المجلة الثقافية الجزائرية

مدخل إلى الأدب الإسلامي (7)

تقديم بقلم الأستاذ: عمر عبيد حسنة

الأدب الإســــلامي والألتــزام
الالتزام ليس بدعاً في كثير من الآداب العالمية، قديمها وحديثها، حتى أولئك الذين يؤمنون ( بنظرية الفن للفن ) يعملون في نطاق التزام من نوع معين يرتبط بوجهة نظرهم في الفن، وكل مذهب من مذاهب الفن أو الأدب يتحرك في إطار معين، ويلتزم شكلاً وموضوعاً بقيم خاصة، يحرص عليها أشد الحرص ويدافع عنها في استماتة، فالذين يزعمون أنهم يرفضون الالتزام لأنه قيد على حرية الأديب، ومنافٍ للقيم الفنية والجمالية، يلتزمون ـ سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا، واعترفوا به أم لم يعترفوا ـ بقواعد ومبادىء. الالتزام إذن منهج وأسلوب عمل وفق تصور معين، ويمكن القول: بأنه تقيد بمضمون أو بشكل، وهو أمر قديم قديم الفنون والآداب، لكنه لم يف قيداً على النمو والتطور سواء في مجال الإبداع والفكر، وهكذا يجب أن نفهمه، إن الكاتب ـ أي كاتب ـ في أية لغة من اللغات يلتزم بقواعد النحو والصرف مثلاً، ويعرف أن للنثر طريقة، وللشعر أسلوبه، والخلط بين الأثنين قد ينجب مولوداً ثالثاً يجمع بين صفات الشعر والنثر، وقد تغلب على ذلك المولود صفة أحدهما أكثر من الآخر، دون أن يلغي ـ أي الوليد ـ واحداً من الاثنين، وللشعرـ في القواعد المعترف بهاـ إياع وموسيقى برغم الدعوات المشبوهة التي تريد أن تسقط الفارق بين ما هو شعر أو نثر في هذ ه الصفة الهامة، وللـألفاظ دلالالتها التي لا تموت مع الزمن، فدلالة الشجرة أو النهر أو السماء تظل كامنة في اللفظ يعبر عن ذلك، على الرغم من ألوان المجاز والكناية، فالبحر قد يرمز إلى السعة والكرم، وقد يرمز إلى العنف والثورة، وقد يكون محط الغموض والخوف، أو قد تشرق على شاطئه ثغور الأمل، أو تتهادى على صفحة عرائس السفن، وهكذا يبقى اللفظ بدلالالة الأولى، مع ما قد يرمز إليه من عديد المعاني والصور وقديمها أو جديدها، إنه نوع نت الالتزام نحو اللغة بقواعدها ودلالاتها الأصلية، وينفتح باب الالتزام على مصراعيه أمام الدلالات المجازية، التي تشكل جانباً هاماً من جوانب الإبداع الفني.

وهناك ما يمكن أن نسميه الالتزام الداخلي أو الذاتي، وهو الوجه الآخر للصدق، فالتعبير عن النفس وما يعتمل فيها، والفكر وما يتفاعل فيه، والخيال ما يضطرم به، والروح وما ينبث عنها، كلها أمور خاصة قد تميز أدبياً عن آخر، وتجعل من الإبداعات ـ شكلاً ومضموناً ـ تجارب لها صفة الخصوصية، على الرغم من أنها تبدو في إطار النسق العام لهذا اللون الأدبي أو ذلك. فقد يتناول أدبيات حادثة بعينها ـ تاريخية أو معاصرة ـ لكن يكون لكل منهما رؤيته الذاتية، بعينها، دون أن يتناول ذلك بعض الأساسيات في فن القصة أو المسرحية أو القصيدة، فلسوف يظل هناك الحبكة أو الصورة الفنية المتميزة، وسيظل جو المتعة والتأثير، برغم تفاوت القدرات والأساليب، فهل يستطيع منصف أن ينكر ذلك الالتزام الداخلي أو الذاتي ؟

