بقلم محمد بصري
برادلي ” الميتافيزيقا هي معرفة الحقيقة مقابل المظهر”
قد تكون مقاربة الميتافيزيقي بديلا لديداكتيك فلسفي أو لأي براديغم بيداغوجي يروم انبعاثا صحيحا لتدريس مادة الفلسفة، الجزء الحصين في تاريخ الفلسفة هو هذا المفهوم المبجل الذي بات وقود أي فكر فلسفي يعتقد بصلاحيته الأنطولوجية. كل نسق فكري أو حقل فلسفي قابل للاشتغال أو أي خطاب رغم مداءاته المنهجية او التنويرية يبدأ من تفكيك مفهوم الميتافيزيقا. لا يوجد جهاز مفاهيمي متكامل وواضح قابل للتحقق إلا وكانت في أولوياته تقييم معارفه من خلال هذا المبدأ الاغريقي والأرسطي. بؤس الدرس الفلسفي أنه أصبح فارغا من المحتوى الإثمولوجي أو أن البعد المفاهيمي الطاغي دون عمق تأويلي هو ما تعيبه المقاربات الجديدة على بيداغوجيا التلقين.
الميتافيزيقا كائن مفاهيمي خجول وعصي على الانضباط داخل أي جهاز مفاهيمي هو شبيه بالتوصيف التراثي لابن سينا”….كالشمس لو انتْتَقَتْ يسيرا، لاستعلنت كثيرا، فلما أمعَنت في التجّلي احتجبت، وكان نورها حجاب نورها…”[1] .معيارية هايدغر وهو يقيس هذا النموذج الفلسفي العابر هو تأكيده عليه كملح ضروري في التكوين الفلسفي، والإقصاء لايعني غير الوقع في وعي زائف غير مُكتمل.
الاسم الذي أطلقه أندرونيكوس الرودسي (322 ق.م) كونها تصنيف إغريقي ارسطي خاص، و الكلمة لها علاقة بالأنظمة الثقافية والمعرفية اليونانية. Meta ta physikaالتسمية و تعود وهذا عطفا على الاختلاف التأويلي الذي يبدأ من المشكلة الفيلولوجية التي يطرحها المفهوم خاصة التركيبة الاصطلاحية (ميتا) التي تعني الترتيب والتصنيف بالمقابل الانتشار والتمدد المفهومي الذي بات يعني اهتمامها بمواضيع ما فوق حسية أو تناقش كائنات غيبة لا تخضع للتجربة البشرية بل تتعالى عليها بالمطلق كفكرة الله والنفس وخلودها والحرية وهي أشياء غايات في ذاتها بالمقابل الاستخدام اللاهوتي والفكري للمركزية الغربية الذي استدعى التفسير الديني لها، بربطها بالفلسفة الأولى التي تُفصح عن وجود مُثل عليا تتسامى عن الواقع رغم محاولات الحداثيين إعادة المفهوم للواقع و إلى أسئلة الادراك العقلي والفينومينولوجي العميق . مفارقة أن تكون الميتافيزيقا وعي أم علم أم بحث يجعلها تتصدر أي كشف فلسفي بل يجب أن تتبناها أي مقاربة تدريسية أو حتى ديداكتيكية وهو ما دشنته الفلسفة الاسلامية التي وقفت كثيرا إزاء هذا المفهوم وتلاها الطرح الغربي السكولائي الأوروبي وتطرق لها توماس الاكويني وديكارت الوقت الذي نجد لها حضورا معرفيا وابستيمولوجيا محتشما في مناهجنا ودراساتنا الأكاديمية على الرغم من كونها مفتاح ادراك الفلسفة الجوهرية.ونجدها حاضرة في الدرس التدشيني الأول في منهاج الفرنسيين والألمان وبعض دول القارة الامريكية التي تنتهج المقاربات الانجلوساكسونية.
