المجلة الثقافية الجزائرية

مِنْ أَعْمَاقِ الْمُجْتَمَع: قِرَاءَةٌ انْطِبَاعِيَّةٌ فِي رِوِايِةِ “طَلَاقٌ عَاطِفِيّ” للصّحفيّ الدّكتور خَلِيفَة ڨْعَيّد

  بقلم: الطاهر اعمارة الأدغم  

في البداية.. عودة إلى الماضي:

الحديثُ عن هذه الرّواية الجميلة يدفعُني، وبشدّة، إلى العودةِ نحو سنواتٍ بعيدة، وتحديدًا قبلَ أَرْبَعِينَ عامًا وَنَيِّفٍ.. ومن ثَمَّ الحديثُ عن طالبٍ جَامِعِيٍّ جاء زائرًا إلى منطقته المتواضعة، حيث كان يزاولُ دراسته في مدينة بَاتْنَة الأَوْرَاس الْأَشَمّ وجَامِعَتِهَا الْعَامِرَة، وكنتُ آنذاك تلميذًا في المرحلة التّعليميّة المتوسّطة بِمُلْحَقَةِ البشير الإبراهيميّ بالرّڨيبة التّابعةِ حِينَهَا لبلديّة ڨمار ولاية بِسْكَرَة.

يَوْمٌ كَغَيْرِهِ من أيّام الأسبوع… في فُسْحَةِ العاشرة لَفَتَ انتباهَنا شابٌّ يدخلُ من الباب الخارجيّ، ويمشي بخطًى واثقة حاملاً في يده أوراقًا ذات لون مُمَيَّز، متّجهًا نحو الإدارة.. وكانت مباني المُلْحَقة محدودةً ومتواضعةً نتقاسمُها مع مدرسة ابتدائيّة دون جدار فاصل بيننا.

وسرعان ما شَاعَ الخبر: الطّالب الجامعيّ خليفة ڨْعَيّد… يدرسُ في جامعة باتنة…

كان مظهره أنيقًا، مقارنةً بمستوى بداية الثّمانينيّات الميلاديّة من جهة، وبمستوانا نحن أبناء القُرى حيث نشتركُ في بساطة الملبس والمأكل والمسكن، وليس ذلك عن فَقْرٍ وَعَوَزٍ بالضّرورة؛ فقد كنتُ أعيشُ في قرية فلاحيّة أقلّ مَنْ فيها مستور الحال، وأغلبُ السُّكّانِ ممّن يملكون مزارعَ تَضُمُّ مائةَ نخلةٍ فأكثر، لكنّ الاشتراكيّةَ الشّعبيّةَ العفويّةَ، أو بقايا اشتراكيّة الرّئيس هَوَّارِي بُومَدْيَنْ رحمه الله، سَاوَتْ بين الفقير والغنيّ في الغالب، فالجميعُ متشابهون في وجبات الطّعام ونوعيّة اللّباس والحذاء، وحتّى في عمارة البيوت وتزيينها ونوعيّة أبوابها ومداخلها.

وللمفارقة، وأنا في وسط المرحلة الابتدائية زَارَتْنَا الاشتراكيّة، وربّما الشّيوعيّة الحمراء بِلَحْمِهَا وَشَحْمِهَا، في ديارنا ومزارعنا التّي نُسمّيها الغابات…؟

نعم.. زَارَ قريتَنا الفلاحيّة، هُبَّة، وزيرُ الزّراعةِ الصّينيّ ضِمن برنامجِ زيارته للجزائر.. وأَخْرَجَنَا المعلّمون من حجرات الدّراسة لنشاركَ الفلّاحينَ مراسمَ التّرحيب بالضّيف الزّائر وهو يصل إلى مزرعة، غَابَة، الطّيب كِرَام رحمه الله.

كانت تلك المزرعة هي الأحسن والأجمل ترتيبًا وتقليمًا للنّخيل والأشجار، والأكثر نظافةً من النّباتات الطُّفَيْلِيَّة.. وهكذا كانت دائمًا مَحَلَّ اختيار الجهات المسؤولة وهي تستقبلُ الضّيوفَ والوفودَ من داخل الوطن وخارجه.

