المجلة الثقافية الجزائرية

مجرد علامة

مجرد علامة: نسر ذهبي، قوس أو أثر جرح: العالم الهوميري حافل بالصور القابلة لقراءات متعددة تغذي الأشعار الملحمية الشهيرة لشاعر الملاحم الإغريقي. وعدٌ أو تهديدٌ… من الأفضل معرفة تفكيك شفرتهما.

ماري جوفان

ترجمة: الحسن علاج 

ثمة حقيقة تستقر في قراءة أعمال هوميروس: فلا الأحلام، ولا العلامات ، ولا الرموز خالية من المعنى. فهي لا تنتمي إلى أي شكل من أشكال الوعي الباطني، الخاص والنفسي، بل تنتمي إلى كلّ عظيم يكوّن فضاء عبور بين الآلهة والبشر، مكانا للتأثير حيث العالم اللامرئي يلاقي المرئي؛ الذي ينيره، يقوده أو يخدعه، سيطر عليه هوميروس كي يصنع منه عناصر مُحرّكة من أجل دينامية نصوصه، إلى الحد الذي تتحول فيه إلى لغة تشكل جزءا لا يتجزأ من ذلك . ومن بينها، يشكل الحلم غموضا جوهريا ، حيث يتسم المعنى أحيانا بالالتباس يعلن عن نفسه ثم يتوارى تماما. إنه قبل كل شيء أداة للتلاعب الإلهي، قناة مفضلة من لدن الآلهة للتدخل في عالم البشر. إن المثال الصارخ على ذلك يوجد في الإلياذة، في النشيد الثاني، عندما قام زيوس، ولما عجز تماما عن النوم، بإرسال “حلم كاذب” إلى أغاممنون. متقمصا هيئة نيستور، بشره الحلم بنصر قريب ضد الطرواديين، وحثه على إعلان الهجوم حالا: “إنه يأمرك بتجهيز حشود الآخيين ذوي الشعر الطويل بالأسلحة ، فهاأنت ستستولي على المدينة ذات الأزقة الواسعة لطروادة” (ترجمة لوكونت دو ليسلي (Leconte de Lisle). يبدو أن كل ما يوجد في تلك الرسالة، يرتهن إلى تواصل شفاف: الإله يتكلم، الملك يفهم ، ويبدو المعنى لا لبس فيه. ومع ذلك، فإن هذا الحلم يشكل خدعة. لا يسعى زيوس إلى مساعدة أغاممنون على الفهم، بل إلى التعجيل بالصراع وإرغامه على إنجاز الغرض الذي يتجاوزه. يأخذ الحلم شكل أداة سلطة: فبتوجيهه إدراك أغاممنون، فهو يوجه، على نحو غير مباشر، مجريات الحرب. بطبيعة الحال، فإذا كان بإمكان الحلم نقل رسالة ما، فبإمكانه أيضا جعل شخصياته تتحرك، متسببة في انتقالات ولقاءات حاسمة من أجل الحبكة السردية. ففي الأوديسة، تتجلى أثينا في حلم إلى نوسيكا Nausicca) ( (“خبيرة بالسفن”) متقمصة صديقة من صديقاته ومحرضة إياه على غسل ثيابه على ضفة الوادي. 

إن الذريعة مألوفة، ومبتذلة في المجمل، لكنها تخفي مسألة أكبر بكثير: إن هذا الانتقال هو ما سمح تحديدا بلقاء عوليس، ناج من الغرق وتائه. اخترقت الإلهة الأبواب الموصدة، ثم انزلقت حتى سرير العذراء. وكما هو حال العديد من أنشطة هوميروس الأخرى، فإن الحلم يتحول إلى واقع ملموس. إنه يتصرف مثل جهاز تنظيمي غير مرئي، لا يقول شيئا بشكل صريح، يخلق الشروط الملموسة لإنجازه وينظم فضاء وزمان الحكاية. 

