د. أحمد كرماني عبد الحميد
ربما كانت القصيدة الحديثة ساحة خصبة لتحولات الذات الشاعرة في ضوء سياقاتها النفسية والوجودية والاجتماعية. لذا تنحو القصيدة المعاصرة نحو كشف الهشاشة، والخيبة، والانكسار، في لغة مشحونة بالإشارات والتوترات. وتأتي قصيدة “ناي مكسور .. وأغنية عكاز” نموذجًا-في زعمي- متفردًا لتلك الذات المأزومة التي تسائل وجودها بلغة تتأرجح بين البوح والتورية، بين الموسيقى والسكوت، بين الإغواء والخذلان. في لغة شعرية معاصرة.
تقف هذه القصيدة على تخوم الحزن الوجودي والاحتراق العاطفي، حيث يتشابك فيها صوت الشاعر كسيرة محطّمة مع رموز شتى مستمدّة من الذاكرة والموسيقى والحياة اليومية، فيغدو “الناي المكسور” استعارة عن الذات المهشّمة، بينما “أغنية العكاز” تقترح وظيفة مزدوجة للفن: التوكؤ على الألم وتغنيته.
منذ المطلع، ينخرط الشاعر في خطاب داخلي متمرد، حيث يستهل بـ:
النحس لاك جهازي العصبي
من يقتص من أنيابه لجهازي
ليدشن خطابًا سوداويًا ذاتيًّا، يتمحور حول الاغتراب الذاتي والتشظي الداخلي في عالم يفتقر إلى العدالة والاعتراف. هنا، يتموضع “النحس” كقوة شيطانية خارجة عن الذات، تلتهم بنيتها العصبية، بينما تظل الذات عاجزة عن الاقتصاص منه، وكأنما نحن أمام تمثيل شعري للإنهاك النفسي والعجز البنيوي عن المواجهة. الاقتصاص هنا من الأنياب لا بالأنياب ، طالما كانت الأنياب رمز توحش يقول الشاعر القديم :
عضنا الدهر بنابه ليت ما بنا به
النحس عند حاتم الأطير ؛ هم دهر قديم عند شعراء العربية القدمى ، كلاهما ذو أنياب ، لكن تتسع الصورة عند الأطير لتشمل تبئير آلام الذات ، فترصد القصيدة فشل الشاعر في اقتناص أي مكسب من الحياة، فـ”لم أظفر بها” يتردّد كترنيمة للخيبة، واللاجدوى، وحظ “متوازٍ” لا يتقاطع مع إرادة الذات، بل يسير بمعزل عنها. إنّ الصياغة نفسها، عبر مفردات مثل “لم أظفر”، “نشزت”، “اغتاب الجميع نشازي”، تعيد إنتاج صورة الفرد المعزول، المغنّي خارج جوقة الحياة، والذي لم يجد في نشيده إلا النشاز في آذان الآخرين.ولننصت لحديث الذات عن نفسها في لغة سردية تقول:
أمشي مع الدنيا
ولم أظفر بها !
فإلى متى ياحظها المتوازي
عمرا على بحر الحياة وقفت
وما هزت هنيهة سكر غمازي
غنيت
لكن لم يصفق واحد
ونشزت
فاغتاب الجميع نشازي!
الذات هنا مسلوبة الحظ ، الحظ للدنيا لكنه حظ لا يتقاطع مع الذات، هذه صورة تتشكل من وجودين منفصلين الذات الشاعرة تسير في الطريق ، وحظ من الدنيا يسير في طريق آخرمواز لطريق الشاعر، في بلغتنا العربية اصطلح البلاغيون على تسمية هذا بالاستعارة التمثيلية، لكني أرى الشعر ذاكرة من كلمات ، تذكرني صورة الأطير قول ذو الرمة:
عشيّة مالي حيلةٌ غيرَ أنني
بلقطِ الحصى والخطِّ في التُرب مولعُ
أخطُ وأمحو الخطّ ثم أعيدهُ
بكفّيَ والغربانُ في الدارِ وُقعُ
تتجلى في أبيات الأطير صورة الذات وهي تمشي مع الحياة ولا تظفر بها، وتشتكي من “حظ متوازٍ” لا يتقاطع معها. هنا “التوازي” ليس مجرد توصيف هندسي، بل استعارة لوجودَين يسيران جنبا إلى جنب دون أن يلتقيا أبدًا. إنّه حضور الذات في زمن غير ذاتها، ومكان لا يعترف بها، فهي تمشي، لكنها لا تبلغ، تغني، لكن لا يسمعها أحد، تشتهي، لكن يُحظر عليها لذة التحقق. فالحظ يسير بموازاة خط سيرها، لكنه لا ينحرف نحوها، لا يلتفت، لا يمنح فرصة ولو للخطأ السعيد.