 ومن الشّعارات التّي رَدَّدْنَاهَا يَوْمَهَا: يَحْيَا الشّعب الصّينيّ..

وعودة إلى ذلك اليوم والطّالب الجامعيّ الزّائر: قَرَأْنَا لَاحِقًا، وَبِشَغَفٍ وفضول، إعلانًا عن محاضرة ثقافيّة ينشّطُها ابن الرّڨِيبة، وموعدها الخميس آخر الأسبوع في مقرّ نادي الشّباب المهجور تقريبا، والقريب من الملحقة المتوسّطة والفرع البلديّ.

المحاضرة والحضور وخيبة الأمل:

مساء الخميس حضرتُ مع زميل من قريتي إلى مقرّ دار الشّباب بالرّڨيبة بعد أن أخبرتُ والدي بالأمر، فقد كان المساءُ عطلةً ولا مفرّ لنا من التّوجّه إلى مزرعتنا أو هُودِ نَخِيلَنَا للمشاركة في العمل؛ فلم نكن نعرفُ الرّاحةَ في غالب الأحيان، عدا العيد، وفي يومه الأوّل فقط.

وَأَخْبَرَ زميلي وجاري وَالِدَه هَرَبًا من العمل المسائيّ، فناداني والدُه ليتحقّق من صدق الخبر، وكان له ما أراد.

حَضَرَ المُحَاضِرُ الشّابّ، خليفة، وفي يده تلك الأوراق التّي شاهدناها معه قبل أيّام في المُلحقة، وكان في صحبته صديق له، وجَلَسْنَا أمام النّادي على الرّمل، فما زالتِ الرّمالُ نظيفةً في تلك السّنوات حتّى داخل التّجمّعات السّكانيّة.

وَطَالَ الانتظارُ.. وأحسّ خليفة بالقلق، وربّما الحرج، وسَأَلَ رفيقَه أكثر من مرّة: أين طلاّب الثّانوية..؟ حيث يدرسُ شباب الرّڨيبة في ثانويّات الوادي وڨْمَار..

وفي الوقت ذاته كنّا نتابعُ الشّبابَ بملابسهم وأحذيتهم الرّياضة في طريقهم إلى الملعب الرّئيسيّ بحيّ الشّرقيّة شماليّ البَلْدَة.

ومرّ من الوقت أكثر من ساعة، ودبّ اليأسُ في وجدان المُحاضِر، واستبعدَ وصولَ أيَّ عدد من الجمهور المستهدف أو المُحْتَمَل؛ فَشَكَرَنَا الطّالبُ خليفة على حضورنا وقَدَّرَ حُبَّنَا للثّقافة، ثمّ كَافَأَنَا بعشرة دنانير نَقْتَسِمُهَا نحن الاثنين خمسة خمسة.

كان المبلغُ معتبرًا في تلك السّنوات، خمسة دنانير، حيث يمثّلُ مصروفَ يومٍ كاملٍ لنا في رحلتنا من قريتنا إلى مقرّ ملحقة المتوسّطة بِبَلْدَةِ الرّڨِيبة التّي تبعد عنا قرابة السّت كيلومترات.

كنتُ استلمُ من الوالد رحمه الله خمسة دنانير يوميًّا تشملُ أجرةَ النّقل ذهابًا وإيَّابًا، وطعامَ الغداء عند الاستراحة بين فَتْرَتَيْ الصّباح والمساء، وكانت ساعتيْن كامِلتيْن.

الغداءُ كان عبارة عن أكلة (دُوبَارَه) عند عمّي العيد رحمه الله، وثمنها دينار ونصف تشملُ رُبْعَ خبرة وصحن الحُمّص، الدّوبَارة.. وأحيانا نادرة كنّا نقصدُ محلّ (الحَزَّار) حيث ندفعُ دينارين مقابل الوجبة نفسها، وكان محلّه وسط سوق الرّڨِيبة العامر.