لكن يدور الجدل عادة حول ما يمكن تسميته (بالالتزام الخارجي ) إن صح التعبير، ففي كل مجتمع قيود أو نظم تم وضعها لتستقيم الحياة، وتتسق العلاقات، وهي أمور قانونية أو اقتصادية أو أخلاقية، وكثيراً ما يثور حولها الجدل، فقد يرى بعضهم فيها، غمطا لحقوق الإنسان، أو كبتاً للحريات، أو جموداً في مجال التطور، وهي على التقيض مما يتصوره واضعوها، والفنان يقف ازاء تلك النظم موقف التأييد، أو موقف الرفض، وقد نرى فريقاً ثالثاً يتحايل على التملص من هذه النظم بأسلوب أو بآخر، لكن يظل الالتزام بها هو الموقف السائد أو الغالب، ويكون ذلك الالتزام أشد كلما تصلبت مواقف السلطة، ولجأت إلى العقوبات الصارمة، واستغلت سلاح المصادرة أو المحاكمة أو التنكيل، وهذا أوضح في النظم الدكتاتورية بالذات، حيث يتحول الأديب ـ برغم أنفه ـ إلى بوق للسلطة التنفيذية، وترجمان لفلسفتها وقناعاتها، وهنا تتضاءل حرية الأديب، ويصبح الالتزام ضرباً من الالزام، ولعل هذا هو السبب الذي حدا ببعض النقاد إلى القول بأن الالتزام ينبع من الداخل، والإلزام يأتي من الخارج، ولكن الأمر يبدو صحيحاً في عمومه، وإن كنا لا نستطيع قبوله على إطلاقه، ففي المجتمعات الدكتاتورية قد نرى أدباء مؤمنين بهذا الأسلوب في الحياة عن عقيدة ويقين، ويعبرون عن قناعتهم تلك بفن يبدو جذاباً مؤثراً، كما نرى في إطار المذاهب المتمردة كالوجودية واللامعقول أدباء ملتزمين بتصوراتهم الفلسفية عن الإنسان والكون والحياة، ويعبرون بذلك عن رضى وقناعة، ويقدمون نماذج أدبية ذات جمال أو جاذبية من نوع خاص، ويحفل شكلها ببريق أخاذ يخدع جماهير عريضة من القراء، وخاصة في أوروبا وأمريكا، إن هؤلاء ملتزمون، ولا يشعرون بأي قيد من قيود الإلزام.. أليس هذا حادثاً ؟ قد نرفض ذلك ونعتبره (التزاماً ) منحرفاً أو مريضاً، ينبو عن المقاييس الإنسانية الرفيعة، ويتعارض مع القيم الدينية السامي ة، لكن الالتزام عند مثل هؤلاء الناس قد يلقى منهم الرفض، وينفرون منه أشد النفور، ولا يقرون بالحري ة وحدها ولا يلتزمون بسواها. لكن ماذا يعني الالتزام في الأدب الإسلامي؟ الألتزام بمعناه الإسلامي الواسع هو (الطاعة ). والطاعة الحقيقية قناعة إيمانية، وفرح في قلب المؤمن، وسلوك مطابق لحقيقة العقيدة وكل ما يتعلق بها، الالتزام إذن عمل، يبدأ بالنية الصادقة، والعزم الذي لا يتزعزع، وينطلق من ممارسات واقعية في مختلف جنبات الحياة، إنه وئام بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخرين، وهو يضم تحت جناحيه قيم الحياة الإسلامية وقوانينها أو أحكامها،

وتصورات المؤمن لما يحيط به من كون وسنن، وحيوان وجماد ونبات، ويمتد ذلك التصور ليربط الحياة الدنيا بالآخرة، ومرجع ذلك كله هو كتاب الله وس نة نبيه صلى الله عليه وسلم، والنفس ليست قوة تائهة ضالة، وإن كانت مسرح جهاد دائم، وصراع مستمر، فالصعود دائماً ليس حركة سلبية، والتسامى لا يتحقق دون جهد. وعمل المؤمن اليومي هو جهاد نحو الأفضل، ولا يموت الصراع مادام قوانينه وطرقه، له حلاوته ومراته، وفيها روعة النصر وألم الهزيمة، والأمل باق دائماً، وبالتالي فالمؤمن الحقيقي صاحب موقف.. وفي هذا الموقف لا يكون الإنسان وحيداً حائراً منبت الصلات، كما يحدث لدى العبثين أو الوجوديي ن وغيرهم، لكنه يستند في موقفه إلى رحمة الله وعونه وهدايته (.. ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ( الأنعام: 38) فلا عدوانية إذن ولا غرابة ولا اغتراب، أو يأس أو أو كتئاب.. أو بمعنى آخر الطاعة هي المخرج من صحراء الخوف والآلام والتمزق والضلال (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً.. كتاب الله وسنتي .. ).

الالتزام هنا هو الطاعة، والطاعة تجد النور الذي يهدي، والغاية التي تتألق، والوسيلة التي توصل، والبيان التي تقنع، والتجربة التي تؤكد، واليقين الذي ينداح سعادة كبرى بين الجوانح.. فهل هذا الالتزام داخلي أم خارجي؟

إنه هذا وذاك، بل الأصح أن نقول: إن التصور الإسلامي، يجعل من الاثنين شيئاً واحداً، إنه الكل في واحد، أو وحدة الصفاء والتآلف والتجارب، فما في نفس المؤمن أو قلبه، ينسكب حباً وعدلاً وهداية، ويضيء جنبات الحياة، وما في الوجود من صور وحياة وكائنات، يتحول عبر التأمل الحواس تتداخل مع بصيرة المؤمن فتعطي للوجود كمال وروعته، وتؤكد معنى الإيمان بالله.

والالتزام ـ كما هو واضح ـ التزام مضمون، وهو يقتضي بداهة الحرص على اللغة العربيةـ لغة القرآن ـ فالحرص علىقواعده ودلالاتها الأصلية، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما في كتاب الله من قيم وأحكام ومبادىء، يستوي في هذا الحرص الناطقون بالعربية والناطقون بغيرها في البلدان الإسلامية.

وارتباطنا بأشكال الفنون الأدبية يكون حفاظها على التمييز بين لون وآخر، كما أننا لا ننكر الصلة الوثيقة بين المضمون وما يتطلبه من شكل مناسب، ولهذا نعتقد أن باب التجديد في الأشكال باق ما بقيت الحياة، ولا قيد على هذا التجديد إلا ما أسلفناه من حفاظ على أصالة اللغة العربية وقواعدها، ولا شك أن ثراء اللغة العربية، وإمكاناتها الواسعة، وضوابط قواعدها المذهلة، في الصرف والاشتقاق وغيرهما، تجعلها قادرة تماماً على تقبل الأشكال الجديدة وتطورها،فالأشكال الفنية للعمل الأدبي ميراث عام مشترك جدواها، وتحققت فيها عناصر الجمال، وكانت قوية الأثر في النفس.

