المجلة الثقافية الجزائرية

“ميلانين” أو محوالة الخروج عن المألوف”

سفيان بن عون

يلحظ القارئ ومنذ البداية سعي الكاتبة إلى كسر نمطية الشكل الروائي والبحث عن شكل جديد تشكل وفقه نصها السردي وحتى كل ما يحف به من “مصاحبات نصية”(paratexte

وخاصة منها المصاحبات النصية الداخلية peritexte فنجد التصدير مثلا في آخر الكتاب وهو أمر لا عهد للقارئ به بل أكثر من هذا فإن هذا التصدير يمكن أن يتماهى مع “الميتاروائي” الذي يملأ صفحات الرواية ويستحوذ على الكثير من أسطرها في محاولة من الكاتبة اشراك قارئها في حيرتها أمام مسألة الإبداع وما يشوب عملية الكتابة من تعقيد وتشابك “ما أصعب أن تكون مسكونا بغرابة الحرف فتصنع عزلتك… وتصلب روحك وتبدو المسارب ملتوية تطوف بها وتطوف بك ثم تزهر الغواية ويتبين الطريق…” الرواية ص5. وفي إهداء يسبق هذا تتوجه بالشكر والإمتنان للجميع دون إستثناء ليشمل هذا الشكر القارئ أيضا ما يعني أنه حاضر وبقوة في ذهن الكاتبة وفيما ستكتب خاصة في “الميتاروائي” فهل يمكن أن تستدل بذلك على أن ذاك الحضور كان ظاغطا على الكاتبة والكتابة فشكلها بما هي عليه في نص الرواية فجعلها تسعى إلى بناء علاقة جديدة معه ولكن كيف ستكون ملامح هذه العلاقة: الإرضاء له أم التلاعب به والسعي إلى تغيير جمالية التقبل لديه؟ وبالتالي تعمد انشاء واقع قراءة جديد قائم على الإرباك والإبهار لا على الإستمتاع والتلذذ.

نعثر بعد ذلك على تصدير لإبن الرومي وآخر لجان بول سارتر فهل تبشر الرواية وفقا لذلك بنفس صوفي وإيقاع وجودي في نفس الوقت وهذا التمزق بين عالمين أليس هو نفسه انعكاس لتمزق الذات بين عالمين عالم الأصول التي تمتد الى عمق افريقيا وعالم باريس بين عالم الجنوب في أرض الوطن زمن الطفولة والعالم المتشابك والمتداخل الذي تتيه فيه بطلة الرواية في شوارع وأزقة مدينة الأنوار… أليس هو ذاك التمزق بين الأبيض الأوروبي والأسود الأفريقي الذي يسعى جاهدا لإقتحام المكان..

تنفتح بعد ذلك الرواية على:

_ فصل أول تحت عنوان”أنيسة عزوز” بطلة الرواية وهي كاتبة وصحفية تحقق في بعض القضايا الاجتماعية في باريس ومهمومة بكتابة روايتها وما تطرحها عليها من اشكاليات وخيارات فنية وإبداعية ” أفكر في التخطيط لمقتل بطل الرواي….” (ص20 الرواية.).

تتوقف اثر ذلك الكاتبة عن عنونة فصولها بالأرقام لتتحول إلى “أيام” فنجد الفصل الثاني بعنوان “يوم أول في باريس”ثم “ثالث” إذ لا وجود ليوم ثان. فكأنها في غربتها وبسبب تيهها الباريسي تقفز الأيام فتتداخل الحكايات وتظطرب الأيام لتفقد الإحساس بالزمن.

يأتي بعد ذلك” اليوم الرابع” وهو في الحقيقة فصل روايتها الخامس. إن عنونة الفصول بهذه الأيام يحيلنا حتما إلى نوع آخر آخر بعيد كل البعد عن الروايةهو “المذكرات” أو اليوميات والذي تدمجه الساردة بشكل جلي حين حديثها عن يومها الأول في باريس: “بدأت بتدوين انطباعاتي كما هو دأبي كل يوم… الأحد 28ديسمبر 2018…”ص17ثم تتوقف الأيام لتحل محلها ملفات “رقية القايد” ملف أول فملف ثان فثالث ثم “رسالة لسهيل” فقصاصة رقم 1 بإمضاء سهيل في سبتمبر 2011 فقصاصة ثانية ولكن هذه المرة دون تاريخ فثالثةيليها عودة إلى السرد المركزي /الحكاية النواة ثم قصاصة أخيرة…

مما تقدم يظهر أن الكاتبة مزجت في نصها بين أجناس مختلفة كفن الترسل واليوميات وحتى البعض من سيرة حياتها كما اعلنت بنفسها عن ذلك في تصديرها الأخير (ص164) وهي أجناس مألوفة ومعلومة في الأدب وأضافت إليها متأثرة في ذلك بتقنيات الحواسيب وما يوجد فيها من معطيات أضافت ما أسمته” ملفات” بالإضافة طبعا إلى الجنس الأصلي الذي صدرت باسمه الكاتبة كتابها وأقصد “رواية”…ولكن هل كان هذا الخليط ملمح تجديد فعلي في رواية “ميلانين” للتونسية فتحية دبيش أم هو عنصر مسخ وتهجين شتت العمل وأربكه؟