من النبوّة إلى الطمأنينة 

بين الوحي واللغز، وبشكل دائم في ملحمة الأوديسة، تروي بينيلوب Pénélope) (حلما مزعجا للغاية. وقد رأت في الحلم، في بيتها، عشرين إوزة أليفة يذبحها عقاب هبط من السماء، وقبل أن يأخذ هذا الأخير الكلام ليكشف، عبر صوته البشري، والذي لم يكن في الحقيقة سوى عوليس نفسه، قدم لمعاقبة طالبي الزواج. لقد أسرّت بحلمها إلى متسول (ولم يكن سوى عوليس متنكرا)، وقد أكد لها هذا التفسير: “يا امرأة، لا أرى أنه يمكننا تقديم معنى آخر لحلمك. من فم عوليس شخصيا، أنت تعرفين ما ينبغي أن يحدث: من أجل كافة الراغبين في الزواج، موت مؤكد […] . “يشتغل الحلم بتلك الطريقة مثل نبوءة مصورة، عاملا على تكثيف الحدث القادم. غير أن ذلك التكثيف ينتج ضبابية مضحكة، لأنه لابد من تفسير ، ترجمة ولاسيما الإيمان بذلك. ومن ثم فإن بينيلوب تعتبر رمزا شاملا للانتظار والريبة، تجسد بدقة تلك الصعوبة في التمسك بالعلامة ، على دراية كبيرة ب”تفاهة الأحلام ولغتها الغامضة”. ومع ذلك، وبعيدا عن الاضطراب والكوارث الملحمية الكبرى، فإن الحلم الهوميري بإمكانه أيضا أن يملأ دورا خفيا، ثابتا على قصده، مستعدا لبث الطمأنينة وتنظيم الانفعالات البشرية. لا يتعلق الأمر بتوجيه الفعل مباشرة ولا بالإعلان عن حدث، بل بدعم الشخصيات في المحنتين اللتين هما الانتظار وعدم اليقين . تعتبر بينيلوب، دائما وأبدا، شخصية مركزية. بعثت لها أثينا حلما في صورة أختها، إيفتيمي Iphthimé) (وجدتها تغط في نومها ، وكانت هذه الأخيرة تسعى إلى تهدئة روعها مطمئنة إياها بأن ابنها، تليماخوس، ليس في خطر. إن الحلم هو أبعد ما يكون عن الكشف هنا عن حقيقة مثيرة أو رؤية للمستقبل، بل التأثير على الحالة العاطفية للشخصية، من خلال التخفيف من وجع الغياب والخوف من الفقدان. تضيء هذه الوظيفة بعدا آخر للعالم الهوميري. لا تتدخل الآلهة فقط بهدف تحويل مجرى الأحداث ولا من أجل نقل رسائل مشفرة: إنها تأخذ على عاتقها التوازن العاطفي للهالكين في كل مفارقاتهم. وعلى الرغم من ذلك، وبمجرد استيقاظ بينيلوب، فإنها لم تعرف قط هذه الطمأنينة الشاملة: لا يقوم الحلم دائما بمسح الشكوك. 