وفي مرّات عديدة نشتري خبرا وجُبنًا ونتجمّعُ في مكانٍ غير بعيد عن البيوت لنتناول طعامنا ونطلبُ الماءَ من أقرب بيت.. ثمّ نعودُ لفترة الدّراسة المسائيّة.

الرّواية وماهيتها:

وبعد… فإلى الرّواية، وإلى الرّوائيّ خليفة ڨْعَيّد..

لكنّه الآن: الدّكتور والأستاذ الجامعيّ والصّحفيّ والكاتب وابن المدينة.. بعد أن هَاجَرَ من البَلْدَة منذ سنوات طويلة..

الرّوايةُ باختصار هي زواجُ حبٍّ ناجح.. لكنّه راح يتدحرجُ مع الزّمن والرّتابة والرّوتين إلى حالةِ طلاقٍ عاطفيٍّ تنتقلُ من مرحلة حادّة إلى الأشدّ حِدّة منها…!

وفي الأخير يصلُ الكاتبُ بأبطاله وشخصيّاته إلى عدد من الانعطافات المُرْعِبَة، لكنّه يحافظُ برباطةِ جأشٍ وعقلانيّةٍ وحكمةٍ على زمام القافلة ليختار لها نهايةً أَبَانَ فيها مهارةً عاليةً في القيادة نحو الأسلم والأحكم والأفضل والأجمل..؟؟

الرّوايةُ غَاصَتْ، أو غَاصَ كاتبُها، بعمقٍ شديدٍ في المجتمع، حيث البيوت والأُسَر من الدّاخل، وكأنّك تتابعُ مسلسًا تلفزيونيًّا اجتماعيًّا أَبْدَعَ فيه كاتبُ السّيناريو والمخرجُ وفريقُ التّمثيل..

كما أماطت اللّثامَ عن جوانب من حياة أبناء بيئة الأحداث، وصولا إلى الجارة الشّقيقة تُونِس الخضراء، حيث رحلات التّجارة والعلاج والسّياحة.

وبيئةُ الرّواية ظهرت في ص: 58 عندما استعمل الكاتبُ مصطلح (خَوَاطِرُهُ طَيّبَة).. وهو تعبير شائع في إقليم وادي سُوف، الجنوب الجزائريّ، وما جاوره..

ثمّ تجلّت البيئةُ أكثر عند الحديث عن السّفر إلى خارج الحدود؛ فالمنطقة تعيشُ توأمةً دائمةً مع تُونِس خاصّة الجنوب وبلاد الجريد تحديدا.

وعموما.. عندما تقرأُ لِصَحَفِيٍّ مُتَمَرِّسٍ تَرَبَّعَ على عرش الصّحافة في منطقته، وغاص في أعماق المجتمع؛ سيقابلك حتمًا ذلك الفرقُ الذّي يصنعُ الفرقَ.. وهو بالفعل في هذه الرّواية..

الدّكتور الصّحفيّ خليفة ڨْعَيّد ابن القرية والحيّ المتواضع، ثمّ المدينة وفي قلبها بالتّمام والكمال، يجمعُ بين ثَقَافَتَيْنِ يصعبُ الجزمُ بأنّهما متباينتان، لكنّ المؤكدَ أنّ لكلّ واحدة منهما خصائصها وسلبياتها وإيجابياتها.. وفوق ما سَبَقَ يملكُ الرّوائيُّ بَاعًا في الثّقافة الشّعبيّة، وهي في صميم أطروحته للدّكتوراه الْمُعَنْوَنَة بــ: تفعيل الثّقافة الشّعبيّة في التّنمية المُستدامة، نموذج وادي سُوف.

إذن: الرّوائيُّ خليفة ڨْعَيّد ابن المجتمع بامتياز، ومخضرم حين زَاوَجَ بين نشأة القرية وحياة المدينة، ومن ثمّ تَوَغَّلَ في حَوَارِي وخَبَايَا المجتمع المَحَليّ مُتَجَوِّلاً بِحُرِّيَةٍ وَجُرْأَةٍ داخل البيوت والنّفوس والمجالس والأسواق، كما جاءت كلماتُه وانتقاداتُه ورسائلُه في وقتها المناسب حيث انتشار ظاهرةِ الطّلاقِ والخُلْعِ والنّسويّةِ الدّخيلة غير السّويّة.

