المجلة الثقافية الجزائرية

أحلام مستغانمي والعنوان المربك في كتاب “أصبحتُ أنتَ”

فراس حج محمد| فلسطين

في كتابها الصادر عام 2023 “أصبحتُ أنتَ” ثمّة قول حول هذا العنوان وشرعيّة صياغته بهذه الصورة المربكة، تنفتح هذه التركيبة على مسائل النحو أولاً انفتاحاً كبيـراً لم يكن يسلم من قول وأخذ وردّ، فكيف يمكن للمرء أنْ يوجّه مثل هذا العنوان ليصبح صحيحاً؟ وماذا عليه لو لم يكن ملتزماً بالقواعد العربيّة الأصليّة؛ هل يصبح خاطئاً؟

في التوصيف الأساسي يتكوّن العنوان من جملة فعليّة أو إن شئت اسميّة على خلاف بين النحاة، فقد بدأت بفعل، وأيّة جملة بدأت بفعل فإنّها فعليّة، حتّى لو كان الفعل ناقصاً من أخوات كان وكاد وأفعال الشروع، وكلّ الأفعال التي تدخل على الجملة الاسميّة التي تأخذ اسماً وخبـراً، فإنّها عند فريق معتبـر من النحاة هي جملة فعليّة، ولذا صـح الفعل الناقص أن يكون فعلَ شرطٍ كما يصح أنْ يكون جواب شرط، لأنّه في الأصل مؤهّل للفعليّة ولو من ناحية البناء الصرفي، وتجري عليه أحكام الفعل الماضي أو المضارع أو الأمر حسب الصورة التي يكون عليها، إضافة إلى أنّ الأفعال الناقصة لا سيّما (أصبح وكان وصار وأمسى وظلّ) وأفعال غيرها تُستعمل ناقصة، وتامّة، وفي حالة كونها ناقصة فإنّها تُعامل معاملة المجاز، لذلك فهي فعل سُلب حَدَثيّته مجازاً طارئاً فصار ناقصاً، لكنّه لن يفقد هُوِيّته الكاملة في الفعليّة، اللهمّ إلّا أنّ عمله اختلف، ليصبح أشدّ وأقوى، فهو ناسخ ومغيّـر ومبدّل، وسبحان مغيّـر الأحوال، ولا ينسى من فضله حرفاً ولا فعلاً! والنسخ أقوى من أيّ أثر نحويّ آخر، لأنّه ذو امتداد معنويّ ولفظيّ.

هذا الفعل على شدّة خطره الوجوديّة في البناء اللغوي إلّا أنّه قد يصبح دون عمل، فيلغى عمله النحوي، لكنْ دون التنازل عن معناه المجازي، صحيح أنّنـي لم أقرأ في كتب النحو عن (أصبح) الملغاة أو الزائدة كما هي الحال في (كان) الزائدة أو الملغاة، لكنْ بما أنّنا نتحدّث عن أمّ الباب، وهي كان- بتعبيـر النحاة القدماء، فإنّ ما يجري على الأمّ يجري على بقيّة أفراد الأسرة/ المجموعة اللغويّة، فـ (كان) تُستعمل تامّة وتُستعمل زائدة، ولا يُحفل بها؛ وهي الملغاة، كما قد تأتي ناقصة مجازيّة المعنى، وكذلك (أصبح) قد تكون تامّة، وزائدة، وملغاة، كما هي ناقصة مجازيّة المعنـى، إذ لا يعنـي الفعل (أصبحتُ) في عنوان كتاب أحلام مستغانمي: دخلت في الصباح، بل يعني الصيرورة، والصيرورة هنا مجازيّة أيضاً، فلا يمكن مهما تطابق شخصان؛ ابن وأبوه أن يكونا واحداً، ولكنْ لأنّ الكاتبة تدرك المعنـى المجازي وتعرفه في نفسها بملكة لغويّة حدسيّة، شعرت أنّ إلغاء عمل أصبح في العنوان يعطي صاحب السيرة حضوراً قويّاً لافتاً، فالكاتبة المتحدّثة تتراجع لتكون ضميراً متّصلاً ملحقاً بالفعل أمام هيبة الوالد، والأبُ يغدو كائناً ظاهراً بكامل حضوره المعنوي واللغوي كمخاطب أساسيّ، فلا يصـحّ من هذا الباب أن يتحوّل “العمدة” والأساس إلى مجرد ضمير نصب متّصل بعد ضمير الرفع؛ ملحقان كلاهما- المتكلّم والمُخاطب- بالفعل الناقص، فلو قالت “أصبحتُكَ” لكان الأمر باهتاً، ضعيفاً، على الرغم من أنّه قويّ نحويّاً وصائباً تماماً، لكنّه سيصبح صعيفاً بلاغيّاً وأسلوبيّاً.

