للكاتب المجري: كيراي فاركاش
ترجمها عن اللغة المجرية: عامر كامل السامرائي.
ناعمةٌ ومريحةٌ، بطانةُ السَّلّةِ المصنوعة من الخرق، تلك التي يقضي فيها القط المسمى “الضابط العجوز” يومَه كله تقريباً. خاصة في هذا الحر اللافح الذي انتشر في المنطقة هذه الأيام، حرٌ لم تعهده ذاكرة قِطْ منذ زمن بعيد. ولولا صهريج الماء الذي يملكه المهندس، والذي كان ينقل به الماء من الوادي، لهلك كل أهل القرية عطشاً، إذ لم يعد بالإمكان استخراج حتى الطين من الآبار، فما بالك بالماء! ليته يتمكن من إصلاح عربة الصهريج قريباً، ليعود إلى سيرته الأولى، حاملاً تلك الشحنة الثمينة – فالمحاصيل تذبل، والحبوب تتساقط، والمواشي تنفق هناك في السهل، بين جدولي “ڤارياش” و”هولّوش” الجافين، فما عادت الناس تصبر طويلاً.
كلما قل صبرهم، زاد يأسهم. وكلما زاد يأسهم، زادت ميولهم للخروج عن النظام. يأتي الناس، ويزداد عددهم، مرة تلو الأخرى، إلى صاحبة القط المسمى “الضابط العجوز”، ويقولون لها:
– يا أُمنا فلورا، أنت تعرفين السحر، نرجوك، اصنعي لنا مطراً، وإلا هلكنا!
في البداية، كان الرجال والنساء يقولون ذلك بطريقة هزليَّة، ثم أخذوا يكررون الطلب بجديّة أكبر. وعبثاً كانوا يحضرون لها الدقيق في بقجة، أو القليل من الذرة، أو المربى المعتَّقة، سواء من “ديدينا” أو “دوميترا” أو “أغنيس الهنغارية”، فإن الأُم فلورا لا تفتأ تشرح لهم، وبإسهاب متزايد وتفصيل أكبر، أن الأمر ليس بهذه البساطة، فليس مجرد ترديد صلاة أو تعويذة سحرية ثم ينزل المطر فجأة، لأن العالم يسير بنظام، ولا يسمح بمثل هذه التدخلات في شؤون الطبيعة.
ومع ذلك، كانت تلوم نفسها، بصوت أعلى وبتكرار متزايد، لِمَ تساعد هؤلاء الناس أساساً؟ ولِمَ تعطيهم أعشاباً طبية حين يمرضوا؟ ولماذا رفعت عن حيواناتهم تلك التعويذات الشريرة؟ ولماذا علَّمت النساء كيف يحتفظن بقلوب أزواجهن؟ كان عليها أن تتركهم في بؤسهم، أن تتجاهلهم، وأن تحتفظ بما تعرفه سراً لنفسها، ولتركوها في حالها، ولما طلب منها الفلاحون والعمال أن تفعل لهم شيئاً لم تجربه قط، ولا يجوز لها أن تفعله أصلاً.
لكن الناس، والنساء خاصة، ما زالوا يأتون ويأتون، ويقولون لها:
– الأُم فلورا، أنتِ تعرفين السحر، نناشدك، بأي ثمن، استحضري لنا ماءً، وإلا هلكنا!
أصبحوا يكررون الطلب دون توقف، رجالاً ونساءً، صباحاً وظهراً ومساءً، بل وحتى في الليل يأتون لطلب الشيء ذاته. يُحضِرون لها قمحاً في أكياس، وذرة في آنية ضخمة، وفاكهة مجففة في صناديق، “ديدينا” و”دوميترا” و”أغنيس الهنغارية”. حتى الكاهن نفسه كان عاجزاً عن مساعدتهم، فإلى من يلجؤون؟ أفغير التي ساعدتهم بالأعشاب حين مرضوا، والتي طردت الأرواح الشريرة عن مواشيهم، والتي زودتهم بمراهم عطرية؟ لكن الأُم فلورا لا تستحضر ماءً ولا تجلب مطراً، لأنها تعلم أنه حتى في لحظات اليأس، لا ينبغي الخروج عن النظام، فمنذ بدء الخليقة، أي عبثٍ بالنظام لم يجلب إلا المصائب للناس. وهي تعرف جيداً أن تدخلها في نظام الطبيعة الآن سيتسبب بكارثة أكبر من حر يقتل الماشية، أو جفاف يهلك المحاصيل.