مفاهيمُ وممارسات خاطئة عَرَّتْهَا الرّواية:

الكاتبُ بَادَرَ من خلال الرّواية وشخوصها وأحداثها إلى تسليط الضّوء على مفاهيم خاطئة قَصْدَ التّحذير منها:

في صفحة 61: نجدُ (اَلْبَزْنَاسَة) تحاولُ إقناعَ البطلة لْوِيزَة بِعَدَمِ جَدْوَى الزّوج، وأنّ مصلحتها في جيبها وأولادها، ثمّ تمطرها بِقِصَصِ نساءٍ مطلّقاتٍ وهنّ في سعادة غامرة مع أبنائهنّ وداخل جدران بيوتهنّ..!!

وفي الصّفحة ذاتها: ظاهرة الحديث غير المنضبط وغير الضّروريّ بين التّاجر ولْوِيزَة وجارتها الأرملة كريمة “هُمَا مرتاحتان مع رياض ويتبادلان معه أطراف الحديث إلى درجة أنّهما يَرْوِيَانِ له بعض النّوادر السّاخرة فينفجرُ وإيّاهنّ ضَحِكًا”.. والمبرّرُ هو صناعةُ أُلْفَةٍ معه تدفعُه لتخفيض أسعار المشتريات لهما..!!

وفي صفحة 62: مع التّاجر رياض.. “تتكلّمُ كريمة في نبرة مُدَلَّلَة: رياض.. لابدّ أن تخفّض لنا السّعر أكثر حتّى يكون هامش رِبْحِي معقولا… ويلتفتُ رياض إلى لْوِيزَة مبتسما: مَدَام لْوِيزَة.. ذاك الفستان جميل يناسب قوامك، فأنت تَبَارَكَ الله جميلة وهذا الفستان يُظْهِرُكِ أجمل”..!!

وفي صفحة 70: بعد أن صارت لويزة صاحبة مال من خلال التّجارة مع جارتها كريمة؛ يوردُ الكاتبُ مشهدَ جدالها مع زوجها أَدْهَم ومغادرةَ المجلس دون احترام.. ويقول أدهم في نفسه: “.. يُقال إنّ المرأة عندما ينبتُ فيها ريشُ المال تتجبّر وتتكبّر وتتمرّد.. لعلّ هذه نقطة الضّعف التّي تُصيب المرأةَ المتزوّجةَ في مَقْتَل فَتَزْدَرِي زوجها وتهدمُ بيتَها”..!!

وفي صفحة 77: تسلّطُ الرّوايةُ الضّوءَ على مسألة استعمال التّكيّيف الزّائد في فصل الصّيف، فالأصلُ هو تلطيفُ الجوّ وليس تحويل الصّيف إلى شتاء… “في موسم الصّيف تتذرّعُ لْوِيزَة بأنّها تُفَضِّلُ قضاء قَيْلُولَتِهَا وليلتها بين أبنائها في بَهْوِ البيت حيث المكيّف من النّوع الجيّد الذّي يحوّلُ المكانَ إلى ما يشبه الثّلاجة”..!!

وفي صفحة 89: يُعَرِّجُ الكاتبُ على مَرَضِ التّفاخر بالذّهب والحِزَام أمام الأخريات.. “ترفعُ المتزيّنةُ بالذّهب رأسها في أَنَفَةٍ وتَكَبُّرٍ لِشُعُورِهَا بأنّها تمكّنت منهنّ حينما جعلتهنّ يَنْحَنِينَ في ذُلّ لِسَطْوَةِ المعدن الأصفر، وينجذبن إلى فتنة الحُليّ الكثيرة التّي حالت دون انتباههنّ إلى دَمَامَة وجهها أو عيوب قِوَامِهَا وعدم تناسق لباسها مع جسدها المُتَرَهِّل”..!!