لذلك وجب أنْ تكون هذه الصيغة هي الصيغة الأكثـر شرعيّة ودقّة وبلاغة، وتتّفق مع أنّها بنت ملحقة بأبيها تكتب سيرته بضمير المخاطب، فلا بد من أنْ يبـرز البـروز الذي يعطيه مكانته التأسيسيّة في العنوان، فجاء “أنتَ” ضمير رفع منفصلاً معبّـراً عن كلّ هذه الهواجس التي ربّما دارت للحظة في خاطر الكاتبة، فقادها حدسها البلاغي اللغوي السليم إلى هذا الانحياز والانزياح اللغويّين.

لا أخفي حماسة شخصيّة لهذا العنوان، لأنّه جاء موافقاً في تركيبته لصيغة عنوان أحد دواوينـي الشعريّة المخطوطة، وهو بعنوان “أيُّ امرأةٍ كنتُ أنا”، ففي هذا العنوان الكثيـر من المصائب النحويّة التي تؤهّلني لأكون خاطئاً ومخطئاً، ولا أفهم العربيّة، ولا أحسن استخدامها، ولكنْ لا شيء قادر على أن يحمل فكرة الديوان الفلسفيّة إلّا هذا الانزياح القاعدي المتعمّد لأرفع (أيُّ) وألغي عمل كان الناقصة، وآتي بـ (أنا) ضمير رفعل منفصلاً، وليس ضمير نصب، فالديوان يتحدّث بطريقة مغايرة، إذ إنّ الجانب المرأتيّ فيّ (نسبة إلى المرأة) هو الذي يتحدّث، ولا أريد أن أقول الجانب الأنثوي، لأنّني أريد القوّة العاقلة المؤنّثة لا القوّة البيولوجيّة المؤنّثة.

يردني العنوانان السابقان إلى مسائل النحو القديمة، أوّلها قول حسّان بن ثابت في أحد أبيات قصيدته الهمزيّة المشهورة في وصف الخمر: 

كأنّ سبيئة من بيت رأسٍ يكون مزاجُها عسلٌ وماءُ

وعلى كثرة المؤوّلين لهذا البيت، وأنفق شارح الديوان الكثيـر من الأخذ والردّ، إلّا أنّ أفضل ما قيل فيه؛ أنّ (كان) في هذا البيت ملغاة العمل، وما بعدها مرفوعان لأنّهما مبتدأ وخبـر، وهذا أدعى بلاغيّاً- اتّساقا مع تعليل العنوانين السابقين- من افتراضات وتأويلات، فإلغاء عمل (كان) يعنـي أنّ أثرها النحوي لُغي، فبقي المبتدأ والخبـر على حالهما مرفوعين، ويسلمان من أثر نقصان الحدثيّة والمجازيّة في الفعل (كان)، ويتخلّصان من أثر الزمن، فالجملة الاسميّة ساعتئذٍ حكم عامّ، متجاوز كلّ زمن، لأنّ الجملة الاسميّة لها سمة ثبات المعنى واستقراره وتخطّيه حاجز الزمن، فمزاج هذه الخمر عسل وماء، دائم في زمانها وما بعد زمانها، “حكمٌ مؤبدٌ لا يُنقضُ”، لاحظوا إذاً جماليّته البلاغيّة.

وكذلك (أصبحتُ أنتَ)، كأنّها قالت “أنا أنت” دون فارق ولا مُفارق، فهذا أدعى من أثر الفعل (أصبح) المجازي الناقص، فهي- أيْ أحلام- صارت أباها وتطابقت معه في الخصال والأفعال والحماقات كما قالت، إنّ هذه الصيغة تعطي القارئ أو المتأمّل إحساساً بالتماثل بين البنت وأبيها، ليس من باب التشابه “فما شابه أباه فما ظلم”، إنّما من باب التطابق والتماثل. وإن كان هذا المعنى أيضاً مجازيّاً إلّا أنّها ترتدّ إلى صيغة صوفيّة، فيها الحلول والاتّحاد حاضران، فالحلّاج الذي قال “أنا أنت”، أصبح على هذه الصيغة مع عنوان “أصبحتُ أنتَ” بعد أن نلغي عمل أصبح. ولكنْ ما فائدة الفعل (أصبح) عند ذلك؟ إنّ فائدة الفعل سرديّة، فهي لم تصبح أباها دفعة واحدة إنّما هناك وقت وفعل وسرد كثير يدلّ عليه الفعل “أصبح”، ومن يقرأ هذه السيرة الروائيّة سيرى تحوّلات البنت وصيروراتها نحو التماثل مع أبيها، لذلك فوجود الفعل ضرورة سرديّة، وليس ضرورة بلاغيّة أو نحويّة.