والالتزام ليس نقيض الحرية بمعناها الأصيل، إن مفهوم الحرية يختلف من فلسفة إلى أخرى، فالحرية في الدول الشيوعية ترتبط بلقمة العيش، ولا مجال لرأي أو فكر يضاد الفلسفة الماركسية أو يخرج على نظام الدولة، والحرية في أوروبا الغربية وأمريكا وغيرها لها مفهومها في حرية رأس المال، وفي التعبير الفردي مهما أضر بالقيم، أو جانب الطبيعة الإنسانية السوية، ويبقى الإنسان مع ذلك مقهوراً تحت وطأة الحياة الآلية، والعزلة القاتلة، والتمزق الاجتماعي، والتسيب الخلفي، ولا بأس أن يتمرد أو ينتحر أو يغرق نفسه في خضم المخدرات والمسكرات والجنس.. فهذا حقه.. أعني حريته..

وفي الإسلام هناك ضوابط لم يخترعها فرد، وموازين لم ينصفها حاكم بمحض فكرة وإرادته، إن الضوابط والموازين من صنع الخالق جل وعلا، وهي أحكام ليست مجال تحيز أو فتئات أو نزوات، روعيت فيها طبيعة الإنسان وإمكاناته وقدراته النفسية والعقلية والبدنية، أحكام لم تنبع من موقف آني سرعان ما يزول، أو ارتبطت بإنسان خاضع لسنة الموت والحياة، أو تصاعدت من رغبة دون أخرى، أو ارتبطت بقهر الإنسان وتطويعه وإهدار كرامته وإنسانيته، هذه الضواتبط والموازين أو الأحكام هي من صنع الخالق الرحيم العادل ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) غافر: 19، وهي في جملتها وحي (إن هو إلاّ يوحى ) (النجم:4)، والمسلم خاضع لحساب الدنيا ـ وفق الحدود والعقوبات الشرعيةـ ولحساب الآخرة عند من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

وحرية المسلم في هذا الإطار، حق القوي والضعيف، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والمالك والأجير، ولك مطلق الحرية في مالك بشرط أن تكتسبه من حلال، وتنقية في حلال، وتعطي كل ذي حق حقه (.. وآتوهم من مالِ الله الذي آتكم ) ( النور:33)

والمعاشرة الجنسية حق في إطار المشروع، والسلطة حق في نطاق العدل الإلهي، والاستمتاع والرفاهية حق دون رذيلة أو وزر أو فساد، وهكذا نستطيع أن نسرد الاحتياجات والطموحات الإنسانية، فنجدها حلالاً طالماً لم تهدر حقوق الله أو العباد.

حرية المسلم مرتبطة بعقيدية، وبالمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقه.. والالتزام في هذا التصور لا يتضاد مع الحرية الأصلية، فلا هي مفسدة له، ولا هو معطل لها ـ ألم نقل في بداية هذا الحديث: إن الألتزام هو الطاعة، والطاعة موقف، وبالتالي فإن الحرية تصبح من أهم الحقوق للإنسان المؤمن، ورحم الله عمر رضي الله عنه إذ يقول: (كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا ً)، فالحرية دين وفطرة، ويتبلور الموقف في وقفة الصديق رضي الله عنه، حينما يعلن أمام أمته أنه إذا خرج عن إطار الحق الذي رسمه الله سبحانه فإنه (لا طاعة لي عليكم )، إن عدوان الحاكم، وإهداره لمنهج الله، إهدار للحرية وبالتالي فلا تجب الطاعة له..

الالتزام في فكرة المؤمن وقلبه ليس نقيضاً للحرية، فكيف يكون الالتزام الإسلامي نقيضاً للحرية وهي جزء منه؟ والالتزام الإسلامي ليس جموداً وتحنجراً.

وذلك لأنه التزام بالثوابت والأصول التي لا تتغير أبد الدهر، فالتوحيد عقيدة مستقرة لا تغيير فيها، والعبودية وحق، وفروض العبادة لمن وهبك الحياة، وأنعم عليك بمالا يحصى من النعم لا جدال فيها، والشورى أصل من أصول الحكم، والعدل عمادة، والصدق أمانة ـ كما قال أبوبكر رضي الله عنه ـ والكذب خيانة، وهكذا تبقى القيم الخالدة ما بقى الدهر، ويبقى الالتزام بها حفاظاً على الحياة، وحماية لها من الزيغ والفساد والانحرافات والظلم والفتن.

الحرية تكون حقيقة عندما يتحرر الإنسان من قيود الخوف وشهوة المال والجسد، وعندما ينطلق من سجن المادة وبطش السلطة، وأطماع الحياة، وعندما ينتصر على الأنانية المريضة، ويفك عن روحه وفكره وجسده حبائل الشيطان.. تلك هي الحرية.

يقول (بيرك ): (إن الحرية يجب أن تُفيد لكيما تُمتلك ) (1). ويقول آخر: (إن هناك رغبة متنامية في أدب القرن العشرين لاستعادة الدور والمركز الديني في ذلك الزمن، إذ غدت المخاوف والحرية التي تنطوي عليها نظريات الزمن في تطورها مما لا يصمد أمام النفس )(2).

