د. محمد يسري أبو هدور
لم تكنْ الآثارُ النبوية في التاريخ الإسلامي فقط بقايا مادية تنتمي إلى الفترة المبكرة في الإسلام التي مثلت زمن التأسيس الأول، ولا محض متعلقات مرتبطة بالسيرة النبوية تُستحضر للتبرك أو الاستذكار؛ بل تحولت عبر مسار تاريخي طويل، إلى أحد أهم عناصر الشرعية الرمزية داخل المجال السياسي الإسلامي الجمعي. فمنذ اللحظات الأولى لتكوّن الدولة الإسلامية، نشأ وعي مبكر بأن الاقتراب من النبي —ولو عبر الأشياء المنسوبة إليه— يمكن أن يمنح الشخص سلطة معنوية تتجاوز حدود القوة العسكرية أو النفوذ الإداري والحكومي، الأمر الذي يتماهى بدرجة كبيرة مع ما سماه ماكس فيبر بـ «الشرعية الكاريزمية»، أي الشرعية المؤسسة على الاتصال بالمقدّس لا على محض السيطرة المادية (1)
في هذا السياق، لم تَعُدْ الآثارُ النبوية —مثل السيف، والبردة، والمصحف، وخصلات الشعر، والعمامة— أشياء مادية بسيطة فحسب؛ بل غدت -في واقع الأمر- رموزًا سياسية كثيفة المعنى، تستثمرها الدول والجماعات لإنتاج سردياتها الخاصة عن الحق في الحُكْم.
في هذا السياق، لم تَعُدْ الآثارُ النبوية —مثل السيف، والبردة، والمصحف، وخصلات الشعر، والعمامة— أشياء مادية بسيطة فحسب؛ بل غدت -في واقع الأمر- رموزًا سياسية كثيفة المعنى، تستثمرها الدول والجماعات لإنتاج سردياتها الخاصة عن الحق في الحُكْم. فامتلاك «أثر» منسوب إلى النبي لم يكنْ يعني امتلاك جزء بسيط من الماضي فحسب، بل كان يعني —في المخيال الجمعي الإسلامي—امتلاك امتداد رمزي لذلك الماضي، ومن ثم القدرة على ادعاء الوصل المباشر بزمن النبوة نفسه.
هذا ما يفسر لنا لماذا تنافست الأسر الحاكمة الإسلامية— من الخلافة الأموية إلى الخلافة العباسية، ومن الفاطميين إلى المماليك، وصولًا إلى العثمانيين—على جمع هذه الآثار واحتكارها، ولماذا أُنشئت لها خزائن خاصة، وطُوّرت حولها طقوس رسمية، وصارت جزءًا من مسرح السلطة وهيبتها. إذ أدركت هذه الأنظمة، بدرجات متفاوتة، أن الشرعية لا تُنتَج بالقوة وَحْدها، بل تحتاج إلى منظومة رمزية متكاملة، تُصبح فيها الآثار المقدسة أحد أهم أدوات امتلاك السلطة.
وإذا كانت الدراسات التقليدية قد تناولت هذه الآثار من زاوية الحديث عن صحتها أو تاريخ انتقالها، فإن هذه الدراسة تنطلق من زاوية مختلفة: لا تسأل فقط ما تلك الآثار؟ بل تسأل: ماذا فعلت تلك الآثار في التاريخ السياسي الإسلامي؟ وكيف أُعيد توظيفها في لحظات التنافس، والصراع، والتحول، وتأسيس الدول؟
إن الفرضية المركزية لهذا المقال هي أن الآثار النبوية لم تكنْ مجرد موضوع للتدين الشعبي والفلكلوري، بل كانت جزءًا -أصيلًا- من تِقْنيات الحُكْم
إن الفرضية المركزية لهذا المقال هي أن الآثار النبوية لم تكنْ مجرد موضوع للتدين الشعبي والفلكلوري، بل كانت جزءًا -أصيلًا- من تِقْنيات الحُكْم؛ استُخدمت لإنتاج الطاعة، وترسيخ الهيبة، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمقدّس. ومن هنا، فإن تتبع مساراتها يكشف لنا جانبًا بالغ الأهمية من تاريخ الإسلام السياسي، لا تعمل فيه الرموز بوصفها انعكاسًا للسلطة فقط، بل بوصفها أدوات لصناعتها نفسها.
