ترجمة: خالد جبور
اكتست حربُ الإعلام أهميةً كبيرة في النزاعات المعاصرة النظامية وغير النظامية. وَلم تعُد المعارك الكبرى تُخــاضُ بعيدا عن الأنظارِ، وذلك بسبب الانتشار الواسع للهواتف الذكية المزوَّدة بالكاميرات التي تصور مــشاهــدَ تُنشَرُ في الحين على مواقع التواصل. فـفي سنةِ 1937، لم تصل إلى أسماع الغربيين أخبارُ الفظائع التي خلَّــفـها جيش اليابان خلال ” مذبحة نانجنغ” إلا بعد أسابيع؛ أمــَّا اليومَ، فمثلُ هذه الوقائع التي يُقــتَــلُ فيها المدنيون قدْ تصيرُ معروفةً فتثير الـــمشاعــرَ على المستوى الدوليّ، وذلك في اليوم نفسِــه من وقوعها.
إِنَّ حربَ الولايات المتحدة على فيتنام ( 1964-1975) هي الصراع الذي بانَ فيه دورُ الإعلامِ الحاسمُ. كان الرأي العام الأمريكي في البدءِ داعما لتلك الحرب، ذلك أنها نالت الشرعيةَ بعد الاعتداء الذي شنه شمالُ الفيتنام الشيوعي ضد الجنوب المتحيّــز للغرب؛ بيد أنَّ التقارير (الصحفية) التي أرسلَها المراسلون الحربــــــيــون – الذين كانوا بمثابة قباطنة يستقلون بيُسرٍ مروحيات الجيش الأمريكي وبوارجَـه – بيَّنت جالوتا (1) طائراتُــه الحــربيةُ (ف-52) ضاريَــةٌ بجنونٍ أمام داوَد، يتمثــلُ في سكان الضواحي الفيتناميين الشجعان. وَالكُلُّ يتذكــرُ تلك الفتاةَ الفيتناميةَ، ذاتَ الوجهِ المفزوع، المحروقَةَ بالنابالم، وهي عاريةً تجري في طريــقٍ. لقد قلبت هذه الريبورتاجاتُ الرأيَ العام ضد الحرب، ثم قرّر مؤتمرُ الولايات المتحدّة التخلي عن جنوب الفيتنام، مما أدى إلى هزيمته في أقل من عام.
وَفي وقتنا الراهن، واضحٌ أنّ إسرائيل خسرت معركة الإعلام في حربها ضد حماس في غـزة، ذلك أنّ فيديو اشتعال النار في خيام النازحين برفح، بعد قصف إسرائيلي يوم الأحد 6 ماي 2024 يمثـل لهذه الحرب ما مثلته صورة الفتاة المحروقة لحرب الفيتنام. وقد قُتِلَ في هذا القــصف على رفح خمسة وأربعون شخصا، فيما جرِحَ 240.
جاء هذا القصفُ كردّ فعل على الصواريــخ التي أطلــقــتتها حماس من رفح في اليومِ عــيـــــنِــهِ مُــسْــتَــهدِفَــةً مدينة تل أبيب، دون أن تخلــف خسائرَ في الأرواحِ، حيثُ اعترضتها “القبةُ الحديدية. لقد شاهدَ الرأيُ العام العالميُّ جالوتَ إسرائيلَ يضربُ داودَ الفلسطينيين ضربا عشوائيا، ولم يتقبل الرأي العامُ مشاهد المدنيين الفلسطينيين المُرَحَّــلين وهم يُــحرَقون أحياءً في خيامهم الموجودة في منطقة قالت سُـــــلْطاتُ إسرائيل نفسُــهَــا إنها منطقة آمنةٌ “إنسانيةٌ”. ولما انضاف الضحايا 45 إلى 36.000 من ضحايا الحرب منذ 08 أكتوبر 2023، فإن هذه الواقعةَ شكّلت نقطة التحول حيثُ إسرائيل خسرت حرب الإعلام.
ندّدَ الرئيسُ الفرنسيُّ بهذا القصفِ الإسرائيلي ووصَفهُ بالفعل “غيرِ المقبول”، وَتَــلَــى ذلكَ أولُّ إجراءٍ تتخِذُهُ باريسَ، وهوَ إقصاءُ المستثمرين الإسرائيليين في مجال الدفاع من المشاركة في معرض “أوروساتوري” (2) الذي سيُقام من 17 إلى 21 يونيو 2024. وقد حدث ذلك بالرغم من أنّ موقفَ إمانويل ماكرون كانَ في بداية الحرب مُتحَيِّــزا إلى الجانب الإسرائيليّ، وَكان رئيس الجمهورية الفرنسية قد عَـــبَّـــرَ عنْ فائقِ تضامنه مع الدولة العبرية عندما زارَ رئيسَ الــوزراءِ الإسرائيلــيِّ في 24 أكتوبر 2023، أي بعد أسبوعين ونصف من هجوم حماس على جنوب إسرائيل ( 1000 قتيل و200 حالة إعاقة)؛ بل ذهَبَ إلى أبعد من ذلك حيثُ اقترح تأسيسَ حِــلْــفٍ دولــيٍّ ضدَّ حماس.
