المجلة الثقافية الجزائرية

إبن خالويه والمتنبي وشعر المكانة والهوية

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك

قدر بعض الشعراء والمبدعين الذين يعتقدون أن اللغة اكثر اتساعا من القواعد التي جاءت لتنظيمها وأن للشاعر أن يرتاد مجاهلها، وينتقي من كلام العرب وشواهده ما يستطيع أن يكشف به عن بعض جواهرها وكنوزها المكنونة، ويمنحه ذلك من سعة القول والنظم ما يستطيع معه ان يقول ما لا تقوله القاعدة وحدها،..قدرهم أن يلاقوا من يخالفهم هذا الرأي، وربما بقدر أكبر (في بعض الحالات) شيء آخر من الظلم والحسد، شأنهم في ذلك شأن سائر المبدعين!

وفي تاريخ الأدب العربي اصطدم ابو الطيب المتنبي بابي الحسين بن خالويه، تحديدا في قصيدته:

واحرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ

وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

مالي أكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي

وتَدَّعي حبَّ سيفِ الدَولَةِ الأمَمُ

إن كانَ يَجمَعُنا حبٌّ لِغُرَّتِهِ

فليتَ أنَّا بِقَدْرِ الحبِّ نَقتسِم

وقد اشتهرت بينهم مناظرة لغوية ونحوية في مجلس سيف الدولة الحمداني، الذي كان وقتذاك عامراً بالشعراء والعلماء وأهل الأدب، لكنها انتهت للأسف الشديد بخلافٍ كبير، تجاوز حدود النقاش العلمي، فقد كانت لابن خالويه وجهة نظر مخالفة، واعترض على بعض الألفاظ والتراكيب التي استخدمها المتنبي في شعره، وعدها مخالفة لقواعد النحو السليم، أما المتنبي نفسه، فكان يرى أن الشاعر المبدع لا يقتصر على النقل الحرفي عن النحاة، ولا يقتصر بالمثل على القياس الجامد، ولم يكن يتعامل مع شعره باعتباره مجرد نصوص، بل مع الشعر بوصفه جزءاً من الهوية والمكانة.

وقد اختلفت الروايات في تفاصيل المناظرة، فهناك رواية تؤكد أن الجدال احتدم بينهما حتى فقد ابن خالويه أعصابه، فضرب المتنبي بمفتاح كان في يده او بمحبرة، فغضب المتنبي وغادر مجلس سيف الدولة، وكانت تلك الحادثة من جملة الأسباب التي أسهمت في توتر علاقته ببلاط حلب، إلى جانب منافسة الشعراء والعلماء وحسد بعض رجال المجلس له.

ويشير عدد من الرواة والمؤرخين إلى ان الروايات الواردة عن هذه الحادثة ليست متطابقة، فلم يتعرض لذكرها ابن خلكان في وفيات الأعيان والثعالبي في يتيمة الدهر على سبيل المثال، لذلك يصعب الجزم بجميع تفاصيلها التاريخية.

وسواء أصابت الروايات في تفاصيلها أو أخطأت، فقد خرج المتنبي فيما اتصور من ذلك المجلس بشيء لا يستطيع مفتاح ولا محبرة أن يمحوه؛ وربما كان هذا اجمل ما يمكن أن يفعله شاعر في مثل هذه المواقف وهو أن يترك خصمه للمجلس، ويترك للزمن والتاريخ شعره، وقصيدة بديعة هي من أشهر قصائد العتاب في الشعر العربي، خاصة عندما يقول:

يا أعدلَ الناسِ إلا في معامَلتي

فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخَصْمُ والحَكَمُ

أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً

أن تَحْسبَ الشَّحمَ فيمَن شَحْمُهُ وَرَمُ

وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بناظرِهِ

إذا استَوَت عندَهُ الأنوارُ والظُّلَمُ

ومع هذا، وبعد هذا، فإن المجلس انتهى، والخلاف انتهى، وابن خالويه انتهى، وسيف الدولة انتهى، أما مكانة المتنبي وهويته وقصيدته، فبقيت:

سيَعلَمُ الجمعُ ممَّن ضمَّ مَجلسُنا

بأنَّني خيرُ مَن تسعى بهِ قَدَمُ

أنا الذي نظَر الأعمى إلى أدبي

وأسْمعَت كلماتي مَن بهِ صَمَمُ

أنامُ مِلْءَ جُفُوني عن شوارِدِها

ويَسْهَرُ الخلقُ جرَّاها وَيَختَصِمُ

وجاهلٍ مدَّه في جهلِهِ ضَحِكي

حَتّى أتَتْه يدٌ فرَّاسةٌ وفَمُ

إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزةً

فَلا تَظُنَّنَّ أنَّ اللَيثَ يبتَسِمُ

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تَعْرِفُني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقَلمُ

صَحِبتُ في الفلواتِ الوحشَ مُنفرِداً

حتى تعجَّبَ مني القُورُ والأكَمُ

يا مَن يَعِزُّ علينا أن نُفارقهم

وِجْدانُنا كل شيءٍ بعْدَكُم عَدَمُ

ما كان أخلقنا منكم بتَكرمَةٍ

لو أنَّ أمرَكُمُ مِن أمرِنا أمَمُ

إن كانَ سرَّكمُ ما قال حاسدُنا

فما لجُرح إذا أرضاكُمُ ألَمُ

وبيننا لَو رعيتُم ذاك مَعرفةٌ

إن المعارِفَ في أهلِ النُّهى ذِمَمُ

كَم تَطلُبونَ لنا عيباً فَيُعجِزُكُم

وَيَكرَهُ اللهُ ما تأتونَ والكَرَمُ

ما أبعدَ العيبَ وَالنقصانَ عن شَرَفي

أنا الثُّريا وذانِ الشيبُ والهَرَمُ