أما عند ذو الرمة، نرى مشهدًا شبيهًا، لكنه مضمّنٌ في صورة شاعرية قديمة: شخص “مولع بلقط الحصى” ورسم الخطوط في التراب. تلك الأفعال – رغم بساطتها الظاهرة – هي محاولة لاستعادة معنى، لإنتاج أثر، حتى لو كان قابلًا للمحو السريع. فالمعنى هنا لا يتحقق بالفعل ذاته، بل بالإصرار العبثي على التكرار. والشاعر في كلا النصين يتحرك في دائرة مغلقة: في “الخط والمحو” عند ذو الرمة، وفي “السير المتوازي” عند الأطير. كلاهما أسير لمسار لا يفضي إلى شيء، لكن الاختلاف يكمن في التجلي: ذو الرمة يُظهر الانشغال الطفولي الحزين الذي يخفي فداحة الفقد، بينما الأطير يُعلن بوضوح أن خط سيره لا يلتقي أبدًا بالحظ، رغم وقوفه عمرا على بحر الحياة:
عمرا على بحر الحياة وقفتُ
ما هزت هنيهةً سكرٍغمازي
في ظني؛ وبعض الظن يقين، إن القراءة الفاحصة ترى هنا صورة شعرية مزدوجة الدلالة، تستبطن بُعدًا تأويليًا بالغ العمق، يقوم على تضافر المعنى الحسي الجمالي ومعنى الصيد الرمزي في آن. فظاهر العبارة يوحي بعلاقة الذات بجمال الحياة ومباهجها، لكن باطنها يستبطن مجازًا عن فشل الذات في اقتناص أي مكسب أو استجابة من هذا الوجود.
من جهة أولى، “غمّازي” هنا قد تُفهم كناية عن الغمازة الجمالية – علامة الجذب والفتنة – بما يشي بأن الحياة لم تُبدِ للشاعر حتى غمزة إغواء أو لحظة نشوة تسكره بالانتصار أو الرضى، رغم وقوفه الطويل على شاطئها. هذا تأويل يتناغم مع أفق الانتظار الرومانسي، حيث تبقى الذات على عتبة الأمل دون أن تُفتح لها أبواب الحظ أو اللذة، لكن التأويل الأكثر كثافة وتأثيرًا يتجلّى حين نفهم “الغماز” بوصفه أداة صيد بحرية، تُستخدم كعلامة طافية على سطح الماء، وتهتز حين تلتقط السنّارة سمكةً. في هذا السياق، تصبح “غمّازي” رمزًا للذات الصائدة، الحالمة، التي جلست على شاطئ تنتظر إشارة من البحر – أي من الحياة – تفيد بأنها اصطادت معنى أو مكسبًا أو لحظة انتشاء.
وعندما يقول: “ما هزّت هنيهة سكر غمازي”، فإنه يعلن، بمرارة وجودية عميقة، أنّ هذه الأداة بقيت ساكنة طيلة العمر، لم ترتجف بلذة، ولم تُنبئه باقتراب أي صيد. فالشاعر، في هذا التصوير المركّب، لا يُقدّم نفسه بوصفه مغلوبًا على أمره فقط، بل باعتباره صيادًا فاشل الحظ، جلس على ضفة الحياة بأدواته الكاملة، لكنه لم يلتقط شيئًا: لا حبًا، لا نجاحًا، لا اعترافًا، لا حتى لحظة سُكر عابرة.
