المجلة الثقافية الجزائرية

الرحلة وروح العمارة والفنون الإسلامية .. كيف شكل الشوق الفن الإسلامي؟ 

دكتور خالد عزب 

 

بدأت دراسة العمارة والفنون الإسلامية علي يد المستشرقين، لذا كانت بداياتهم تركز علي البحث علي الجذور في الحضارات السابقة علي الإسلام، في حين كانت نظرتهم للجزيرة العربية بها قصور نسبي، حيث كانت مناطق الأنباط والمَناذِرة والغساسنة في الشمال مناطق حضرية، كما كانت هناك حضارات قديمة في اليمن وعمان والبحرين، وكانت مكة المكرمة حاضرة والطائف حاضرة أيضا، فيما شكلت المدينة ولواحقها حواضر، لذا بات من المهم البدء في سبر غور المرحلة المبكرة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، فالدين الإسلامي قامت رؤيته علي استيعاب الماضي بما فيه من قيم وأدوات تفيد الحاضر وتطويعها وفقاً لمنظومة قيمه .

يبدأ البحث بعمارة المسجد النبوي الشريف في المدينة التي شكلت روح عمارة المساجد، فالمنبر والمحراب والمئذنة عناصر عرفت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وشكلت لاحقا بتطورها الفن الإسلامي، وهذا ما يتنافي مع مقولات المستشرقين بأن هذه العناصر جاءت أو تأثرت بالأخر، كان الفعل التعبدي والحاجة إلي تلبيته في أكمل صورة هو الدافع إلي الإبتكار ومن ثم صاغ المسجد النبوي المساجد اللاحقة له وعد مقياساً يقاس عليه.

لنري أن الخط العربي الجاف واللين كانت بداياته من مكة المكرمة والمدينة المنورة، فهل هذا يقيم لنا رؤية مختلفة، لاشك أن التطور نراه في مناطق مختلفة من حواضر الإسلام شرقاً وغرباً، لتُشكل الرحلة للحج رافداً يصب في مكة المكرمة والمدينة المنورة، فكأنهما بوتقة تصهر كل التأثيرات القادمة من هنا وهناك من الهند شرقاً ومن المغرب والأندلس غربا، جلس المجاورين في الحرمين، كان منهم من عمل في العمارة والحرف الفنية، ليصيغوا روحا مختلفة جعلت من المدن المقدسة روحا معبرة عن الوحدة والتنوع في العمارة والفنون الإسلامية.

كانت كسوة الكعبة بالفنون المرتبطة بها تعبيراً عن شوق المسلمين لقبلتهم فأبدعوا عبر العصور لتخرج في أبهي حلة، لذا جاءت معبرة عن ذلك، وإذا كان الشوق إلي المدينتين المقدستين كبيراً، فإن مخطوطات دلائل الخيرات بتصاويرها المنتشرة من جنوب شرق أسيا إلى المغرب تعبر عن ذلك، فكان المسجد الحرام والمسجد النبوي حاضرين، في تصاوير دلائل الخيرات ومن هنا سيعرض الباحث نماذج منها.

كما كانت سجاجيد الصلاة عنصرا أخر نري فيه مكانة المدينتين المقدستين، حيث نري الشوق لهما في استحضار الحرم المكي والمسجد النبوي في تصاوير سجاجيد الصلاة .

الرحلة إلي المدينتين صاغت العديد من الأدلة لهما، والباحث سيذهب إلى تطور الجغرافيا والرحلة إلي المدينتين، ومحاولات تقديم وصف لهما وتصوير المعالم بهما بصورة واضحة، لنري محيي الدين اللاري قدم لنا في فتوح الرحمن تصاوير مع وصف مسهب خاصة أن العديد من المعالم التي ذكرها اندثرت، فهذا الكتاب الذي يقدم جغرافيا وصفيه يقدم لنا معها ما يكملها من صور مرسومة تقود من يزور الأراضي المقدسة إلي كل المساجد والمزارات بما فيها جبل أحد، فنسخ عدة نسخ في مناطق مختلفة، الباحث سيعتمد نسخة متحف المتروبوليتان للدراسة مع نسخ أخرى.

هل كان الشوق إلي مكة المكرمة والمدينة المنورة دافعا لبناء روح مختلفة في العمارة والفنون الإسلامية؟ وإذا كانت البدايات منهما فكان أثرهما كبيرا، فإن كونهما قلب الإسلام صارا قلب يصيغ الفن الإسلامي .