وإذا كان الوجوديون يرفضون ذلك عندما يعلنون أن الحرية لا تبدأ إلاّ بعد إنكار وجود الله، فإنهم لا يشكلون إلا فريقاً زائغاً، بينماالكثيرون غيرهم لا يؤيدون ذلك الموقف، والحرية في الإسلام تكون بدايتها الحقيقة هي الإيمان بالله، على النقيض تماماً مما يتوهمه الوجوديون والماديون (خاصة الماركسيون ) وغيرهم.

الفهم الإسلامي للحرية فهم واقعي منطقي، وإذا لم يكن هذا الفهم مطبقاً في عالمنا، إلاّ أنه القاعدة التي تنطلق منها نظم الحكم الديموقراطية في العالم، على الرغم من تفاوتها في درجة الفهم، وتحويره من جيل إلى جيل، ويبقى التصور الإسلامي للحرية قمة عالية مطهرة، تتألق عليها قيم الحياة والإنسان، لا يعروها وهن، أو تتداولها أهواء ونزوات، أو تنال منها مصالح طبقية أو فئوية مهما كان العذر، ومهما تعددت التفسيرات.

والالتزام ـ في نطاق الحرية الإسلامية ـ لا يضع قيداً على فكر، ولا يعطل مسيرة أي جهد علمي، ولا يصادر إباعاً، إنه تحرير للطاقات الإنسانية كي تؤدي دورها، وتحقق ذاتها، ولا يحد من طبيعة التفاعل اإنساني الخلاق، وإذا كان التفاعل الكيميائي ـ بلغة العلم ـ له اشتراطاته وضوابطه حتى يتم وينجلي عن مركب جديد، فإن الحرية ـ إن صح التعبير ـ تحوطها اشترطات وضوابط تجعلها تفعل فعلها على النحو الأمثل، فيتشكل الإنسان على هيئة كيان معبر عن قيم الحضارة الإسلامية، وبذلك يؤدي دوره في الحياة، ويواصل الرسالة الخالدة بالصورة الصحيحة، دون تحريف أو تبديل، ومن ثم يقوم مجتمع متآخ متناغم، يتطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) أو كما قال. والأدب الإسلامي وسيلة لحمل هذه القيم، والتبشير بها بين البشر، يترنم بها في قصيدة جميلة، أو يرويها في قصة شيقة، أو يمزجها في إطار مسرحية تشد الألباب والقلوب، وتؤثر في النفوس، والالتزام بذلك جزء من طبيعة هذا الدين، ومسؤولية من مسؤولياته الكبير ة الكثيرة، وطريقة من طرائقه في التوصل بين الإسلام وبين بني البشر قاطبة، وذلك حتى تزدهر براعم الحب والخير والفضيلة في أنحاء الأرض، ويتحقق المجتمع الأمثل الذي تحلم به الآمال، أو (المدنية الفاضلة ) الحقيقية، التي كدح وراءها خيال الفلاسفة طوال القرون. والالتزام الأمثل انبثاق تلقائ من قلب المؤمن وفكرة ونفسه، وهو ليس تصوراً هلاميّـا ، أو شعوراً عاماً، لكنه حقيقة واقعة، تقوم الأحكام والآداب الإسلامية بتوصيفها، وتحديد ملامحها.

ولقد عاش شعراء الإسلام الأوائل، رأسهم حسان بن ثابت، في إطار هذا الالتزام، وهم ينافقون عن الدعوة، ويدفعون هجمات الشرك والوثنية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسفهون أحلام الجاهلية والضلال، ويرسمون المنهج السلي م لحركة الإنسان المؤمن في الحياة. وعاش حكام المسلمين الأوائل أيضاً في إطار هذا النظام أو هذا الالتزام، كما عاش الجندي في معارك الجهاد، والقاضي، على منصة القضاء، وصحاب رأس المال وهو ينمي تجارته، أو يطور صناعته ، كذلك عاشة الفقيه واللغوي والطبيب والمؤرخ والجغرافي والرياضي وغيرهم.

إنه الالتزام الشامل، الذي يعد الالتزام بمعناه الأدبي أو الفني شريحة منه، لا يمكن فصلها أو فصمها، ذلك الالتزام ـ كما أوضحنا ـ فن وفكر وسلوك وعلم، ومن هذا المنطلق يصبح للأدب رسالة شامخة، وعطاء متجدد، يحقق المتعة والفائدة معاً، ويسكب رحيق السعادة والأمل في الوجدان، وينفي عن النفس ذلك (الشقاء الدائم ) الذي عبر عنه (أيونيسكو )، ويبدد ذلك (الكابوس الوجودي ) حيث يغيب العقل والسماح والأمل كما يقولون، ويجعل الحياة جديرة بأن تعاش في طاعة.

