المجلة الثقافية الجزائرية

يوميات وجهٍ شاحبٍ تحت نظارةٍ شمسيةٍ سوداء

عبد المنعم عامر*
.
.
.
المسافة جرحٌ في خيال العاشق. أعرف محمد قسط منذُ دراستي في الثانوية، صادفتهُ مرةً فأعطيتهُ مذكّرة أشعاري، أخطائي الأولى على سبورة العمر. كان محمّد شاعرًا مختلفًا رجلاً خجولاً جداً، نحيفاً، مربّع الرأس، وعيناه تغزلان تفاصيل المكان كذئبٍ جنوبي. كنتُ خائفا منه أنا الذي يكتبُ قصائدًا رديئة ليحملَ فقط إسمَ ” الشاعر” كي أغطّي على غياباتي المتكررة من مقاعد الدراسة وعلاماتي الأقل من المتوسط ونومي الدائم في حصص الرياضياتِ والتاريخ!
– منذ متى بدأتَ الكتابة، عامر؟
لم تكن لي نعومة أظافر لأقول لك “منذ نعومة أظافري”. كتبتُ دائماً كحالة هروبٍ من كل تلك الصناديق العرفية التي وضعوني فيها. كتبتُ كحاجةٍ ملحّة للأحلام. غيّرتُ سقف البيت وسافرت، وتغطّيتُ جيدًا، وأمسكتُ بعواصف عديدة في طاولتي، ونمتُ تحت مطرٍ غزير، وتوسّدتُ عشباً وطمأنينةً أبدية. فعلتُ كل هذا في الكتابة. أنا القلقُ على مصير الأشياء من التلفِ والحسرة.
أجلسُ أمام البحر منذ أيام، وتبدو عليّ حساسية غريبة تجاه كل شيء: للضوء، والحُب، والاشتياق، والأكل، والنوم. أعرف هذه الأعراض، إنها الكتابة تأكل ملامحي وأيامي، أشعرُ بمرارتها في حلقي، وبتدفّقها في عظامي ودمي وعيني، كأنَّ آلافَ الطيور داخل غرفةٍ موصدة تَضربُ النوافذ بمناقيرها لتخرج. تلك هي الكلمات تضجُّ في رئتي.
أعرف هذه الحالة من الكتابة، أصبح فيها هادئًا جدًا وساكناً في لوحة الحياة كعيني ميتٍ في سقفِ البرّاد. أميلُ للعتمةِ والمشي وعدم الأكل. منذ سنوات طويلة أحاولُ ربط الكتابة بالأمعاء… ما هذه العلاقة المعقّدة بين معدتي وخيالي؟
أشتاق بضراوة لشخصٍ لم أرهُ منذ عام. ترتجفُ يداي كلما لمحتُ صورهُ في هاتفي. أحاول أن أشرحَ له منذ ليلة أمس أن لهجتنا أصدق اللهجات. “نقول حين نشتاق”: توحشّتك. لا أعرف حقيقةً من أوّل من قالها، لكنه كان يقصدُ “الوحشة” أي غربة المكان والزمان بدونه.
ولكنني حين أشتاق “أتوحّش”، تصبح لي أنيابٌ وأظافر. ربّما لم يغادرني ذلك الطفل ، فهناك شيءٌ بداخلي يصرخ ويبكي ويضرب الأبواب ويرمي الأحذية والأشياء ولا يرضى بالأكل والنوم. ما أشبه حالةَ الاشتياق والحُب بحالة الكتابة، كلاهما مرضٌ غريبٌ ونادر يحتاج نوعًا خاصًا من الرعاية والاهتمام.
جرّبتُ اليوم صنارة الصيد، ثلاثُ ساعاتٍ متواصلة من الانتظار. ما أشبه الصنّارة بالشعب، وما أشبه الطُعمَ بالسياسة. سحبتُ صنارتي سحبي لآمالي، لم أصطد شيئًا اليوم، ولكن كيفَ تصطاد كل هذه النوارس ؟
/
 
*كاتب جزائري