الأثر بوصفه رأسمالًا رمزيًا: من الذاكرة الدينية إلى الشرعية السياسية
إذا كانت السلطة السياسية في التجرِبة الإسلامية قد تأسست—في صورتها الأولى—على الاجتماع حول النص المؤسِّس والقيادة النبوية، فإنها سرعان ما وجدت نفسها، بعد وفاة النبي، أمام معضلة جوهرية: كيف يمكن إنتاج الشرعية في غياب الشخص المؤسِّس نفسه؟ هنا تحديدًا برزت أهمية ما يمكن تسميته بـ«المجال المقدّس»، أي ذلك المجال الذي تُعاد فيه صياغة العلاقة بين السلطة والرمز، بين الحُكْم والذاكرة، وبين الدولة والقداسة (2)
في هذا السياق، اكتسبت الآثار النبوية قيمة تتجاوز بعدها المادي المباشر. فالسيف لم يَعُدْ مجرد سلاح، والبردة لم تَعُدْ مجرد ثوب، وخصلات الشعر لم تَعُدْ مجرد بقايا جسدية؛ بل تحولت إلى علامات سياسية تحمل معنى الامتداد، وتوحي بأن من يمتلكها يمتلك—رمزيًا—صلة خاصة بزمن النبوة، بكل ما يتصل به من معاني رُوحية عميقة وشعور قوي بالارتباط بالسماء. لقد كانت تلك الأشياء المادية إذن تعمل بوصفها «أوعية للذاكرة المقدسة»، تحفظ حضور النبي داخل المجال العام، وتمنح من يحتكرها سلطة تمثيل ذلك الحضور أمام الجماعة الإسلامية (3)
هذه الوظيفة الرمزية لم تكنْ غريبة عن بِنية الثقافة الإسلامية الوسيطة. فالمصادر المبكرة تكشف بوضوح عن نزعة قوية نحو التبرك بالأثر
هذه الوظيفة الرمزية لم تكنْ غريبة عن بِنية الثقافة الإسلامية الوسيطة. فالمصادر المبكرة تكشف بوضوح عن نزعة قوية نحو التبرك بالأثر؛ فقد رَوى محمد بن إسماعيل البخاري في “صحيح البخاري” أخبارًا متعددة عن احتفاظ الصحابة بشعر النبي وماء وضوئه وثيابه، وهو ما يدل على أن «الأثر» لم يكنْ شيئًا هامشيًا في المخيال الإسلامي المبكر، بل كان جزءًا لا يتجزأ من التدين ذاته (4). غير أن هذا المعنى التعبدي سرعان ما انتقل من المجال الفردي إلى المجال السياسي، عندما أدركت الدولة أن احتكار المقدّس يمكن أن يتحول إلى مورد شرعي بالغ الفاعلية.
ولعلّ أخطر ما في هذا التحول هو أنه نقل «الشرعية» من المجال النصي إلى المجال البصري. فبدلًا من أن تظل الخلافة مؤسسة على الجدل الفقهي أو النسب القرشي وَحْده، أصبحت تُدعَّم أيضًا بما يمكن رؤيته ولمسه: مصحف، سيف، بردة، أو عمامة. هنا لم تَعُدْ السلطة تقول للناس فقط: «نحن نحكم باسم الدين»، بل باتت تقول: «نحن نملك آثار مؤسس الدين نفسه»، وهو ادعاء أكثر تأثيرًا في المخيال الشعبي، وأشد قدرة على إنتاج الطاعة (5)
من هذه الزاوية، يمكن فَهْم حرص الخلفاء والسلاطين على عرض تلك الآثار في المناسبات الكبرى. فارتداء الخليفة العباسي للبردة النبوية يوم العيد، أو اصطحاب الموحدين لمصحف عثمان في المعارك، أو إقامة مراسم البيعة العثمانية بحضور الأمانات المقدسة، لم تكنْ طقوسًا بروتوكولية بريئة؛ بل كانت مسرحًا سياسيًا مكتمل البناء، تُستعرض فيه السلطة بوصفها امتدادًا للمقدس (6).
لقد فهمت الدول الإسلامية مبكرًا أن السيطرة على الجسد السياسي لا تتم فقط عبر الجيش والمال، بل عبر السيطرة على الخيال الجمعي.
