المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

مكانتنا فى الكون ومكانة الكون فينا

د/ محمود حسن محمد        

 

       لسنا كائنات عابرة فى هامش الوجود، ولا ذرات تائهة فى فراغ بلا معنى، بل نحن نقطة التقاء بين اتساع الكون، وعمق الوعى، نقف فى منتصف المسافة بين المجهول واليقين، نحمل فى داخلنا أسئلة بحجم المجرات، ونبحث عن معنى يجعل لهذا الامتداد الهائل قلبا نابضا…

     إن الكون لا يسكن خارجنا فقط، بل يسكن فينا بقدر ما نسكن فيه، وكل محاولة لفهمه هى فى جوهرها محاولة لفهم أنفسنا .

      حين رفع الإنسان عينيه إلى السماء أول مرة، لم يكن يبحث عن النجوم بقدر ما كان يبحث عن موقعه فى هذا الامتداد المهيب، ومع كل اكتشاف علمى، يتسع الكون فى أعيننا ، لكنه فى الوقت ذاته يضيق فى قلوبنا حين ندرك أننا جزء من نظام أعظم لا يعمل بالصدفة وحدها، بل بتنسيق دقيق يجعل من كل حركة معنى ، ومن كل مسار رسالة ، لسنا غرباء عن هذا النظام، فنحن من مادته، ومن قوانينه، ومن إيقاعه الخفى .

    غير أن المعضلة الكبرى لم تكن يوما فى اتساع الكون، بل فى ضيق الرؤية الإنسانية حين تنسى ان المعرفة بلا حكمة قد تتحول إلى عبء، وأن القوة بلا معنى قد تصبح خطرا ….

     فكما أن للكون قوانينه الصارمة، فإن للإنسان قوانينه الأخلاقية التى تحفظ توازنه الداخلى، وكل حضارة تجاهلت هذا التوازن، اختلت علاقتها بذاتها قبل أن تختل علاقتها بالعالم .

       إن الروح وحدها لا تبنى حضارة، كما أن العقل وحده لا يصنعها ، نحتاج إلى رؤية ترى فى الكون مختبرا للفهم، وفى الإنسان مشروعا أخلاقيا مفتوحا بذكاء على التطورالمتجدد .

     الكون ليس مسرحا صامتا ، بل خطابا مفتوحا، والإنسان ليس متفرجا، بل شريكا فى القراءة، والتأويل… وكلما اتسعت معارفنا، ازدادت مسؤليتنا، لأن المعرفة ليست امتلاكا، بل أمانة، وليس وسيلة للسيطرة، بل دعوة للتوازن.

      نحن لا نعيش فى الكون فقط ، بل نعيد تشكيل صورتنا فيه عبر اختيارتنا، وقيمنا، ونظرتنا للآخر .

     وفى هذا التداخل بين الداخل والخارج، بين الذرة والمجرة، تتشكل حقيقة الإنسان، كائن يحمل فى قلبه صورة الكون، ويحمل الكون بصمته فى كل خلية من خلاياه، فإذا صلح وعينا، اتسع عالمنا، وإذا انحرفت بوصلتنا ، ضاق الوجود مهما اتسع.

       وهنا تكمن الحكمة الكبرى: أن نكون جسورا بين السماء والارض، لا جدرانا تفصل بينهما، وأن ندرك أن مكانتنا فى الكون لا تقاس بالحجم، بل بالمعنى، وأن مكانة الكون فينا لاتقاس بالمسافة، بل بالوعى.

كاتب المقال: د/ محمود حسن محمد

00971507734318