وفي صفحة 160: “الحديث عن شبكات التّواصل.. “ذلك الشّيطان اللّعين الذّي عصى الله ولم يسجد لآدم معروف.. لكنّي أقصدُ شيطانَ شبكات التّواصل.. لقد دمّرَ عقولَ التّلاميذ والشّباب وأَتْلَفَ حكمةَ كبار السّن وهَدَمَ عائلاتٍ بكاملها وفرّق بين الأزواج.. إنّه خطر كبير كتعاطي المخدّرات والخمور”..!!

وفي صفحة 166: يُوَجِّهُ الكاتبُ القارئَ إلى الحفاظ على صحّته من خلال ترك عادة تناول المشروبات الغازية… “عمّار ليس مريضا بالسّكريّ حتّى يمنع نفسه عن كلّ شيء حُلْو، لكنّه يستحسن استهلاك القهوة والشّاي من غير سكّر، بل حتّى المشروبات الغازيّة المُحَلَّاة بهذه المادّة البيضاء لا يستهلكها حفاظاً على صحّته”.

قِيم وأخلاق نبيلة:

سلّطت الرّوايةُ الضّوءَ على عدد من القِيم والأخلاق التّي يحتاجُ المجتمعُ إلى تثبيتها وترسيخها بين أفراده، ومن ثمّ تظهرُ ثمارُها على الأفراد والأُسَر على حدّ سواء.

في صفحة41: يتحدّثُ الرّوائيُّ عن صِلَةِ الرَّحِمِ والعلاقةِ مع الجيران، خلال زيارة الأبناء لبيت جدّتهم في العطلة المدرسيّة.. “الفرصةُ سَانِحَةٌ هناك للتّزاور وربط العلاقات مع الأقارب والجيران في الحيّ حتّى يحافظوا عليها في الكِبَر”.

وفي ص 75: نطالعُ حديثًا قَيِّمًا عن قِيمَةٍ التّدريب والتّكوين.. “لْوِيزَة ما دُمْتِ ترفضين أيّ إرشادات ونصائح منّي، ما رأيك في أن نقوم جميعا مع الأولاد بمتابعة دروس ودورات في التّنمية الذّاتية والتّربية الأُسريّة بأحد المراكز القريبة، فنحن بحاجة إلى أن نضخّ في عقولنا ونفوسنا ما يفيدنا من لُدُن خبراء لتجاوز مشاكلنا وتعزيز إرادة حلّها والتّمتع بحياة أجمل؟”.

وفي صفحة 79: تُعْلِي الرّوايةُ من قِيمة وخلق الصّبر.. “يصمتُ لَدْهَم.. يبدو الغضبُ واضحًا من عَيْنَيْه المحمرّتيْن.. يوشكُ أن يلطمها على وجهها المستعر أو يرمي لها بيمين الطّلاق ثلاثا، لكنّه يتراجع رحمةً بها وبه ويقول في نفسه: لا شكّ في أنّها مجنونة وهي أدعى إلى الشّفقة ولا بدّ له من الصّبر الجميل لعلّ الله يغيّر حالها البائس إلى حال أفضل”.

بين الأدب والصّحافة:

المعروفُ أنّ الخيالَ في الأدب يتراوحُ من مقدار قليل في الأدب الواقعيّ إلى مقدار كبير جدًا في الأدب الخياليّ، والرّوايةُ التّي بين أيدينا تنتمي إلى الأدب الواقعيّ..

ومع أنّ قُبَّعَةَ الأديبِ هي الظّاهرة على رأس الدّكتور خليفة في هذه الرّواية، وهو الأستاذ بكليّة اللّغات والآداب بجامعة الشّهيد حَمَّه لَخْضَر بالوادي؛ فلا أستطيعُ التخلّصَ من فكرة أنّ السّيد خليفة صحفيّ في الأساس ولسنوات طويلة، وكان عميدا للصّحفيّين على مستوى ولاية الوادي، وربّما الجنوب بأكمله، وما زال.