هكذا تنكشف الصورة الشعرية باعتبارها استعارة كُبرى لخذلان شامل: خذلان الحياة، وخذلان الجمال، وخذلان الصيد. فـ”غمّاز” الذات لا يهتز، لا لأن البحر قاسٍ فقط، بل لأن الحياة ذاتها – كما صيغ في مواضع أخرى من القصيدة – ماضية في موازاة الذات، لا تلتقي معها، ولا تُرسل إليها حتى ارتعاشة صغيرة تُوهم بفرصة.
بهذا التصوير، يربط الشاعر ببراعة بين فكرته السابقة عن “الحظ المتوازي” وبين مشهد الصياد العاجز عن اقتناص شيء
وبالتالي؛ يمكنني القول إن “الحظ المتوازي” هو المكافئ المعاصر لصورة ذو الرمة في “الخط والمحو” والولع بما لا يُفضي إلى غاية. في كلا المشهدين، نكون أمام ذات تعاني من استبعاد ضمني عن مشهد الفعل والمصير، تمارس شكلاً من “الوجود العدمي” حيث يتجاور الأمل والعجز، ويتكرس الفعل لا كوسيلة للبلوغ، بل كطقس للتيه.
وهو ما يمنح “الحظ المتوازي” بعدًا فلسفيًّا: إنه ليس شقاءً فقط، بل بنية وجودية مأساوية، حيث يكون الوجود حركة موازية للنعمة، دون أن تمسها. تمامًا كما يرسم ذو الرمة خطوطًا تُمحى، يمشي شاعر الأطير في دربٍ لا يُكافئ ، وفي المقطع التالي:
كالخمر (محظور)
ومنذ تدفقي
لم تُفت أي ضرورة بجوازي
وانظر كيف يُحاصر الشاعر بين لذائذ محرّمة وقوانين قاهرة، بين رغبة في الانطلاق وعالم لا يمنحه “جواز” الدخول إلى الحقول الوجودية. الخمر، كمجاز للشعر أو الشغف أو الحرية، يُحظر عليه، في حين يُترك جسده لـ”عجين حامض” نسيه الخباز، في استعارة بديعة عن الذات التي لم تُخبز جيدًا، أوأُهملت حتى فسد جوهرها ، ثم يلتقط الشاعر بتقنية المونولوج الداخلي أسئلة الخيبة بمرونة لغوية عالية.
عرقانة لغتي
وذلك أنني..
عشت الحياة كلاعب الجمباز!
ببديع من العبقرية الشعرية تُوظّف هنا صورة رياضية ذات طابع مشهدي تعبيري: اللاعب المرهق الذي يقفز ويتلوّى دون نتيجة واضحة، في محاولة مضنية للتماهي مع الحياة، لكنها محاولة لا تُكلَّل إلا بالعرق، لا بالانتصار. بما يبرز في النص نقد للواقع الرمزي الذي يعيش فيه الشاعر، فـ”لم أفز في مرة”، و”رغبتي إنجازي” تعكس صراعًا مع سلطة الواقع وقوانين النجاح والتلقي. وبهذا يغدو الشاعر “رجلًا على الأيام مر بلا صدى”، ويصبح شريط أخبار في التلفاز: صورة للعبور العابر، غير المؤثر، الذي لا يُحتفى به ولا يُعاد بثّه.