والآن، آتي إلى الاشتباه الأخيـر، وإن كان بعيداً، إلّا أنّ له وجهاً نحويّاً قد يقارب هذه المسألة، وذلك في ما عُرف بـ “القضيّة الزنبوريّة”، وأسوق مُلخّصاً لها كما أثبتها محيي الدين درويش في كتابه “إعراب القرآن الكريم وبيانه”: “وهي مناظرة جرت بين سيبويه والكسائي. وكان من خبرهما أنّ سيبويه قدم على البرامكة، فعزم يحيى بن خالد على الجمع بينهما، فجعل لذلك يوماً. فلمّا حضر سيبويه تقدّم إليه الفرّاء وخلف [ابن الأحمر]، فقال سيبويه: لست أكلّمكما حتّى يحضر صاحبكما فحضر الكسائي فقال له: تسألني أو أسألك؟ فقال له سيبويه: سل أنت. فسأله عن المسألة الزنبوريّة، وهي: قالت العرب: “قد كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعاً من الزنبور فإذا هو هي”. وقالوا أيضا: “فإذا هو إيّاها”. 

وبغض النظر عمّا جاء بعد ذلك من نقاش وتأويل وجمال عقل وفكر ومتعة ذهنيّة في الجدل النحوي والعقلي، إلّا أنّ من قال “فإذا هو إيّاها”، فإنّه عدل عن الخطّ الظاهر للتركيب النحوي إلى ما هو أشدّ لفتاً لانتباه السامعين الذين اعتادوا على صحيح اللغة ومألوفها، مع أنّ سيبويه قد رأى في ذلك خطأ، ولا يصـحّ، وللعربيّة مثل هذه الدوافع من خلال بعض الأساليب على أيّة حال، كالنعت المقطوع، إنّ في الصيغة الثانية “المعدولة” أو المعدّلة بعض اشتباه بلاغي لأنّ الخروج عن المألوف مع شبهة الصحّة اللغويّة هو أوّل مراتب التلاعب باللغة أو الانزياح اللغوي اللازم للأديب أو البليغ الذي يتكوّن الكلام في نفسه على نحو ما، يخرج متّسقاً على نحوه ذاك، فإذا اصطدم والمألوف فلا تلوموا الكاتب أو البليغ وإنّما فليراجع المرء نفسه، ويبحث عن ذاك المعنى النفسي الباطني اللاواعي الذي أخرج الكلام على هذا النحو المخالف، وكنت قد قاربت شيئاً من ذلك في كتابة سابقة بعنوان: (أين الخطأ في هذا الذي كتبته)

ربما جاء واحد من أصحاب “نُصّ العلم اللي بغلّب صاحبه”- مع أنّنـي لا أدّعي العلم الكامل حاشا لله، ولا حتّى شطر شطره- جاء وادّعى أنّني والكاتبة أحلام مستغانمي خاطئان، أنا في تأويلي، وأنا وهي في إنشاء العنوانين المشار إليهما أعلاه، وفي صياغاتنا اللغويّة، وليس هكذا يمكن التعامل مع اللغة، لتكون منتهكة لمن هبّ ودبّ. أقول له كما قالت العرب قديماً: “لا تخطّئ مُعرباً”، ولتسعنا لغة العرب وأساليبها، تلك اللغة التي لا يحيط بها وبمداخلها ومخارجها إلّا نبيّ مرسل، وليقرأ إن شاء قول الشاعر:

تأنّ ولا تعجلْ بلومكَ صاحِباً لعلَّ له عذرٌ وأنتَ تلومُ

ولا تصدقوا- رجاءً- أنّ هذا البيت أوّل لحن أو ثاني لحن وقع في كلام العرب! ولتعلموا أنّ الأدباء هم من يحيي اللغة، وعليهم المعوّل في اجتـراح الأساليب الجديدة، وإلّا لماذا أوجد العلماء قضايا الشواهد اللغويّة، تلك الصياغات الأدبيّة التي تمثّلوا بها على قواعد لم تتّسق مع المألوف، فكان النحاة واللغويّون والبلاغيّون عالة على الأدب، من رفيع نماذجه يستمدّون الحيويّة والحياة.