لقد تــقــهــقــرتْ مكانةُ إسرائيلَ عند الرأي العام العالمي بعدَ ثمانيةِ أشهر من الحرب. وَبِقَــدرِ ما تقبَّــلَ هذا الرأيُ العام عملياتِ الدولة العبريةِ المحدَّدَةَ الأهدافِ – كتلك التي استهدفت قتلة ميونخ أو قادة حماس في غزة ولبنان – فإنَّــهُ اليومَ يشجبُ القصفَ المكــــثَّــــفَ الذي يستهدف المدنيين في المقامِ الأولِ: لم يقبل الرأي العام أن يُقْضــى على ثلثي مليون من سكان قطاع غزة، ولا تعنيهِ الاعتباراتُ العسكريةُ الإسرائيلية المتعلقةُ بمعارك المناطق الحضرية وتحويل المدنيين لأذرع بشرية.
خسرت إسرائيلُ حرب الإعلام لأنها ظهرت في صورة المنـــتـــــقـــمِ الساعي إلى العقاب الجماعي. وعليه، فقد تبنــى شبابُ البلدان التي لطالما كانت داعمةً لإسرائيلَ طرحا بسيطا – لكي لا نقول تبسيطيا– هو صدى لسرديات تاريخية أخرى: أنَّ الإسرائيليين مستعمِــــــرون فظيعــون قساةٌ على مُــسْــتَــعْــمَــرين لا حول لهم ولا قوة. وَقد يشكلُ هؤلاء الشبابُ خطرا على إسرائيل في المدى المتوسط، إذا فرضوا على بلدانهم اتخاذ إجراءات م. س. ع ( المقاطعة / سحب الاستثمارات / العقوبات) ضد الدولة العبرية. وَيظهرُ أنَّ جو بايدن نـفـسُــهُ – الذي كان مناصرا لإسرائيل طيلة مسيرته السياسيةِ – غاضبٌ من الإستراتيجية القاسيةِ التي تبناها نتنياهو، وهكذا يضغطُ الرئيس الأمريكي كُــلَّ الضغطِ على مجلس الحرب الإسرائيلي من أجل وقف إطلاق النار.
ـولم يكن الإسرائيليون ضعفاءَ في حرب الإعلام، ففي الحروب ( 1948 وَ1956 وَ1967 ثم 1973) كانوا دائما ينجحون في ضمان دعمِ الإعلام والرأي العام الغربيين. وقد بدأت متاعب إسرائيل إبانَ غزو لبنان سنة 1982 ثم في الانتفاضة الفلسطينية (ثورة الحجارة 1987-1993)، حيث تدنّــى التعاطف مع اليهود الذين كانوا غالبا يُعتــبَــرون نُجاةً من المحرقة (النازية) يجهدون في الدفاع عن بقاء دولتهم الجديدة ضد العربِ الذين يفوقونهم عددا بعشرين مرة والذين أقسموا على رميهم في البحــر. وَبعدما احتلت إسرائيل الأراضي الفلسطينية بعد حرب الستة أيام، انقلبت صورةُ الإسرائيليِّ شيئا فشيئا، من الناجي الشجاع إلى المضطهِــد القامِعِ. وَكانَ هذا ما فطن له رئيسُ الوزراء إسحاق رابين وهو ما دفعه إلى توقيع اتفاقيات أوسلو (شتنبر 1993)، الهادفة إلى منح الفلسطينيين دولةً، مما جعلَ نتنياهو يتجرّأ على وصف رابين علنا بــ”الخائن”.
أما اليوم، فمكانةُ إسرائيلَ في العالم تدهورتْ تدهورا كبيرا مما يُــجَــوِّزُ لـنا أن نتساءل إن كان الخائن حقا – سواء عن قـصد أم بسبب تدبيره السيئ – هوَ نتنياهو نفسُهُ.
رونو جيرار، لوفيغارو، 04 يونيو 2024.
هوامش:
Goliath القائد العــسكري الذي خاض معركة مع طالوت، ثم هرب من المعركة حتى التحق به داود وقتله.
Eurosatory





