زياد خداش
عزيزي يسري: حتما ستضحك عليّ وأنا أبدأ رسالتي لك بصباح الخير، ولربما تشتمني، أيها الروائي والمعلم الذي رفض الحياة في ليل الخيمة الرهيب، والذي بقي في المخيم قابضا على أنقاض بيته المسنن.
مع الأولاد والزوجة وبقايا صفحات من كتب مكتبة طالما حدثتني عنها، أكتب اليك من رام الله التي تحب وأحب. رام الله التي دائما كانت تسال عنك الأعزاء الشعراء الذين كانوا يأتون من غزة لمعارض الكتب، شو أخبار يسري الغول؟ سمعت هذا السؤال كثيرا من شعراء وكتاب رام الله.
لن أتحدث لك عن الكتب والروايات، فهذا موضوع غريب الآن، ولا مزاج أو رغبة فيه، وهو مؤجل ويستطيع أن ينتظر، كما انتظرنا نحن الكتب وهي تستعصي على المجيء، من الخارج، هيا ايتها الكتب، سنضعك برفق على الرف ونذهب الى أشياء أخرى، كطريق الشاحنات البعيد، والموت الذي يصر على الاقتران بالخبز و الجوع الذي ينام مع الناس في سرير واحد، والطحين المعلب بالتعب و المستحيل ولصوص الشوارع والفرشة النحيلة، والشوارع المحروثة بمعالمها المفقودة، ووجها الأصفر، وبرد البيت الذي طار سقفه، والأطفال الذين يجلسون حول موقد نار عليها قدر فيه حبتا بطاطا او قليلا من الفاصوليا المعلبة أو نتفا من حبة بندورة.
أتذكر يا يسري، وأظنك تذكر يوما نشرت أنت قصة في موقع الكتروني، قصة اعجبتني جدا، وأرسلت لك رسالة أتنبأ فيها أنك ستصبح قاصا مشهورا؟ اللعنة هانذا اعود الى الحديث عن القصص، والكتب ، سامحني يا صديقي. هيا هيا الى الرف العالي أيتها الاحاديث ذات الدم الثقيل عن الكتب والنشر.
يسري:
أفكر فيك، وأحدث أبي عنك، لي صديق اسمه يسري، لاجئ مثلنا، يعمل في وزارة التربية وهو روائي وقاص مهم، وله رواية عنوانها —— فيقطع أبي حديثي وينهرني: المهم وين عايش وكيف بيته؟ ووين أولاده؟، وعنده أكل؟. أحمل الكتب التي تدحرجت في حديثي وأعيدها الى الرف مقسما هذه المرة بأن أعدم كل فكرة ثقافية في حديثي معك.
صديقي:
نقل لي صديق حادثة كيس الطحين الذي كنت تحمله رفقة أولادك، الكيس الذي قطعت من أجله مسافات خطرة، وبينما أنت عائد به فرحا، قطع عليك الطريق لصوص ملثمون يحملون آلات حادة، حدقوا في وجهك كثيرا قبل أن يسحبوا منك الكيس، وذهبوا تاركينك مع ليل الشارع المعتم وبرده، وحيرة الأولاد وحزنهم، لكن الغريب أن اللصوص الذي استداروا عائدين فجأة اليك، وأعادوا لك الكيس، وهم يقولون : احنا آسفين يا يسري، سامحنا، الوضع صعب والله، في تلك اللحظة كنت أنت تريد أن تبكي، فقد لمحت في صوت أحد اللصوص نبرات تعرفها جيدا فهو صوت الكاتب —- الذي طالما سهر عندك، وتعشى معك، واستعار كتبك، وقرأ لك نصوصه، تشكر الكاتب اللص، وتستدير عائدا الى فرح قليل مع خبز أبيض ساخن، في البيت ،أقصد فوق أنقاض البيت الذي بجدار ونصف وبجزء مهلهل من السقف،تستأذن العائلة بمشوار صغير ستحاول فيه إحضار شيء ما، تغادر كومة بيتك، بعد أن تعبيء كيسا بلاستيكا بالطحين، وتمشي بعيدا بعيدا ، تعرف الى أين ستصل، يمشي معك صوت الكاتب اللص : أحنا آسفين يا يسري، سامحنا الوضع صعب والله، تصل بيت الصديق المهدم، تلمح هناك أشباح أطفال يئنون، تقترب من الجدار الوحيد الذي ينام أهل الصديق خلفه، تضع كيس الطحين البلاستيكي الصغير، وتغادر وأنت تقول لنفسك: بالفعل الوضع صعب يا صديقي.
رسالة من كاتب فلسطيني في الضفة (بالانتظار) إلى كاتب فلسطيني (تحت القصف) وضعناها في نافذة السرد لجمالياتها الإبداعية.