الالتزام الذي قدمه الله نعمة لبني البشر، وتكريماً لهم، وحماية لكرامتهم، غير(الإلزام ) الذي يساق إليه الناس سوقاً بالسياط والحديد والنار، والذي يظلل آفاقه سحابات الرعب والوعيد والعذاب.. ذلك لأن الالتزام بمعناه الواسع ـ كما قلنا ـ هو الطاعة والالتزام هو الجحيم الذي صنعته حماقة الإنسان على الأرض.
الأدب الإسلامي وعلم الجمال
إن طبيعة الإنسان تنجذب إلى كل ما هو جميل(1)، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله جميل يحب الجمال )، وقد شاءت قدرة المبدع البديع الخالق سبحانه وتعالى أن يجعل من الجمال ـ في شتى صوره ـ مناط رضى وسعادة لدى الإنسان، واستساغة الجمال حق مشاع، وربما تختلف مقاييسه من فرد لفرد، ومن عصر لعصر، لكنه اختلاف محدود قد يمس جانباً من الجوانب، أو عنصاً من العناصر التي تشكل القيمة الجمالية، ولم يقف الإحساس بجمال عند النظرة الشاملة، أوالانطباع المبهم أو الإيحاء التلقائي السريع، ويقول الدكتور زكي نجيب محمود: (الإنسان العادي من جمهور الناس، إذا عرف في حياته الجارية، كيف يفرق بين ما هو جميل وما هو قبيح فيما يحبط به من أشياء، فإنه مع معرفته تلك، يظل بعيداً أشد البعد عن القدرة على بيان الأسس التي إذا توافرت في شيء ما، كان ذلك الشيء جميلاً، وإذا غابت عن شيء ما، كان ذلك الشيء مسلوب الجمال، بمقدار ما غاب عنه من تلك الأسس، وقد يحدث هنا أن يتصدى للممشكلة مفكر موهوب في عمق التفكير ودقته، فيتناول هذه التفرقة بين الجمال والقبح، حتى يصوغ أسسها ومبادئها وشروطها، وعندئذ يقال عن مثل هذا المفكر: إنه فيلسوف، كما يقال عما يكتبه في هذا الموضوع: إنه (فلسفة الجمال)، ولنلحظ هنا أن عملية النقد في مجال الفن والأدب، إنما هي فرع يتفرع عن ( فلسفة الجمال)، ولذلك فقد يختلف النقاد في الأساس الذي يقيمون عليه نقدهم، باختلافهم في المذهب الفلسفي الذي يناصرونه ) (1).

ومن الخطأ أن نعتقد أن للجمال مقاييسه الحسية وحدها، تلك التي تقع عليها العين، أو تسمعها الأذن، أو يشمها الأنف، أو يتذوقها اللسان، أو تتحرك لها لمسات الأطراف العصبية، فالجمال مادة وروح، واحساس وشعور، وعقل ووجدان، فإذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر، فستظل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراك كنهها، والوصول إلى أبعادها، فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه، ولحكمة يقول الله في كتابه العزيز (.. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) ( الحج: 46).

لقد استطاعت الفلسفات القديمة أن تصل إلى قناعة بأن القيم الثلاث (الحق ـ الخيرـ الجمال ) هي القيم الكبرى في الوجود، وأنه تحت مظلة هذه القي م الكبرى تندرج القيم الإنسانية جميعاً فروعاً لها، وقيمة (الخير ) تلك تنبثق من التفرقة بين ما هو رذيلة وشر، وبين ما هو فضيلة وخير، هذه التفرقة يقوم بها مفكر موهوب ـ طببقاً للتصور الفلسفي ـ يتميز بدقة التحليل، ونقاذ البصيرة، فيصوغ تلك الأسس التي على وجودها تبني الفضيلة، وعلى غيابها تبني الرذيلة، فإذا تحقق لذلك المفكر ما أراده، عددناه فيلسوفاً، وعددنا ما كتبه (فلسفة الأخلاق ) (1).

أما إذا كانت التفرقة بين الخطأ والصواب، بحيث يقوم بها مفكر دقيق، أوتي سعة الأفق، وأصالة الدقة، كان ذلك هو (علم المنطق ) وهو فرع من الفلسفة، وعن طريقة نصل فلسفياً إلى قيمة (الحق ).

الحق والخير والجمال إذن هي القيم الثلاث الكبرى في الفلسفات القديمة، وهي صناعة عقلية بشرية بحتة، ترعرعت في ظل التجربة والتاريخ والأحداث، ويقول الأستاذ محمد قطب في منهج الفن الإسلامي: إن كلا من الفن والدين يعبر عن الحقيقة الكبرى، كما يقول: إن القرآن يوجه الحس البشرى للجمال في شيء، وإنه يسعى لتحريك الحواس المتبلدة لتنفعل بالحياة في أعماقها، وتتجاوب تجاوباً حياً مع الأشياء، والأحياء، وهنا يتلقي الفن بالدين.. ( والفن الصحيح هو الذي يهيىء اللقاء الكامل بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون، والحق ذروة الجمال، ومن هنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عندما كل حقائق الوجود ) (2).