ووظيفةُ الصّحافةِ أو الإعلامِ كما يقرّرُ أهل الاختصاص: “تزويدُ النّاس بالأخبار الصّحفيّة والمعلومات السّليمة والحقائق الثّابتة”.

والسّؤالُ هنا عن رحلات تونس التّي قامت بها بطلةُ الرّواية، وخلال إحدى الرّحلات على وجه التّحديد، وما حدث فيها عندما اقتربت البطلةُ من الوقوع في هاوية الرّذيلة..!!

هل ما ورد في الرّوايةِ هو معلومات أم خيال..؟ لا أدري…

هل هي مصادر الصّحفيّ، أم خيالات الأديب…؟

والأمر ذاته في صفحة 56: “طوال الطّريق والجارتان لا يكفّ لِسَانَاهُمَا عن انتقاد ما يصادفان من رجال ونساء خاصّة الفتيات المراهقات اللّاتي يَطْلِينَ وجوههنّ بالمساحيق ويمشين شبه عاريات، فيما يبدو الرّجال راضين عن هذا الوضع الذّي زَرَعَتْهُ المدينة”.. !!

ومرّة ثانية.. هذا خيالُ أديبٍ أم معلومات صحفيّ؟… لأنّ هذا الأمر غير معروف في بيئة الرّاوي والرّواية.

نعم.. هناك شيء من التّبرّج أو الزّينة المُبَالغ فيها أمام النّاس، أو اللّباس غير المحتشم نوعا ما.. أمّا العُرْيَ فهو حالات شاذّة إن سَلَّمْنَا بِوُجُودِهِ من الأساس..

وهكذا… هل غلبت فكرةُ الإثارةِ في الصّحافة وعناوينها في هذا السّياق..؟

الأدب والاستيراد:

وبعد الأدب والصّحافة وتداخلهما في الرّواية، كما سبق، هناك مسألةٌ أخرى وهي الاستيراد…

والمقصود هنا هو استيراد البيئة، أو ثقافة البيئة الأخرى، خاصّة الغالبة في هذا الزّمان..

في صفحة 6: “.. فيما تَدَلَّتْ من سقف البهو أشرطة مزركشة من المصابيح الكهربائيّة الصّغيرة المضيئة تشبه تلك التّي تُوضَعُ على شجرة ميلاد السّيّد المسيح”..!!

في قصص الشّباب الآن نجدُ هذا النّوعَ من التّأثّر، ومن ثمّ الاستيراد وما يَشَي به من إعجاب وما شَابَهَ ذلك.. لكنّ الدّكتور خليفة لم يكن في حاجة إلى هذا السّلوك، في تقديري على الأقلّ، وكان في وُسْعِهِ التّشبيه بما تزخرُ به بيئة الرّواية من ألوان وأشكال.

وأتذكر في هذا السّياق: بتاريخ 25-09-1999… كنتُ أحاولُ إتمام قراءة رواية لفاطمة المرنيسيّ المغربيّة (1940-2015)، وأنا على مَتْنِ حافلة عموميّة في رحلةِ سفرٍ من مدينة إلى أخرى، في بلاد الغُربة، وكَتَبْتُ لَاحِقًا في دفتر ذكرياتي: “…كنتُ أواصلُ القراءةَ في كتاب “نساء على أجنحة الحُلم” للكاتبة المغربيّة فاطمة المرنيسي، وقد كنتُ مُعْجَبًا بأسلوبها الرّوائي الشّيّق، ولكنّني انزعتُ جدًّا من عبارةٍ وَرَدَتْ في الرّواية وهي تصفُ ابن عمّها.. قالت: [أقربُ إلى الآلهة منهم إلى البشر].. فهذه العبارة ناشزة وفي غير محلّها عندما تصدرُ عمّن عاش في بلاد التّوحيد، ولكنّها لا تُستغربُ لو قالها كاتبٌ يونانيُّ قديمٌ أو هنديٌّ حيث التّعدّدُ في الآلهة والتّجسّدُ هو السّائد والغالب.