واقع مشبع بالإشارات 

تشكل الأسماء والأمكنة برامج سردية حقيقية، إذ إن العالم الهوميري هو فضاء مقروء بشكل ملحوظ، مدهش بواسطة لغته الزاخرة بالإشارات حول مصائر الشخصيات. ففي النشيد الثالث من ملحمة الأوديسة، قادت الرحلة تليماخوس إلى بيلوس Pylos) (“مدينة نيلي ذات الأبواب الصلبة”، أول مرحلة من مراحل بحثه للحصول على معلومات عن والده. والحال أن اسم بيلوس ذاته يحيل على فكرة ال”باب”، وهو ما يمنح هذا الانتقال حمولة رمزية مباشرة. إنه ليس مجرد مكان جغرافي، بل عتبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وعند توجهه إليها، عبر تليماخوس مرحلة حاسمة أولى، تاركا الطفولة وأمن إيطاكا بهدف الانخراط في بحث رحلة بحث وبناء للذات. هذا المنطق نفسه يتواجد في أماكن عدة من الملحمة، حيث الفضاءات التي يعبرها عوليس، مثل الجزر، الشطوط أو القصور، لم تكن مجرد ديكور، بل تشكلات حاملة للمعنى، تختبر البطل وتعيد تعريف هويته. إن ذلك يدرج في الحكاية منطقا محددا جدا حيث كل مكان يتحول إلى مرحلة دالة وكل انتقال إلى عبور رمزي. حينما حلمت بينيلوب بعوليس مجسدا في هيئة نسر، فإن بوابة شهيرة كانت حاضرة في الحلم، تتحول إلى مصدر لأحلام متأرجحة : “إنها تأتينا من بوابتين: إحداهما مصنوعة من قرون الحيوانات، والأخرى من عاج منشور. فعندما يأتينا حلم عبر البوابة العاجية، إنها ليست سوى أحلام خادعة، تميز الخير عن الشر؛ تخبرنا الأحلام التي تتسرب عبر القرن المصقول عن نجاح الهالك الذي يراها. ” 

ثمة تلاعب لفظي في اللغة اليونانية حول الفيل (” عاج “) وelephas) ((“خدع”)، keras) ((“قرن”) وkraino) ( (“حقق”) . يعتبر الجسم، ضمن ذلك المنظور الهوميري العريض، حاملا للعلامات. ثمة مشهد في الأوديسة وفيه تتعرف أوكليا Euryclée) ( على عوليس بفضل ندبة على ساقه تعتبر خير مثال على ذلك. 

فيما كان لا يزال متنكرا في هيئة متسول، تخلص عوليس من كل النظرات: كلامه ليس كافيا، مظهره يخفيه. ومع ذلك، ثمة جزئية صغيرة لجسده سوف تكشف عن المستور. إن الندبة الشهيرة التي أصيب بها في طفولته أثناء رحلة قنص، تترسخ مثل توقيع تحت الإكراه؛ من المستحيل تحريفها في نظر أوركليا. يتحول الجسد البشري إلى ذاكرة، قصة نرويها، لغة جديدة من دون كلمات وأرشيف خائن. إلا أن مشهد النشيد التاسع عشر، يسلط الضوء أيضا على التوترالخاص بهوميروس وعالمه: لا تفرض الحقيقة نفسها مباشرة على الجميع، ينبغي إمعان النظر من أجل العثور عليها وفهمها. وهكذا، فإن جسد عوليس لا يختزل إلى مجرد غشاء جلدي. إنه يتحول إلى فضاء للسرد، حيث تنطبع قصة البطل . 

رمزية متكاملة 

تعتبر بعض الموضوعات، لأول وهلة، كماليات، لا تكتفي بمرافقة الفعل: إنها تتحول إلى محاور له. والمثال الأكثر رمزية يظل هو قوس عوليس. أحضرت له بينيلوب الجسم ووعدته بالزواج بمن سيكون قادرا على إطلاق السهم، كي يمر عبر صف من الفؤوس . أحضرت مفتاحا برونزيا جديدا لفك قفل باب، خلفها يوجد السلاح. وحده عوليس، متخفيا لايزال في هيئة متسول، قادر على التعامل مع هذا السلاح الذي هو سلاحه. شأنه شأن الجسد، يتحول الموضوع حينئذ إلى مكان تعرف بدون كلام، لأنه، حتى قبل الكشف عن نفسه، فإن البطل يتم التعرف عليه من خلال حركته وقدرته على الاتحاد تماما مع القوس. تُفهم وظيفة الأجسام في ضوء منطق أوسع: ففي ملحمتي هوميروس، غالبا ما يكون العالم المادي حاملا للذكرى. إن القوس هو دلالة مادية على سلطان عوليس، تعضدها في ذلك الارتباطات الضمنية بين هذا السلاح، وبعض الأشكال الإلهية، وخاصة أبولون، إله الرماية. ولم تكن الإلياذة لتتخلف عن الركب، وخاصة في النشيد الثامن والثاني عشر، حيث تتحول فيها العناصر الطبيعية إلى نظام تطيّر. إن مظاهر الطيور، المسارات في السماء أو العلامات التي يرسلها زيوس التي يتم تفسيرها منهجيا، من قبل المحاربين مثل إشارات على مصير المعركة. إن تحليق عقاب، اتجاه غير متوقع ، أو قطيعة في النظام الطبيعي، يكون كافيا للتأثير على القراءة الكاملة لساحة المعركة، حينما ينظر عوليس، في الأوديسة، إلى الظواهر الطبيعية التي ترافقه على امتداد رحلته الطويلة: رياح، عواصف، شواطئ أو مظاهر بحرية لم تكن أبدا ظواهر مادية محض. إذا كان حلم بينيلوب يعرض نسرا ينقض على إوزات أليفة، قبل أن يكشف عن نفسه على أنه هو عوليس، فلأنه يركز هنا كل غليان العنف القادم. إن العقاب طائر جارح وعاهل، يجسد استرجاع العدالة، في حين أن الإوزات تصور الخُطّاب الطامعين في الاستيلاء على مُلك زوجها. 