والجمال ليس قيمة سلبية لمجرد الزينة، كما أنه ـ كما أسلفنا ـ ليس تشكلاً مادياً فحسب، ولكنه بالمعنى الصحيح حقيقة مركبة في مداخلها وعناصرها وتأثيراتها المادية والروحية، وموجاته الظاهرة والخفية، وفي انعكاساته على الكائ ن الحي، لأن أثره يخالط الروح والنفس والعقل، فتنطلق ردود أفعال متبانية، بعضها يبدو جليّـا، وبعضها الآخر يفعل فعله داخلياً، لكن محصلة ذلك كله ما يتحقق للإنسان من سعادة ومتعة، وما ينبثق عن ذلك من منفعه، تتجلى فيما يأتي أو يدع من أفعال وأقوال، وفيما يحتدم داخله من انفعالات ومشاعر، والجمال بداهة لا يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها، وهذه قضية، هامة من وجهة النظر الإسلامية الشهوة البهيمية، وارتكاب الرذيلة، واشباع الرغبة الاثمة، وجمال الطبيعة وما فيها من ورود وزهور وأنهار وجبال وطيور، وليس مجرد جمال سطحي، لكنه ينبع من قوة قادرة، خلقت فأحسنت، وصنعت فخلبت الألباب والأبصار، وأثارت الفكر والتأمل، وفتحت أبواب الإيمان واليقين بهذ ه القدرة المعجزة الخالقة، وإذا كان الاستمتاع بالجمال مباحاً في الأصول الإسلامية، فإنه مدخل إلى ارتقاء الروح والذوق، وسمو النفس وخلاصها من التردي والسقوط، ومحرك للفكر كي يجول إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي قد كتب عليها الزوال، فالجمال سبب من أسباب الإيمان، وعنصر من عناصره، والقيم الجمالية الفنية تحمل على جناحها ما يعمق هذا الإيمان ويقويه، ويجعله وسيلة للسعادة والخير في هذه الحياة.

والفلسفات المعاصرة ـ كما يقول الدكتور زكي نجيب محمود(1) : قد صبت الاهتمام كله على الكون في طبيعته التي نحيا بين جنباتها، فكأنما الإنسان في عصرنا هذا، قد اتجه بفكره نحو بيته الذي يقيم فيه، يحاول معرفة، فلم يظهر من فلاسفة العصر بنظرة لا لإثباتاً ولا نفياً ولا تعليقاً إلاّ في القليل النادر، ومن هذه الزاوية استحق عصرنا أن يوصف بما يوصف به كثيراً، وهو أنه عصر مادي، بمعنى أنه لا يجاوز حدود واقعة الذي يعيش فيه. إلى خالق ذلك الواقع بكل ما فيه ومن فيه، وهو سبحانه نالك يوم الدين، حين تفنى الدنيا ويكون الحساب .

فالمسلم إذ يقبل الجزء الأكبر مما قيل عن (البيت ) من الداخل، يرفض رفضاً قاطعاً أن تكون جدران (البيت ) هي أوله، وهي آخره، لأنه يعتقد أنه بيت إلى زوال، كان قبله أزل، وسيكون بعده أبد الخلود.

ويشير الأستاذ محمد قطب في (منهج الفن الإسلامي ) إلى أن التصور الأوروبي قائم على مادية الإنسان ، وحيوانية الإنسان، وإنكار الروح، وأن السبب في ذلك هو (الدارونية ) القديمة، التي تولدت عنها (الماركسية ) وعلم النفس الحديث، وعلم الاجتماع الحديث، وتأثر بها الأدب والفن في القرن التاس ع عشر والقرن العشرين.

ولقد تأثرت (فلسفة الجمال ) بهذه التصورات الجديدة للحياة، مثلما تأثرت فلسفة الجمال عند ارسطو بعوامل تاريخية وعقائدية، وحمل فلاسفة الجمال الجدد على كل الفلسفات الجمالية القديمة، كما حاولوا بكل قوة أو يعزلوا الفن عن الدين، وأن يصوروا العلاقة بينهما على أنها علاقة نفور وتضاد، فتارة يقولون: إن الفن غاية، شعارات الدين والسياسة وغيرهما تفسد الفنون، وتارة أخرى يزعمون أن الأديان قيود والفن حرية وانطلاق، ومرة ثالثة يدعون أن الدين عمادة الأخلاق ، والفن لا يعبأ بهذا الجانب، إذ أن الفنون في نظرهم لا تعبأ بما هو فضيلة أو رذيلة، ولكنها تهتم بكل ما هو جميل في تصوير الخير أو الشر، ففي كل جمال من نوع ما.

إن هناك من يرى أن الدين يبحث عن الحقيقة، وأن الفن يبحث عن الجمال، وهذه مقولة تحتاج إلى إعادة نظر، أليس في الحقيقة التي يقصدها الدين جمال من خاص ؟؟ ألم نقل: إن الجمال ليس مجرد صورة حسّية أو انفعاليةى ، وإن الأمر مركب، وليس على هذا النحو من التبسيط والسهولة؟ ثم ألا يبحث الفن أيضاً في إبراز الحقيقة ؟ إن المسرحية الجميلة ما هي إلا تصوير للصراع بين الخير والشر، أو بين الفضيلة والرذيلة، وإن المأساة تعكس هموماً إنسانية، وتشير إلى حقيقة أو مجموعة من الحقائق، والقصة تفعل الشيء نفسه بأسلوب مغاير ، وفي الإمكان ـ دون حيف ـ أن ننظر إلى الشعر إلى الشعر عموماً النظرة نفسها، ومن ثم يمكننا القول: إن ألوان الآداب المختلفة قد تبلور حقيقة نفسية، أو تجسد واقعاً اجتماعياً، أو تبرز قيمة من قيمة من القيم العليا في إطار معين ، وهكذا نرى أن الآداب لنا ألواناً من الحقيقة في ثوب أخاذ، أو في شكل جميل، لأن تغليف الحقيقة بما يجعلها جميلة ومؤثر ة لا ينفي عنها كونها حقيقة، وهذا الشكل الجميل الذي تزف فيه الحقيقة، يختلف تماماً عن الحقيقة العارية المجردة التي تتنتج عن البحوث العلمية البحتة، أو الفلسفية التقليدية .