لقد فهمت الدول الإسلامية مبكرًا أن السيطرة على الجسد السياسي لا تتم فقط عبر الجيش والمال، بل عبر السيطرة على الخيال الجمعي. ومن هنا فإن الآثار النبوية لم تكنْ محض أدوات تبرك، بل أدوات حكم؛ لم تكنْ فقط موضع إيمان، بل صارت جزءًا من بِنية السلطة نفسها. ولهذا لم يكنْ الصراع عليها صراعًا على أشياء، بل صراعٌ على المعنى، وعلى الحق في تمثيل الإسلام ذاته (7).
التنافس على المقدّس: كيف صنعت الدول الإسلامية سرديات الامتلاك؟
إذا كان حضور الآثار النبوية قد مثّل، في المستوى النظري، أحد مصادر الشرعية الرمزية، فإن أهميته التاريخية تتجلى بصورة أوضح عند تتبع الصراع على امتلاكها. فالمشكلة لم تكنْ في وجود الأثر ذاته، بل في القدرة على احتكاره، وتوظيفه، وإدخاله في بِنية الخطاب السياسي. ومن هنا، لم تَعُدْ الآثار محض «أشياء مقدسة»، بل أصبحت جزءًا من سردية الدولة عن نفسها؛ أي من الطريقة التي تروي بها السلطة أصلها وحقها في الحُكْم (8)
لقد أنتجت كل دولة إسلامية تقريبًا خطابًا خاصًا حول علاقتها بالمقدس: الأمويون ربطوا أنفسهم بتراث الصحابة وبقربهم من زمن الفتوحات الكبرى في القرن السابع الميلادي، والعباسيون قدّموا أنفسهم بوصفهم ورثة البيت النبوي، والفاطميون بنوا مشروعهم على النسب العلوي- الفاطمي، وجعل العثمانيون من «الأمانات المقدسة» حجر الزاوية في سردية خلافتهم الجامعة. في كل هذه النماذج، لم تكنْ الآثار النبوية عناصر ثانوية فقط، بل كانت وثائق شرعية صامتة تُستدعى لتقول ما قد يعجز عنه السيف أو الخطابة (9)
أولًا: فدك… من أرض زراعية إلى رمز ميتافيزيقي للسلطة
لعل المثال الأوضح على تحوّل الشيء المادي إلى رمز سياسي هو قضية أرض فدك. فمن الناحية التاريخية، كانت فدك أرضًا زراعية آلت إلى النبي بعد عقد الصلح مع أهلها عقب الانتصار في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة (10) لكن هذا المعنى الاقتصادي لتلك القطعة من الأرض تراجع سريعًا بعد وفاته، لتحل محله دلالة رمزية أكثر تعقيدًا.
ففي الوعي الشيعي الإمامي الإثني عشري، لم تَعُدْ فدك مجرد نزاع على ميراث، بل أصبحت علامة على ما عُدّ «اغتصابًا» لحق أهل البيت النبوي في الإمامة؛ ولذلك تحولت إلى اختزال رمزي لقضية الخلافة كلها
ففي الوعي الشيعي الإمامي الإثني عشري، لم تَعُدْ فدك مجرد نزاع على ميراث، بل أصبحت علامة على ما عُدّ «اغتصابًا» لحق أهل البيت النبوي في الإمامة؛ ولذلك تحولت إلى اختزال رمزي لقضية الخلافة كلها (11). ولهذا السبب نفهم الرواية الشهيرة التي ينقلها ابن شهر أشوب المازندراني عن الإمام موسى الكاظم، حين وسّع حدود فدك لتشمل العالم الإسلامي كله؛ إذ لم يكنْ يصف أرضًا، بل كان يعيد تعريف معنى السلطة نفسها (12). هنا يتضح أن الصراع على فدك لم يكنْ حول الملكية، بل حول الاعتراف السياسي: من يملك حق تمثيل النبوة بعد انقطاع الوحي؟
ثانيًا: سيف الرسول ودرعه… وراثة الرمز بوصفها برهانًا على الإمامة
في التجرِبة الشيعية الإمامية، لم يكنْ الانتساب إلى آل البيت كافيًا وَحْده لإثبات الإمامة؛ بل احتاج الأمر إلى علامات مادية تؤكد «انتقال السرّ». ومن هنا برزت أهمية سيف النبي ودرعه بوصفهما أدلة على الامتداد الشرعي للإمام.