كان أولى بتسمية فلاسفة الغياب بالميتافيزيقيين فلا جديد في أفكار فلاسفة الحضور إلا الاستثمار والاشتغال بالأنساق الكبرى التي سجلها هؤلاء بعقولهم في صفحات الفكر البشري. .كل تأويل يخوض في عالم الغموض والتعالي إلا واستنجد باللغة الميتافيزيقية وبكثافة المعنى وفائضه، فالمفهوم بالقدر الذي تعرّض للمغالطات وسوء التقدير التفسيري فإنه يملك مناعة أنطولوجية عارمة.
الميتافيزيقا وفق النموذج الهيدغري الذي ما كان لفلسفته أن تقتحم الكينونة والزمان دون ميتافيزيقا “يرى”يتم فهمها كقدر لحقيقة الكائن أي للكائنية كحدوث مازال خفيا لكنه متميز ، وبالضبط كحدوث لنسيان الكون .[2].
الميتافيزيقا بالنسبة لمارتين هايدغر Martin Heidegger لا يمكن الانفلات منها فهي كمين فلسفي قديم، هي الصورة التي تراهن على قراءة الماهيات ،كلما أحلناها إلى الماضي تطفو في الحاضر فهي قدر الدزاين فهي تتجلى وفق احداثيات وجودية لا يمكن تخطيها وكأنها المَلَك الحارس الذي يتموقع بين الوجود الانساني والكوسموس..بالتالي المفهمة الهيدغرية ليست ضد المواضعات الميتافيزيقية فهو يقر أن كينونة الإنسان تتشابك مع هذا التصور حول الماهيات والحقيقة لا تكتمل إلا بنضج السؤال الميتافيزيقي أي أن اكتمال هذه الأخيرة لا تؤكد إلا التجلي الأخير لعقلانية واعية بالوجود الإنسانوي. السيطرة التامة على المعنى أو القيم أو الانتقال من معنى العدم السلبي إلى العدم الحقيقي من التصور كهيولي إلى الماهية كشرط للتحقق بين صعود وهبوط بين عالمين هما المثال والحس يقوم وفق تصور ماورائي وهنا يتغلغل السؤال الميتافيزيقي في الكينونة.
لاشك أن كثير من البرامج الثقافية والتعليمية التي تقتفي أثر التدريس الجاد للفلسفة تهتم بنحت المفاهيم في عقول مريديها من المتمدرسين حسب تنوع طبقاتهم العمرية والعقلية.
الميتافيزيقا كونها مفهوم جوهري أصيل في الفلسفة تداولته الأوساط المعرفية والأنطولوجية منذ 2600 سنة .شهدت عبورا فلسفيا وتاريخانيا في فكر البشر واحتلت منطقة عميقة في الوعي البشري كونها هي تعبير عن تساؤلات عميقة طالما رددها الانسان. هي خطاب و براديغم يدخل ضمن مبادئ التأسيس .لأن مرجعية كل درس تبدأ من هذا المجال.لأن بداية مأسسة الدرس الفلسفي تبدأ تفكيك مفاهيمي ،جينيالوجيا السؤال الفلسفي كان ميتافيزيقيا .بالتالي الهدر الديداكتيكي الذي نبدله في الفصول دون نتائج فعلية أو غائية سببه غموض في البدايات .نحن نعالج حزمة من المفاهيم بفصلها عن منابعها الأصلية.
الميتافيزيقا هي بحث عن المعنى أو هي المعنى داخل المعنى بل المعنى في تجليه الفلسفي المتعالي لأن السؤال الميتافيزيقي يعطينا قدرة التساؤل حول إدراكنا للحياة كما يقول باديو أو لنقل أن الميتافيزيقا هي عقيدة الفلاسفة الوجوديين وأساسها الفهم Verstehen الذي يخترق الحياة والوجود وإن كان الربط التاريخي لها في نحت المفهوم يرجع إلى أرسطوطاليس الذي جعلها آخر كتبه بعد الطبيعة موضوعها الوجود بما هو موجود.