الرمزية واضحة تمام الوضوح، لكنها لا تنتج يقينا، بما أن بينيلوب عاجزة على تصديق ما تشاهده. لا يشتغل الرمز الهوميري أبدا مثل مفتاح وحيد للفهم، إنه يقترح تفسيرا مفتوحا. 

 

الفضاء الأليف، فضاء تطهير

لا يقتصر هذا الرمز على الصور، الأشياء والتصرفات. يتحول بيت عوليس، في ملحمة الأوديسة، وخاصة في الأناشيد 20 و22، إلى فضاء معكوس، حيث تعمل عودة البطل بهدوء على انزلاق الأمكنة صوب مسرح عنف واستعادة. لقد شكل شنق الخادمات الخائنات ذروة ذلك التغيير: تم تطهير الفضاء المألوف عبر العنف، كما لو أن البيت ذاته كان ينبغي عليه استعادة نظامه كي يكتسب شرعية ما. يعثر المرء على منطق مماثل في الإلياذة، حيث ساحة الوغى ليست فضاء ” غير متمايز ” ، بل سطح منظم بواسطة خطوط الجبهة، انتقالات ومناطق حرجة. وفيها تعيد الاشتباكات باستمرار رسم جغرافية المعركة ورمزية الأفعال المرتكبة. لا شيء يجبر على موضعة فعل ما، حتى ولو أن ذلك يشكل جزءا من ذلك، بل أكثر من ذلك إلى اقتراح دلالة بصرية لكل شيء. 

ألم يشعر هوميروس، عبر العلامات، الأحلام والرموز، بمتعة معينة في زرع الشكوك في شخصياته كما قرائه، مذكرا حينئذ بهشاشة وضعهم في العالم الأوسع؟ لا شيء أبدا يمنح نصا ما عمقا ما أكثر من الخطر، ثم إن قراءة العالم، في الإلياذة والأوديسة، تتحول في غالب الأحيان إلى شرط للبقاء على قيد الحياة، بل أيضا مصدر دائم للأخطاء الممكنة. من أغاممنون إلى بينيلوب، ومن تريسياس إلى عوليس، لم تكن الحقيقة في أي وقت من الأوقات حقيقة شاملة. إنها تتأرجح بين الإيمان والشك، دليل على أن العلامة الهوميرية لا تبطل التردد أبدا، ويكون ذلك في أحسن الأحوال كما في أسوئها . 

ــ

مصدر النص: مجلة اقرأ الفرنسية Lire magazine) (عدد 25 يونيو ـ يوليوز ـ غشت 2026. خصصت المجلة ملفا عن هوميروس  

ـ الملحمة الأدبية 

ـ لغز أبدي 

ـ العالم بدون حدود 

ـ أبطال أسطوريون