وتُظهر روايات الشيخ المفيد والطبرسي أن تسليم سلاح النبي من أم سلمة إلى علي زين العابدين بن الحسين لم يُفهم بوصفه واقعة عائلية، بل بوصفه نصًا سياسيًا ماديًا يُعلن انتقال الإمامة الرُوحية. الأمر الذي تكرر قُبيل وفاة علي زين العابدين، عندما قام بإعطاء الصندوق الذي يوجد به سلاح النبي إلى ابنه محمد الباقر، فيما عَدّه الشيعة دليلًا دامغًا على استلام الباقر منصب الإمامة عقب أبيه (13). إن ما نراه هنا هو انتقال من «النص المكتوب» إلى «الأثر الملموس»: فالسيف يؤدي وظيفة الوثيقة، والدرع يؤدي وظيفة الشهادة. وهذا ما يفسر شدة التنافس عليهما، وحرص الروايات الشيعية على توثيق حركتهما بين الأئمة.
ثالثًا: مصحف عثمان… النص الذي صار أثرًا سياسيًا
أما المثال الثالث، فهو الأكثر تعقيدًا: مصحف عثمان. فهذا المصحف بدأ بوصفه مشروعًا لتوحيد القراءة القرآنية في عهد عثمان بن عفان، لكنه تحوّل لاحقًا إلى رمز سياسي مستقل عن وظيفته النصية الأولى. فالادعاء فقط بامتلاك نسخة منه، أصبح يمنح الأنظمة شرعية إضافية؛ ولذلك نرى أخبار ظهوره المتكرر في لحظات تأسيس الدول: مع الأمويين في الأندلس، ومع الفاطميين في القاهرة، ثم مع الموحدين في المغرب، ثم مع السلطان الظاهر بيبرس في أثناء ترسيمه العلاقة الودية مع السلطان المغولي الذي اعتنق الإسلام بركة خان، وأخيرًا مع تيمورلنك (14). عمومًا، لا يمكن تفسير هذا التكرار بمنطق الصدفة؛ إنه يكشف أن «مصحف عثمان» لم يَعُدْ مصحفًا فحسب، بل صار أيقونة سيادية، يعلن من يحتفظ بها أنه ليس مجرد حاكم، بل وارث أولوية الاستحواذ على السلطة في العالم الإسلامي.
وهكذا، تكشف هذه النماذج الثلاثة أن الصراع على المقدّس لم يكنْ خلافًا على بقايا تاريخية، بل كان -في حقيقته- صراعًا على الحق في احتكار الماضي؛ ومن يحتكر الماضي، يستطيع غالبًا أن يفرض هيمنته على المستقبل أيضًا.
وهكذا، تكشف هذه النماذج الثلاثة أن الصراع على المقدّس لم يكنْ خلافًا على بقايا تاريخية، بل كان -في حقيقته- صراعًا على الحق في احتكار الماضي؛ ومن يحتكر الماضي، يستطيع غالبًا أن يفرض هيمنته على المستقبل أيضًا.
من الخلافة إلى السلطنة: كيف أعادت الدول المتأخرة إنتاج الشرعية عبر الأمانات المقدّسة؟
إذا كانت المراحل الإسلامية المبكرة قد شهدت توظيفًا للآثار النبوية في سياق الصراع على الخلافة، فإن العصور اللاحقة—خصوصًا منذ القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي—شهدت تحولًا نوعيًا في وظيفة هذه الآثار؛ إذ لم تَعُدْ تُستخدم لإثبات الأحقية بالخلافة فحسب، بل أصبحت أداة لإعادة تعريف مفهوم الشرعية ذاته داخل نظم سلطانية لم تكنْ تستند، بالضرورة، إلى نسب قرشي أو إلى إجماع فقهي تقليدي (15)
وهنا تحديدًا تظهر أهمية التجربتين الأكثر سطوعًا في تلك الفترة، وهما السلطنة المملوكية والإمبراطورية العثمانية؛ فكلتاهما لم تتأسسا بوصفهما امتدادًا طبيعيًا لمؤسسة الخلافة، وإنما بوصفهما سلطنة عسكرية تبحث عن شرعية موازية. ولذلك كان اللجوء إلى الآثار النبوية جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة إنتاج السلطة من خلال المقدّس.