إن اقتصار الفن على دور البحث عن الجمال وحده، تعطيل لوظيفة حيوية، وهو الذي يمكن أن ينقل الفنون والآداب إلى متاهات العبثية والانفلات، ومهما كان (الجمال ) مطلوباً لذاته، فإن فاعليته تكون أقوى وأجدى إذا ما الاتبطت أسبابه بتجلي الحقائق وإشراقاتها. وإذا كانت الحقائق قد شابها بعض الزيف أحياناً تحت التصورات الفلسفية وحديثاً، فإن القرآن قد وضع أيدينا على الحقائق الكبرى في الدنيا وفي الآخرة، وأعطى للمؤمن قناعات تامة لا تتزعزع في كثير من الجوانب، ولكن يبقى الباب مفتوحاً للكدح والتجربة من أجل الوصول إلى حقائق جديدة ثانية، ومن المعلوم أن صور الجمال لا تعد، وأ ن آفاق الحائق المختلفة لا تحدها حدود، والأديب المسلم يستطيع أن ينطلق دون عائق في عوالم الحق والجمال والخير والتوحيد والعدل والحب والرجاء.

وإذا كان الأدب أساساً هو التعبير الجميل، فإن (الفكرة ) هي عماد العمل الأدبي، ولها هي الأخرى جمالها، لأن العمل الأدبي كل لا يتجزأ، والجمال ينسحب على الشكل والمضمون معاً، وهذا ما أشار إليه بعض كبار النقاد، وفي الصدق الفني جمال يول حسان بن ثابت: وإن أشعر بيت أنت قائله بيت يُقال ـ إذا أنشدته ـ صدقاً

والمنفعة في العمل الأدبي لا تتنافى مع القيم الجمالية، وهذا راجع إلى قدرة الكاتب وبراعته في الأداء، لكن الذي لا شك فيه أن الشعارات الفجة، والدعاوى الصريحة، قد تفسد الكثير من جماليات الفن، ولقد استطاع كتاب كبار أن يجمعوا بين المنفعة والقيم الجمالية، فابدعوا أدباً جديراً باحترام العصور، ويقول (راسين ) (1) .

(الذي استطيع تأكيده، إنني ما فعلت في مكان آخر، كما فعلت هنا (مسرحية فيدر) في ابراز الفضيلة بشكل واضح، فاخف الأخطاء هنا تنال أشد العقاب، وفكرة الجريمة ينظر إليها هنا بالرعب نفسه مثلما ينظر إلى الجريمة ذاتها، ومواطن الضعف في الحب تصور هنا كمواطن ضعيفٍ فعليه، والأشواق تصور لمحض أنها تظهر الاضطراب الشامل الذي تسببه، الرذيلة هنا تصور في كل مكان لتجعل المرء يدرك بشاعتها فيكرهها. هذه في الواقع هي الغاية الصحيحة التي يتوجب على كل امرىء يعمل من أجل المجموع أن يضعها نصب عينيه، وهي بالذات مما كان يشغل بال شعراء المأساة الأوائل قبل غيرهم، فمسرحهم كان مدرسة تعلم الفضيلة بشكل لا يقصر عما تعلمه مدارس الفلاسفة.. ).

وإذا كان (ديدرو ) يرى أن العقلانية مفسدة للشعر، فإن (فولتر ) على النقيض منه يقول: (أنا لا أقدر الشعر إلا عندما يكون زينة العقل ).

وهناك مذهب شهير في الفن يطلقونه عليه مذهب (الجمالية )، ويدخل في نطاقه مذهب (الفن للفن )، والجمالية بمعناها الواسع (محبة الجمال )، وترى طائفة كبيرة من أصحاب هذا المذهب أن قيمة الفن توجد في ممارستنا المباشرة له، وليس فيما يقال عن تاثيره في السلوك، والفن ـ كما يقولون ـ يختلف عن الحياة، ولكن الموقف الجمالي يؤكد ذلك الاختلاف إلى حد القول: إن الفن لا علاقة له بالحياة، ولذلك فهو لا يحمل مضموناً أخلاقية، والجمالية تعطي الشكل أهمية كبرى، وتكون قيمة العمل الفني في الشكل دون الموضوع، بينما يرى آخرون من أتباع الجمالية: أن الجمال قيمة لا غنى عنها، تقديرها ضروري للحياة الخيرة ولكن لا يمكن فصلها عن قيمتي الخير والحق، وهي في الواقع تأتي بعدهما.

ونرى معظم النقاد الجماليون يزعمون أن المعايير الأخلاقية والدينينة والفلسفية غير ذات مغزى تجاه قيمة العمل الفني، وإذا كان للمحتوى (المضمون ) من أهمية فهي في حدود ما يساهم فيه في إطار الانطباع الجالي العام، والنقد عندهم تقديري لا تقويمي، فمهمه الناقد (الجمالي ) تفسير الأعمال الفنية وليس الحكم عليها بالجودة أو الرداءة.