الأمرُ ذاتُه فَاجَأَنِي وأنا أقرأُ قصّة (السّرّ) ضمن المجموعة القصصيّة (أخاديد على شريط الزّمن) للأديب والقاصّ والكاتب المجاهد بشير خَلَفْ (مواليد ڨْمَار، الوادي 1941)، الصّادرة عن وزارة الثّقافة، الجزائر 1977: وهو يتحدّثُ عن أمّ بطلِ القصّة: ثمّ تُخاطبني بِنَبْرَةٍ ثابتةٍ وبصوت هادئ رزين ونظرتها لا تتحوّل عن وجهي، وكأنّها راهبٌ يؤدّي صلواته في خشوعٍ ناظرًا إلى صورة العذراء..!

الأستاذ بشير ابن ڨْمَار وبيئة سُوف وهي مشحونةٌ بِصُوَرِ الشّيوخ والعجائز وهم يؤدّون الصّلاة ويُتْبِعُونَها بجلساتِ خشوعٍ وذِكْرٍ مصحوبة بهدوء ورغبة في عدم المقاطعة مهما كان الأمر… فما الدّاعي إلى الاستيراد من هناك.. من بعيد..؟

عندما يفلتُ الزّمامُ من يد الدّكتور:

حَاوَلَ الكاتبُ خليفة أن يرسمَ المسارَ الصّحيح والقِيم والأخلاق، وبالتّالي الألفاظ الخاصّة بكلّ شخص حسب تعليمه وقِيَمِهِ.. لكنَّ الزّمامَ فَلَتَ منه في بعض المواضع..

في صفحة 257، وعندما تَرُدُّ البطلةُ لْوِيزَة بعنف على ابنتها حياة: “عليك اللّعنة! جَلال أنت أحمق مثل جابر.. وأنتِ حياة عمّا تضحكين؟ كلّهم حمقى.. اخرجوا عنّي..”

وكان سياقُ الرّواية، حين صدرت هذه الشّتائم القاسية، قد وصلَ إلى إطارِ تصحيح المسار، حيث كانت البطلةُ قد بلغت قبل إطلاق اللّعنة، وما معها من شتائم، مستوىً متقدّمًا جدّا من خلال المدرسة القرآنيّة والتّربيّة والتّطوير الذّاتيّ وتَحَوُّلِّهَا إلى مُرْشِدَةٍ اجتماعيّة تَشْرَئِبُّ الأعناقُ نحوها وهي تتحدّث في دورات أُسَريّة وتربويّة..

فكيف يستقيمُ ذلك دكتور خليفة..؟

كيف تخرجُ الشّخصيّةُ المتوازنةُ والمُربيّةُ وحافظةُ القرآن عن طورها بهذا القدر..؟

وممّا خَالَفَ فيه الكاتبُ الواقعيّة، وبالتّالي فَلَتَ الزّمامُ منه، ذلك الإغراق في المثاليّة، أو الصّورة الْمُتَخَيّلَة.. فالواقع عندنا، في بيئة الرّواية، يصعبُ فيه أن تُزَغْرِدَ البنتُ المتزوّجةُ النّاضجةُ في خِطْبِةِ وَالِدِهَا لامرأة بعد أن طلَّقَ أُمَّهَا، مهما كان حرصُها على الوالد ومصلحته وتقديرها لظروفه..

نعم في حالةِ وَفَاةِ الأمّ تسعى البناتُ لتزويج الوالد في الغالب، ومع ذلك تظلُّ في النّفوس غُصَّةٌ عن الوالدة وأيّامها وذكرياتها..

هي صورةٌ قويّةٌ ومثاليّة، ولا أظنّها واقعيّة؛ فَأَنْ تقبلَ الفتاةُ بِفِكْرَةِ تزويج الوالد شيء، وأن تزغردَ فرحًا بذلك شيءٌ آخر تماما..

ومع ذلك، دَعُونَا نُجَامِلُ الدّكتور خليفة ونلتمسُ له العذر فيما ذهب إليه، ومن ثمّ نسلّمُ أنّ من حقّ الرّوائيِّ أن يتخيّل واقعًا ليقول للنّاس إِنّ هذا هو الصّواب، أو ما ينبغي أن يكون.. أو ليس مستحيلا على الأقلّ.