أولًا: المماليك… حين استُدعي المقدّس لترميم نقص النسب
عندما أسس المماليك دولتهم في مصر والشام بعد سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م إِثْر الاجتياح المغولي، كانوا يدركون أن أزمتهم الأساسية ليست عسكرية، بل شرعية: فَهُم ليسوا من قريش، ولا من العرب أصلًا، ولا يملكون سندًا نسبيًا يربطهم بتاريخ الخلافة. ولذلك كان استقدام الخليفة العباسي الصوري إلى القاهرة خُطوة أولى لتعويض هذا النقص (16). لكن هذا لم يكنْ كافيًا؛ فالدولة احتاجت إلى لُغة رمزية أعمق، وهنا برزت أهمية الآثار النبوية. فقد جمع المماليك عددًا كبيرًا من المتعلقات المنسوبة إلى النبي، وأودعوها فيما عُرف بـ«مسجد أثر النبي» في مصر القديمة، ثم في منشآت سلطانية لاحقة (17)، لم يكنْ المقصود من ذلك التبرك فقط؛ بل خلق مركز رمزي للقداسة داخل العاصمة السياسية الجديدة. فالقاهرة لم تكنْ تريد أن تكون مقر الحُكْم فقط، بل أن تصبح أيضًا مقر الذاكرة الإسلامية المقدسة، بما يعيد رسم خريطة العالم الإسلامي بعد سقوط بغداد.
ثانيًا: العثمانيون… من السلطنة إلى الخلافة عبر الأمانات المقدسة
إذا كان المماليك قد استخدموا الآثار لترميم شرعيتهم، فإن العثمانيين استخدموها لبناء كونية سياسية جديدة. فبعد انتصار سليم الأول على المماليك
إذا كان المماليك قد استخدموا الآثار لترميم شرعيتهم، فإن العثمانيين استخدموها لبناء كونية سياسية جديدة. فبعد انتصار سليم الأول على المماليك سنة 923هـ/1517م، لم يكنْ ضم مصر والشام مجرد توسع جغرافي؛ بل كان استيلاءً على المركز الرمزي للعالم الإسلامي (18). في هذا السياق، اكتسبت «الأمانات المقدسة» أهمية استثنائية. فقد نُقلت مجموعة كبيرة من الآثار النبوية إلى قصر توب كابي في إسطنبول، حيث خُصصت لها غرف مستقلة، وأُحيطت بطقوس يومية وشهرية وسنوية، من أبرزها تلاوة القرآن المستمرة أمامها، وزيارات السلاطين الرسمية لها، وربط مراسم التولية بها (19). لقد أراد العثمانيون أن يقولوا للعالم الإسلامي: نحن لا نحكم فقط باسم القوة، بل نحكم لأن أثر النبي في حوزتنا. وهنا انتقل مفهوم الخلافة من المجال النظري إلى المجال الحسي؛ لم تَعُدْ فكرة تُناقش في كتب الفقه، بل أصبحت شيئًا يمكن رؤيته داخل القصر السلطاني.
ثالثًا: الطقس السياسي بوصفه إنتاجًا للشرعية
من المهم هنا ملاحظة أن وظيفة الآثار لم تكنْ كامنة في وجودها وَحْده، بل في الطقوس التي أُحيطت بها. فالمقدس لا يعمل سياسيًا إلا إذا جرى تمثيله علنًا. لهذا رأينا الخلفاء العباسيين يرتدون البردة، والمماليك ينظمون زيارات رسمية للآثار، والعثمانيين يربطون البيعة السلطانية بمشهد الأمانات المقدسة. إننا أمام ما يسميه المؤرخون «المسرحة السياسية للسلطة»، إذ تتحول الطقوس إلى خطاب، ويتحول الجسد السلطاني إلى حامل للقداسة. (20) ومن هنا نفهم لماذا ظلت هذه الآثار حاضرة حتى بعد تراجع المعنى التقليدي للخلافة؛ لأنها لم تكنْ بقايا تاريخية فحسب، بل أجهزة رمزية لإنتاج الهيبة. إذ أدركت الدول الإسلامية المتأخرة أن العالم الإسلامي—مثل كل المجتمعات التقليدية—لا يُحكم بالقانون وَحْده، بل يُحكم أيضًا بالرمز والمعنى والاستعارات، بما يضمن القدرة على احتكار المقدّس وتوزيع معناه.
