بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك
ثمة أشياء كثيرة جميلة نريد أن تبقى في ذاكرتنا، ونظن أن من حقها علينا أن تبقى، ومع ذلك لا تبقى ، وأشياء أخرى لا نوليها من أمرنا أدنى اهتمام، فإذا بها تستقر في مكان ما داخلنا وتأبى أن تفارقه، وربما تعود إلينا بعد سنوات عديدة من غير أن نستدعيها! وربما كان أكثر ما يحير في الأمر، أننا قد نقضي وقتًا طويلًا نحاول أن نحفظ جملة راقت لنا، ثم نعجز في ذلك، بينما تظل في رؤوسنا تفاصيل عديدة لا نعرف لماذا احتفظنا بها أصلًا!
وربما كان هذا هو الذي أعادني، في الأيام الماضية، إلى قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء.. رب ثاو يمل منه الثواء»، للشاعر الجاهلي الحارث بن حلزة اليشكري وهي من أحب القصائد لدي، ولها في نفسي وقع خاص، مثل غيرها من الأوابد؛ وهي فضلًا عن جمالها، تحمل في ذاكرتي مشهدًا لا يقل جمالًا وروعة عنها، إذ يقول رواة الشعر إن الحارث بن حلزة وكان شيخا كبيرا، إتكأ على قوسه والقى هذه المعلقة أمام الملك عمرو بن هند، ليدحض اتهامات الاعداء بعد أن بدأ معلقته بذكر أسماء والتوجع على فراقها، شأنه في ذلك شأن كل الشعراء الجاهليين،.. ومع ذلك لم تستطع هذه المحبة العميقة للشاعر ابن حلزة وقصيدته التي تعتبر من درر الشعر العربي أن تقنع ذاكرتي بأن تحتفظ منها إلا بالقليل؛ فقد كنت أُقدّم في القصيدة مرة، وأُؤخّر مرات أخرى، ثم أعود إليها فأجد أن ذاكرتي قد سبقتني إلى مكان آخر.
صحيح أن ذاكرتي لم تسعفني في أبيات ابن حلزة، لكنها، فيما يبدو، أرادت أن تضعني في مطب عويص، أو بالأحرى فيما يشبه الإحباط والاحراج؛ إذ تذكرت فجأة، وهذا مما تباغتني به ذاكرتي دائمًا، أو ما ينداح عليها من غير علم مني ولا إرادة، تذكرت الليث بن المظفر، الذي كان يحفظ نصف كتاب «العين» للخليل بن أحمد الفراهيدي، وكتاب العين ليس كتابا عاديا؛ فهو أول معجم منسق للغة العربية، قام بكتابته الخليل بن أحمد الفراهيدي، ويعتمد في ترتيبه على مخارج الحروف، من أقصى الحلق مرورا بحركات اللسان وحتى أطراف الشفتين.
ويروي رواة الأخبار أن الخليل كان منقطعا إلى الليث بن المظفر، وكان الليث من أكتب الناس في زمانه، بارع الأدب، بصيرا بالشعر والغريب والنحو، فارتحل إليه الخليل فوجده بحرا فأغناه، وأحبّ الخليل أن يهدي إليه هدية تشبهه، فاجتهد الخليل في تصنيف «كتاب العين» فصنّفه له، وخصّه به دون الناس، وحبّره وأهداه إليه، فوقع منه موقعا عظيما وسرّ به، وأقبل الليث ينظر فيه ليلا ونهارا لا يملّ النظر فيه حتى حفظ نصفه، وكانت ابنة عم الليث تحته، فاشترى جارية نفيسة بمال جليل، فبلغها ذلك فغارت غيرة شديدة، فأخذت الكتاب وأضرمت نارا وألقته فيها، شأنها في ذلك شأن كل النساء عندما يحتد بهن الغضب، فكتب الليث نصفه من حفظه، وجمع على الباقي أدباء زمانه وقال لهم: “مثّلوا عليه واجتهدوا”، فعملوا هذا النصف الذي بأيدي الناس، وقيل إن ما حفظه الليث هو أجود ما في الكتاب وأوثقه، وقد اختصر الكتاب لاحقا ابوبكر الزبيدي من اللغويين في الأندلس وسمى الكتاب «مختصر معجم العين» كما جمع كتابا في بناء الاسماء والافعال سماه «الابنية في النحو» يستدرك به على كتاب سيبويه.
ولا أدري على أية حال، أي شيء كان أحق بالدهشة: أن تحرق زوجة الليث كل صفحات الكتاب، أم أن يظل نصف الكتاب، محفوظًا في رأس الرجل؟ ونحن، الذين نعيش اليوم في عالم تستطيع فيه الذاكرة أن تستعين بما لا حصر له من الوسائل، قد نعجز أحيانًا عن الاحتفاظ ببيت أحببناه، لأننا لم نعد، في كثير من الأحيان، نعطي النص ذلك القدر من التفرغ والصبر الذي كان يطلبه من أراد أن يحفظه!
ولعل الفرق بيني وبين الليث فيما اتصور، وبين كثير منا وبين أولئك الذين كانت ذاكرتهم مستودعًا للنصوص، ليس أن لهم ذاكرة من طينة أخرى، وإنما لأنهم كانوا يستطيعون أن يجعلوا الشيء الواحد يستولي على انتباههم طويلًا، بينما نحن نريد أحيانًا أن نقرأ ونحفظ ونفهم، على أن نترك لأنفسنا في الوقت نفسه أبوابًا كثيرة مفتوحة على أشياء أخرى.
ولذلك عدت بعد كل هذا إلى ابن حلزة، لأعذر ذاكرتي قليلًا؛ فقد لا يكون العيب هذه المرة في الذاكرة، وإنما في صاحبها الذي يريد أن تحفظ له ما لم يمنحه من الوقت إلا القليل، وربما كان الليث، في نهاية الأمر، أكثر إنصافًا لذاكرته مني؛ فقد أعطى كتابًا واحدًا ما يكفي من الوقت ليبقى نصفه في رأسه، حتى بعد أن لم يبقَ منه في الدنيا إلا الرماد، أما أنا، فما زلت أقدّم في «آذنتنا ببينها أسماء» مرة، وأؤخر مرات، وأتساءل في كل مرة: هل نسيت القصيدة، أم أنني لم أمكث معها طويلًا بما يكفي كي اتذكرها ؟