ومرّة ثالثة يفلتُ الزّمام.. فَفِي الرّواية مشاهد جريئة أو حميميّة كما يعبّرُ عنها النّقادُ أثناء الحديث عن الدّرَامَا والتَمثيل.. ولنا أن نتساءل: هل الرّواية للكبار فقط.. وبالتّالي لن نَضَعَهَا على الطاولة في بيوتنا..؟

ثمّ نساءل: أين ذلك الخيط الرّفيع بين تصوير الواقع والمشهد الحقيقيّ، والابتعاد في الوقت ذاته عن أيّ شكل من أشكال إثارة الغرائز خاصّة عند القرّاء الشّباب..؟

وختاما:

منذ وصولي إلى منتصف الرّواية توقّعتُ أن يختارَ الرّوائيُّ النّهايةَ السّعيدةَ والإيجابيّةَ.. وهناك مذهبان في هذا الشّأن هما:

النّهايةُ الإيجابيّة، وتُعتبرُ محفّزة، لأنّها تبثُّ التّفاؤلَ وتشجّعُ على الإيمان بأنّ الخيرَ سينتصر في النّهاية…

والنّهايةُ السّلبيّةُ التّي تُعتبرُ مؤلمةٌ أو صادمة، لكنّها تُحفّزُ القارئَ على التّفكير في العواقب التّي قد تترتّبُ على تصرّفات البشر أو الظّروف المحيطة، ومن ثمّ الشّعور بالمسؤولية تجاه ما يجري.

ويمكنُ للكاتب أن يختار بين النّهاية الإيجابيّة أو السّلبية بناءً على الغاية التّي يرغب في تحقيقها، وهل يريدُ من القارئ أن يشعرَ بالارتياح والبهجة، أم يتركه في حالة من التّفكير العميق أو التّأثّر..؟

والنّهاية التّي رَسَمَهَا الدّكتور خليفة كانت قويّةً وممكنةً وواقعيةً باعتبار ما نعايشُه من أدوارٍ وتأثيرٍ للمدارس القرآنية ومراكز التّطوير الذّاتيّ والدّراسة بالمراسلة، وكلّ فرص التّكوين والتّعليم المتاحة في مجتمعنا.. وأكثرنا يحتفظُ بقصصٍ حقيقيةٍ لرجالٍ ونساءٍ ساروا على هذا الطّريق وعاشوا من جديد حياة العلم والتّربية والثّقة في النّفس وتقدير الذّات.

وبالنّسبة لقوّة مراكز التّطوير الذّاتيّ.. هل تخيّلَ الكاتبُ بيئةً شبه مثالية فعلا، أم أنّ في بيئة الرّواية مراكزَ وصلت فعلا إلى هذا المستوى من الإدارة والنّظام والتّكوين الرّاقي والسّلوك الحضاريّ..؟

الأمرُ مُقدّر في الحالتين، سواء كان كذلك، أم هو تخيّلٌ وتفاؤلٌ بما ينبغي أن يكون.

تَوَقَّعُتُ، كما سبق، أن تكون النّهايةُ سعيدة، لكنّني لم أتصوّرها بهذه الكثافة في اللّغة والأفكار والرّسالة، خاصّة أنّ الصّفحات الأخيرة تسارعت فيها الأحداثُ حتّى أصابتني بشيء من التّوتّر.. وأخيرا.. وصلتُ إلى النّهاية لِأَخْتَطِفَ الهاتف، وَمِنْ حُسْنِ الحَظِّ أَنَّنَا لَمْ نَصِلْ إِلَى مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ بَعْدُ، وأخاطبَ الدّكتور خليفة دون مقدّمات: مَاذَا فَعَلْتَ يَا رَجُل..؟؟؟

………………………………………….

عدد الصّفحات: 264، قطع متوسط / دار هيبورجيوس للنّشر والتّوزيع، عِنَّابَة، الجزائر، الطّبعة الأُولى، السّداسي الثّاني، 2024.

*كاتب، أستاذ جامعيّ