ختامًا، تكشف قراءة تاريخ الآثار النبوية في المجال الإسلامي أن علاقتها بالسلطة لم تكنْ علاقة طارئة أو هامشية، بل كانت جزءًا بِنيويًّا من تكوّن الشرعية السياسية نفسها. فمنذ اللحظة التي غاب فيها النبي بوصفه المصدر الأعلى للسلطة الدينية والسياسية، بدأ العالم الإسلامي يبحث عن بدائل رمزية تُبقي حضوره في المجال العام؛ فكان «الأثر» أحد أهم هذه البدائل، لأنه جمع بين قوة الذاكرة وسلطة المقدّس.
لقد تحوّلت الآثار النبوية، عبر القرون، من متعلقات شخصية إلى لُغة سياسية كاملة. فـفدك لم تَعُدْ أرضًا، بل صارت اختزالًا لصراع الإمامة؛ وسيف النبي ودرعه لم يعودا أدوات حرب، بل أصبحا وثائق رمزية لإثبات الامتداد الشرعي؛ ومصحف عثمان لم يَعُدْ مجرد نص، بل صار أيقونة سيادية؛ أما البردة والعمامة والشعرات، فقد غدت أدوات لإعادة إنتاج الهيبة السلطانية داخل نظم الحُكْم المتأخرة.
ومن هنا، فإن دراسة هذه الآثار لا تكشف فقط عن أنماط التدين الشعبي أو عن نزعات التبرك أو المعتقدات الإيمانية البسيطة، بل تكشف—في مستوى أعمق وأكثر تركيبًا—عن كيفية اشتغال وعمل السلطة داخل الثقافة الإسلامية الجمعية. فالسلطة لم تكنْ تتحرك فقط عبر مدونات الفقه أو ترتيبات الجيوش أو تدابير المال، بل أيضًا عبر التحكم في الرموز، واحتكار الماضي، وإعادة توجيه الذاكرة الجماعية.
لماذا تنافست الدول الإسلامية على امتلاك هذه الآثار، ولماذا أحاطتها بطقوس معقدة، ولماذا أُنشئت لها خزائن خاصة، ولماذا استمرت قيمتها حتى في لحظات الانهيار السياسي
وهذا يفسر لماذا تنافست الدول الإسلامية على امتلاك هذه الآثار، ولماذا أحاطتها بطقوس معقدة، ولماذا أُنشئت لها خزائن خاصة، ولماذا استمرت قيمتها حتى في لحظات الانهيار السياسي. فحين كانت الدول تفقد جزءًا من نفوذها العسكري، كانت تعود إلى المقدّس لتعويض ذلك النقص؛ وكأنها تدرك أن الشرعية، في النهاية، لا تقوم على القوة وَحْدها، بل على القدرة على إقناع الناس بأن هذه القوة مرتبطة بمعنى أعلى.
إن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة هو أن المقدّس، حين يدخل المجال السياسي، لا يبقى بريئًا؛ إذ يتحول من موضوع للإيمان إلى موضوع للتنافس، ومن رمز رُوحي إلى أداة سلطة. وهنا لا يعود السؤال: «هل كانت هذه الآثار صحيحة النسبة؟» بقدر ما يصبح السؤال الأهم: كيف استُخدمت هذه الآثار لإنتاج الطاعة، وصناعة الهيبة، وصناعة التاريخ؟
بهذا المعنى، فإن تاريخ الآثار النبوية ليس تاريخ أشياء، بل تاريخ الصراع على تمثيل النبوة نفسها؛ أي الصراع على من يملك الحق في أن يتحدث باسم الماضي، ليحكم الحاضر، ويصوغ المستقبل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة الهوامش
(1) ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع: الاقتصاد والمجالات الاجتماعية والقوى الاجتماعية، ترجمة: محمد التركي، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015، ج1، ص 421–430.
(2) محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، بيروت: مركز دراسات الوَحْدة العربية، 1990، ص 145–163.
(3) عبد الله العروي، مفهوم الدولة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1981، ص 87–95.
