المجلة الثقافية الجزائرية

نام واقفا

محمد حسين السماعنة. الأردن

 

في الحي الذي أسكنه، محمد ابن أبو جمال شخص معروف، بل مشهور، فهو ليس بحاجة إلى بطاقة تعريف، إذ يكفي أن يقال: ” النؤوم” لتشير مئات الأصابع إلى بيته، أو كرسيه…

وهو لم يكتسب هذه الشهرة من غير سبب، أو من فراغ، وإنما اكتسبها من بعد أن نام في مجلس عزاء سعد السعديات قبل أن يفرغ القارئ من الفاتحة، ونام على القبر أثناء الدفن، ولأن النوم غلبه في خطبة سلامة المحمدين قبل أن يتكلم الخطيب، ونام في عيادة طبيب الأسنان وهو ينتظر دوره، ونام في الحافلة حتى انتهى خطها مرتين، وفي المقهى قبل أن تبرد القهوة، وفي المسجد بعد الصلاة حتى أغلق المؤذن الأبواب وهو يظنه معتكفًا…

حتى صار الناس إذا رأوه يبحث عن كرسي، أو يبعث عينيه في المكان تبادلوا النظرات، وتهامسوا وتغامزوا وتلامزوا… ولم يكن يخيب ظنهم أبدًا.

وبعد أن ضاق محمد ذرعا بحاله، ومن كلام الناس عليه، وضحكهم منه، غاب عن عيونهم فترة طويلة، وخرج يوما من بيته مبتسما، ووقف على العتبة، ونظر حوله، ثم قال برأس مرفوع، وعينين مبرقتين: يا ناس، يا عالم، أنا شفيت، أنا طبت!

ضحك الناس الذين تجمعوا حوله جميعهم، بل وقهقه أحدهم حتى بانت نواجذه.

لكن محمد لم يأبه بذلك، وتابع كلامه:

أنا شفيت، الحمد لله الحمد لله!

وكاد الناس ينفضون من حوله وهو يكرر بلا توقف: أنا شفيت، أنا طبت. ثم توقف عن الكلام فجأة، ونظر في عيون الناس وقال: لكن، بقي أثر بسيط.

 فسأل أحدهم بسخرية: وما هو؟

فقال محمد بقليل من الارتباك والتردد، وبصوت في تأتأة وتقطع :قد انام إذا سمعت الرقمين؛ ورفع لافتتين مكتوب على إحداهما: ثمانية وأربعون، وعلى الثانية سبعة وستون. وقال: أرجوكم، أرجوكم لا تذكروهما أمامي.

فضحك أهل الحي، وظنوا الأمر مزحة، حتى قال طفل في السوق بصوت عال: سبعة وستون.

فهوى رأس محمد، ونام واقفًا.

فتنادى رجال الحي ونساؤه، واتفقوا على تغيير لغة الحي كله.

ولم يعد أحد في الحي يجهر بهذين الرقمين.

وصاروا إذا أرادوا العد قالوا: خمس وستون، ست وستون، نؤوم١، ثمانٍ وستون…

وإذا سأل المعلم تلميذًا:

ما العدد الذي على السبورة؟

أجاب: نؤوم ٢.

وفي الدكاكين صار البائع يقول:

خذ نؤوم ٢… وخذ هذه ستون وهذه سبعة.

حتى سائق الحافلة إذا أعلن عدد المقاعد الخالية، دار حول الرقم دورانًا طويلًا حتى لا ينطقه.

أما الغرباء، فكان أهل الحي يسارعون إلى إسكاتهم قبل أن يقعوا في المحظور…

واليوم هو الأربعاء الخامس والعشرون من حزيران، وهو يوم زفاف ابن سالم النحساوي، واجتمع أهل الحي جميعًا، في ساحة واسعة وسط الحي…

وقف عريف الحفل، وقال مرحبا بالناس: “مليون أهلا وسهلا بكم، بس ثمان وأربعين ثانية نبدأ حفلتنا”. فراح محمد ابن أبو جمال في نوم عميق، 

نظر أهل الحي إلى بعضهم، ثم تنهدوا في وقت واحد. قال أحد الشيوخ مبتسمًا:

يبدو أن علاجه نجح فعلًا… لكنه نقل النوم من الكرسي إلى رقمٍ، وأجبر قريةً كاملة على أن تتعلم لغةً جديدة. 

وضحك ضحكة ماكرة، فضحك الناس وقهقهوا حتى ارتجت ساحة الحي على صوت طبول الفرقة الموسيقية، واختلطت قهقهاتهم بقرع الطبول، بينما ظل محمد نائمًا لا يدري أن القرية كلها أصبحت تتحدث لغةً اخترعها نومه.