مشروع “بوك شوتس” (BookShots) وهي روايات قصيرة لا تتعدى 150 صفحة وبسعر 5 دولارات فقط، تناسب إيقاع العصر السريع.

لغز التناقض الجميل

المفارقة الأجمل في حياة هذا الملياردير هي أنه محب حقيقي للأدب الرفيع؛ إذ يتغنى بروايات جيمس جويس (James Joyce)، وغابرييل غارسيا ماركيز (Gabriel García Márquez)، وغونتر غراس (Günter Grass).
علاوة على ذلك، يستغل باترسون ثروته لدعم الثقافة; حيث تبرعت مؤسسته العائلية بملايين الدولارات للمدارس والجامعات لتشجيع الأجيال الشابة على القراءة، كمحاولة منه لإنقاذ الكتاب من التراجع في أمريكا.
إن جيمس باترسون شخصية شديدة التعقيد؛ فرغم كونه “تاجر كتب” بنظر النقاد، إلا أنه يظل ظاهرة فريدة لرجل حقق أعلى درجات النجاح الأدبي والتجاري، متجرداً تماماً من أهم صفات الأدباء: النرجسية وغرور الكاتب.
*ترجمة خاصة بالمجلة الثقافية الجزائرية