(4) رويت في ذلك المعنى عديد من الروايات، ومنها على سبيل المثال ” رمى رسول الله الجمرة يوم النحر ثم أمر بالبُدْنِ فنحرت – والحلاق جالس عنده – فسوى رسول الله يومئذ شعره بيده ثم قبض رسول الله على شق جانبه الأيمن على شعره ثم قال للحلاق “احلق” فحلق فقسم رسول الله شعره يومئذ بين من حضره من الناس – الشعرة والشعرتين – ثم قبض بيده على جانب شقه الأيسر على شعره ثم قال للحلاق “احلق” فحلق فدعا أبا طلحة الأنصاري فدفعه إليه “. وروي عن خالد بن الوليد “اعتمر رسول الله، فحلق رأسه، وابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته، فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي، إلا رزقت النصر”. كذلك ورد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ “أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِي بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِي، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ.. فَاطَّلَعْتُ فِى الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا”. وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك. قال كان النبي يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها. وليست فيه. قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها. فأتيت فقيل لها: هذا النبي نام في بيتك، على فراشك. قال فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم، على الفراش. ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها. ففزع النبي فقال ما تصنعين؟ يا أم سليم! فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا. قال: أصبت…”. وللمزيد حول أوثق الروايات التي تحدثت عن تبرك الصحابة بآثار النبي راجع محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دمشق: دار ابن كثير، 1993، ج5، ص 2203.
(5) محمد أركون، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ترجمة: هاشم صالح، بيروت: دار الساقي، 1996، ص 112–118.
(6) أحمد تيمور باشا، الآثار النبوية، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1948، ص 15–31.
(7) علي شريعتي، النباهة والاستحمار، ترجمة: إبراهيم الدسوقي شتا، القاهرة: دار الأمير، 2007، ص 74–82.
(8) عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992، ص 52–61.
(9) محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ص 188–201.
(10) أبو عبيد القاسم بن سلام، كتاب الأموال، تحقيق: محمد خليل هراس، بيروت: دار الفكر، 1988، ص 23–25.
(11) جعفر مرتضى العاملي، مأساة الزهراء، بيروت: دار السيرة، 1997، ج1، ص 311–329.
(12) جاء في تلك الرواية إن الخليفة العباسي هارون الرشيد قال لموسى بن جعفر ذات مرة أثناء اجتماعهما معًا “حذ فدكًا حتى أردها إليك، فأبى حتى ألحّ عليه فقال: لا آخذها إلا بحدودها قال: وما حدودها؟ قال إن حددتها لم تردها؟ قال: بحق جدك إلا فعلت قال: أما الحد الأول فعدن، فتغير وجه الرشيد، وقال والحد الثاني سمرقند، فاربدّ وجهه قال: والحد الثالث افريقية، فاسود وجهه وقال: هيه. قال: والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء… قال موسى: قد اعلمتك إنني إن حددتها لم تردها فعند ذلك عزم على قتله”. ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، قم: دار العلامة، 1956، ج4، ص 320.
(13) الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، قم: مؤسسة آل البيت، 1993، ج2، ص 137–139؛ الفضل بن الحسن الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، بيروت: مؤسسة آل البيت، 1987، ج1، ص 465.
وفيما يخص وصاية علي زين العابدين لابنه محمد الباقر، فقد روي أن زين العابدين عندما حضرته الوفاة أوصى أن يكون ابنه محمدًا إمامًا من بعده في حضور سائر أبنائه وعشيرته وسلَّمه صندوقًا، تذكر الروايات أنه مملوء بالعلم، وتذكر أن فيه سلاح رسول اللَّه وقال له: يا محمد هذا الصندوق فاذهب به إلى بيتك”، ثم قال “أما إنه لم يكنْ فيه دينار ولا درهم، ولكنه كان مملوءًا علمًا”. وهكذا تربط الرواية بين المادي (السلاح)، والمعنوي (العلم النبوي)، بما يؤكد أهمية ذلك الأثر في ترسيخ معنى الإمامة والوصاية. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج46، ص229
(14) راجع المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، بيروت: دار الكتب العلمية، 1998، ج2، ص 341؛ ابن عذاري، البيان المغرب، تحقيق: ج. س. كولان، بيروت: دار الثقافة، ج3، ص 88.
(15) ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، القاهرة: نهضة مصر، ج1، ص 390–402.
(16) المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، 1997، ج1، ص 23–31.
(17) أحمد تيمور باشا، الآثار النبوية، ص 41–56.
(18) ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق: محمد مصطفى، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ج5، ص 132–140.
(19) أحمد تيمور باشا، الآثار النبوية، ص 88–107.
(20) عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ص 121–129.
*تكوين