مريحة وناعمة، بطانة السَّلّة المصنوعة من الخرق، تلك التي ينام فيها القط المسمى “الضابط العجوز”. لقد شاخ هذا القط، وصار أطرشاً، وربما أعمى، فلا يلاحظ حتى حين يرفع أحداً السلة ويأخذه بعيداً.
أخذه أحدهم إلى مكان بعيد، ورغم الجوع والعطش الذي ينال من قوى الخاطف، لكن الحنق الذي يضمره تجاه صاحبة القط يضاعف ما تبقى له من قوة. إنه يعلم أن السيدة فلورا لا تملك أحداً في الدنيا سوى هذا القط. وإذا رفضت أن تجلب المطر مقابل دقيق أو ذرة، فستفعل ذلك من أجل قطها.
السيدة فلورا، التي ترى الأمر بوضوح أن قطها لم يهرب، بل تم اختطافه، فَسَّلّته هي الأخرى مفقودة. لم يعد أحداً يُحضر لها ولو حفنة من الدقيق أو ملعقة من المربى. بل صار الناس والنساء – “ديدينا” و”دوميترا” و”أغنيس الهنغارية” – يشتمونها ويهددونها. غير إنها لم تعد تنبس ببنت شفة، فمن لم يفهم أن العالم يسير بنظام لا يجوز العبث به، كيف له أن يفهم هذا الآن؟ ثُم، لماذا تتكلم مع أناس سرقوا قطها؟
قاس وخشن هو القبر المحفورة في هذه الأرض الجافة، حيث يرقد جسد القط المسمى “الضابط العجوز” متصلباً بلا حراك. تقف السيدة فلورا منذ يوم كامل على قمة التلة بجوار القبر، لكن فؤادها لا يسمح لها بدفع التراب على القط بمجرفتها. لماذا ساعدت هؤلاء الناس؟ لماذا عالجتهم ونزعت عنهم التعويذات وخلطت لهم المراهم؟ ها هم الآن ينظرون إليها كساحرة عظيمة القوة، ويعتقدون أنها تمتنع عن جلب المطر بدافع الخبث. ففي لحظات اليأس، يفعل الناس ما لا يجرؤون عليه في العادة. يعلقون القط الهزيل على السياج، ويضعون بجانبه لافتة مكتوباً عليها: “ستعيدينه إليه روحه إذا رغبت بذلك”. لكنها لا تستطيع، لأن هذه كانت روحه التاسعة – والأخيرة – للقط المسمى “الضابط العجوز”.
حين بدأت فلورا تدفن جسد قطها في الحفرة، وهي غارقة في أفكارها، لم يعد يُرى من قرص الشمس سوى بدر أحمر خلف الأفق. لا يجب أن تتدخل، لا ينبغي لها أن تتدخل، ولكن رغم ذلك سوف تعبث بالنظام، وتستحضر المطر. ستسوق السحب من أماكن أخرى، وتجلب المطر إلى القرية.
بدأت قطرات المطر المنعشة بالسقوط، ورقص الناس فرحاً. ثم جلبت السيدة فلورا المزيد من السحب فوق القرية، فارتوت المواشي أيضاً. لكن في مناطق بعيدة، حلَّ الجفاف، وهلكت الماشية في أراض نائية. وفلورا لا تزال تجلب المزيد من السحب، حتى فاض جدولا “ڤارياش” و”هولّوش” وغمر الماء أرض المنازل. أما في أراض نائية، فالمحاصيل احترقت، وتفحمت الحبوب. أما في قرية “الضابط العجوز”، فمنازل العمال انهارت، وتهدمت مخازن الفلاحين، وهلك الناس والمواشي، بينما استمر المطر في الهطول، قطرات قاتلة تنهمر واحدة تلو الأخرى، بلا توقف، وإلى الأبد.