وهناك طائفة ينتمون إلى هذا المذهب أطلق عليهم (أصحاب النزعة الأخلاقية ) وهم يرون أن الأدب قد يكون ذا مغزى أخلاقي، دون أن يكون تلقيناً واضح ومباشر، أي دون الإعلام عن مغزى على طريقة الموعظة أو الحكاية التحذيرية، وقد عبر (جورج اليوت ) عن ذلك حينما طلب من الروائيين أن يدافعوا عن الاصلاحات الاجتماعية، وذلك بإثارة العواطف الأنبل، وليس بوصف إجراءات خاصة. وعلى الرغم من أن المفكر والأديب (بيتر ) كان من المحتمسين في البداية لمذهب الجمالية والفن للفن، إلا أنه عاد بعد عشرين عاماً ليقول: إن الفن العظيم لا ينفذ شروط الفن الجيد فحسب ـ وهو ما يجب أن يفعله ابتداءً ليكون فنّاً ـ ولكنه يجب أن يعالج كذلك المسائل الإنسانية الكبرى، وعظمة الفن لا تعتمد على الشكل بل على المادة ، وعندما يكون الأدب أكبر تكريساً لزيادة سعادة الناس، ولإنقاذ المظلومين، أو لتوسيع نطاق التعاطف الإنساني، أو لتقديم حقيقة جديدة أو قديمة عن أنفسنا وعلاقتنا بالعالم، مما قد يعلي من أقدارنا، أو يشد عزائمنا في مقامنا بهذه الحياة.. فإنه بهذه الصفة ـ أي الفن ـ من الفن العظيم(1).

ومن هنا نلاحظ تضاد الجمالية مع مفهوم الأدب الإسلامي عند الغلاة من أصحابها، واقترابها منه لدى الجماليين (أصحاب النزعة الأخلاقية ) الذين لا يشعرون بتناقض بين القيم الجمالية ومحتواها الفكري أو العقائدي، وقيام الأدب برسالة هادفة، لتحقيق القيم الإنسانية العليا التي تحقق السعادة للفرد والمجتمع، وتهب الحياة قوة وفاعلية، وتمدها بأسباب النجاح، وتؤكد قيم الفضيلة والحق والخير.

ولقد سأل طالب جامعي استاذه بيتر قائلاً:

ـ (لماذا يجب أن نكون اخلاقيين (في الفن ) ؟

فأجابه بيتر قائلاً:

ـ (لأن ذلك غاية الجمال ).

وقد أشار بعض الدارسين والباحثين إلى خطورة (مذهب الفن للفن ) أو الجمالية المنحرفة وخطرها على السلوك والمجتمع، وضربوا مثلاً لذلك بشذوذ (أوسكار وايلد ) وآثاره الدبية التي تروج لذلك الشذوذ والفساد الأخلاقي.

وعلى الرغم من أن المفكر الأمريكي (بو ) يقر بوجود المغزى الأخلاقي في العمل الفني بشرط أن يأتي بصورة عرضية (أو أكثر من عرضية )، إلا أنه يقسم العقل إلى:

(عقل خالص = وذوق = وحسن خُلُقي … )

وهذه الثلاثة ـ في رأيه تتصل بالأجزاء الثلاثة في ثالوث القيم الأفلاطوني (الحق ـ الجمال ـ الخير )، فالعقل الخالص مع الحقيقة، والذوق مع الجمال، كما يرى (بو ) أيضاً أن الذوق يتصل بالواجب (الخير ) في مظهره الجمالي، وقد يستهويه جمال الفضيلة، وينفر من قبح الرذيلة.

إن الاضطراب الذي ساد المفهوم الجمالي، راجع إلى اختلاف المنطلق العقيدي الذي يبدأ منه المفكرون، وإن تزعزع القيم الدينية في الغرب، والموقف السيىء الذي وقفه المفكرون والأدباء والفنانون عامة من التصورات الكنسية وتاريخها قد ساعد على محاولة إقصائها عن الحياة والفكر والفن بصفة عامة، وهي ظاهرة خصام بين الكنيسة والفن، كما حدث بينها وبين السياسة والعلم، وقد ساهم هذا الموقف في انحرافات خطيرة للفلسفات والأداب الأوروبية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقلت عداوة إلى بلدان العالم الإسلامي والشرق بصفة عامكة، على الرغم من عدم وجود مبررات حقيقية لهذا الخصام في إطار المفهوم الإسلامي، ومهمتنا هنا أن نقضي على ظاهرة الخصام المفتعلة التي يحاول الضالون والمخدوعون الترويج لها في مجتمعنا الإسلامي. فالإسلام يعلي القيم الجمالية، ويعلي من شأنها، ويحيطها بسياج من العفة والنقاء والطهر، ويفتح الباب واسعاً أمام الإبداعات الفنية والأدبية الخلاقة، ويزيد (الكلمة الجميلة ) شرفاً حينما يكلفها بأعظم رسالة، وأسمى مهمة، وأرقى دعوة نزل بها الروح الأمين.

ورسالة الأدب الإسلامي، جزء من رسالة الإسلام الشاملة، ووسيلة من وسائله الفعالة، والإسلام الذي أمر المؤمنين أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد، وعلمهم أن الله نظيف يحب النظافة، جميل يحب الجمال، لم يتنكر في يوم من الأيام للجمال الذي هو صنع الله وإبداعه، والبيان سحر وحكمة.. أي جمال ومعنى، صورة فنية أخاذة، وحقيقة تشرق بالخير والحق والفضيلة والنور.. أيمكن أن يكون الأدب أرفع وأروع من ذلك ؟؟

مدخل إلى الأدب الإسلامي (1)

مدخل إلى الأدب الإسلامي (2)

مدخل إلى الأدب الإسلامي (3)

مدخل إلى الأدب الإسلامي (4)

مدخل إلى الأدب الإسلامي (5)

مدخل إلى الأدب الإسلامي (6)