كمثال ميتافيزيقية اللغة وتصوفها هو الذي أجهز على الحلاج وانهى حياته تحت صراخ الغوغاء.هو موت ميتافيزيقي غامض بالقدر ماهي لغة متصوفة أوحت معناها وفائضه بكلمات وألفاظ لم تتحمل صدق وقوة وتجلي المعنى .هي لغة قاتلة عكست فهما سقيما لعدم انسجام الانسان مع الماهيات.نعم السؤال الميتافيزيقي هو سؤال الماهيات والهيولي.
دعونا نقول أن الميتافيزيقا هي مبرر الدرس الفلسفي كونها مبحث يشتغل على الكليات والأصول والأسس التي تتجاوز ماهويا الجزئيات وهو ما أفرد له ارسطو الفيلسوف المشاء الذي جعلها تبحث في الوجود بما هو كذلك وما الطبيعية إلى إحدى فروعها المادية. فهي لا تُعنى بالعلم كظاهرة ومعطى مباشر بل بحقيقة العلم وحقيقة الحقيقة في ذاتها.
قد يكون للفلسفات النفعية والمادية وحتى اللغوية قوة الاحتجاج على الميتافيزيقا كونها تصور سديمي يتوارى خلف اللغة أو إنها لغة خادعة كما يسميها فنجغشتاين أو أنها فخ الغموض الذي نصبته لنا الفلسفات التقليدية وهنا الوضعية المنطقية ضد ليبنيز وديكارت وبركلي رغم محاولة هذا الفريق الانفكاك من المابعد طبيعة الإغريقي، فالحداثة التي أسس لها ديكارت يجب أن تجدد الخطاب و وسائلها المقولية والميتافيزيقية. جون ولدزم john Wisdom” بأنها كذبة بلقاء وتناقُضٌ ظاهر يستغل اللغة بشكل عجيب مثير ليلفت انتباهنا إلى وجوه من الاختلاف والشبه القائمة بين الاشياء التي نغفل عنها في حالة استخدام لغة الحديث الاعتيادية” [3]
هنا كأن الميتافيزيقا تمثل إرادة منسية أو وجودا متجاوزا فارغا لم يعد له امتداد داخل ذاكرة الفلسفة .مارتين هايدغر يعيد صياغة التقليد الفلسفي حول الوجود منظور إليه من زاوية ميتافيزيقية “إن مسألة الوجود تردت في النسيان رغم تجدد اهتمامنا بالميتافيزيقا وهو مايفترض معه أن الميتافيزيقا هي مجال تجلي الوجود، ولأنها كذلك بات منسيا” [4]
كيمياء التدريس هي الميتافيزيقا التي تخترق فن طرح السؤال بحيث يتجاوز فهما سقيما للمفاهيم كمعطيات جوفاء مُفرغة من روحها الكونية والتاريخية .فالفلسفة مسكونة بتاريخها وهي أشد المواد ولعًا بالماضي. لاميتافيزيقا الدرس هي استعداد كسول لهدم الثقافة النقدية داخل التعاطي الديداكتيكي مع التلميذ لذا علينا أن نجرد هذا المبدأ من غموضه ونستهل به أي مطارحات بيداغوجية فلسفية .السؤال هو ماذا لوعدنا إلى فضاءات الفلسفة الثلاثة الوجود والقيم والمعرفة سنجد أن الجزء الكلياني الذي تسبح فيه مناهجنا هو الميتافيزيقا. مادمنا ننقل السؤال الفلسفي نقلا ابيستيمولوجيا خاطئا من حقل إلى آخر فنحن لا ندرس إلا موضوعات ومجزءات تلقينية فاشلة.
بصري محمد باحث من الجزائر
هوامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش
1- محمد محجوب هيدغر ومشكل الميتافيزيقا دار الجنوب للنشر تونس ص9.
2- هايدغر تخطي الميتافيزيقا ترجمة اسماعيل مصدق ص1
3- جماعة من فلاسفة الانجليز طبيعة الميتافيزيقا دار عويدات ص 13
4- انظر محمد محجوب هيدغر ومشكل الميتافيزيقا دار الجنوب ص 105
*باحث من الجزائر