تتحول القصيدة تدريجيًا إلى قصيدة حب ملغّمة، تحفل بالتوتروالتورّط العاطفي الملتبس، إذ يقول:
وانا احبك
ياحريقا واضحا
في قلبي المعروش بالألغاز
فالحب هنا ليس خلاصًا بل احتراق، يشتعل في قلب “معروش بالألغاز”، أي قلب مستور، غامض، لا يتكشّف بسهولة، لكنه معرّض لسطوة الحريق. والمرأة تظهر ككائن رحيم يدلل قطة شيرازي، وهو نوع من القطط المنزلية الهادئة الوديعة ، تتأثر بالظروف المحيطة بها ؛ لأنها تملك نوع من حساسية رهيفة، المرأة هنا لا تدلل قطتها وحدها ، بل تخربش بنفس رحيم صفحة الذات اليائسة، يقول حاتم:
خربشتِ صفحة يأسه
لما رآك تدللين القطة الشيرازي
لاقاكِ في تبغ الشتاء
وشالهِ
والمعطف الصوفي
والقفاز
في كأس( وسكي)
قد تراقص ثلجه معه
على كرسيه الهزاز
في آهة
تخبو على عود ( القصبجي)
في عصًا
تبتز طبل الجاز
في فيلم كرتون يحرر ضحكةً
ووثائقي عن سجون النازي
هنا تلعب القصيدة في مستوياتها العميقة على تقاطع اللغة بالموسيقى، ويبدو الشاعر مشدودًا إلى عناصر موسيقية تقترح وحدة وجدانية وفنية: “آهة تحبو على عود (القصبجي)”، و”عصا تبتز طبل (الجاز)”، و”في فلم كرتون يحرر ضحكة”، وهي صور تُزاوج بين خفة الكوميديا وسواد الألم، لتنتج نبرة وجودية متهكمة، حيث تتمازج أدوات الفرح والتسلية (فيلم كرتوني، كرسي هزاز، تبغ) مع مشاهد تاريخية ثقيلة (سجون النازي) في مفارقة مريرة.
ويأخذ النص منعطفًا لافتًا يعود به الشاعر إلى الحديث عن ذاته الشاعرة، حين يقول:
بي شاعر لا يستريح لصورة
إلا إذا قفزت من البرونز
ولذا على شغف أطال وقوفه
متأملا في نهدك القفاز
فالمرأة هنا بأنوثتها تتحول إلى أيقونة، يطيل الشاعر الوقوف أمامها حين يتجلى الجمال ويتكشف، في لغة لاتخلو من توتر خلاق، حين تتحرك لغة الشاعر بين افتتانه بالصورة وتمرده عليها ، حين لا يطمئن إلى معنى إلا إذا تجسد، فتكون المرآة في استعارة ” نهدك القفاز” تمثيلا للفتنة المقنعة التي لا تستدرك إلا بالحدس الشعوري المتجاوز للحضور السطحي.
ثم بوعي شعري؛ يستعين بالتناص مع مقولات التصنيف الجمالي والعرقي( المديح ، الحسن ، الإعجاز ، الزنجي بياض، ..) يقول :
ولوصفه .. ترك المديح
كأنه قد حج من حسن إلى إعجاز
شباكه
لم ينتظر في ليله الزنجي
غير بياضك القوقازي
ينحاز بلبله إليك
فقارئي – مثلي-
ضحية بلبل منحاز
هذا ختام ، يستدرج الذائقة الشعرية أو الحسية، في انحياز شفاف للجمال الذي يفرض سبطانه على القاريء.
يلعب الأطير هنا من وجهة نظري؛ على التوتر بين الجمال والسلطة، بين الذوق والانحياز، يعري ذائقة الإعجاب، حين يجعل من متلقيه ضحية، في كناية عن غربة القاريء الجاد، الذي يستجيب لجمال يفرض سلطانه وحضوره الشفاف ، الشاعر هنا يحج من عالم إلى آخر، يعبر من حسن إلى إعجاز، ويوازي بين الليل الزنجي والبياض القوقازي ، يعبر من سواد أحاط به، عكوفا على بياض يرمز للنقاء والجاذبية والاختلاف عن السائد يكرس مركزية المحبوبة .
ومن ثم؛ أقول : هذه القصيدة ليست مجرد رثاء للذات هيمن غليها اليأس والنحس، وغزلية عاشق مفتون بالأنثى ؛ إنها حقل مشحون بالتوترات بين الحياة واللغة، بين الخيبة والأمل المتجدد، بين الشاعر والمجتمع، بين الموسيقى والسكون والمحبوبة، بين الذائقة العامة، والذائقة الجادة في نبر شعر يرتكز على حرف (الزاي ) المكسورة. بيما يحمل من صدى خافت للألم، وانكفاء للحظ، ويتقاطع مع العتبة الرئيسة للنص ( ناي مكسور) ، يكرر حرف (الزاي) المكسور في نهاية الأبيات والمقاطع داخل النص وهو حرف لايمد ولا يرقق ، بما يولد إيقاعا مجروحا .
*ناقد مصري





