المجلة الثقافية الجزائرية

إيديولوجيا العنف والتّغيير السياسي: هل الثّورة الدينية طريقٌ إلى الإصلاح أم استنساخٌ للاستبداد؟

يوسف هريمة*

 

الفهم أوّلا وأخيرا

حينما نتحدّث عن التغيير في سياقاتنا الثقافية عامة، والدينية منها على وجه الخصوص، نرى بأنّ كل القاموس المحيط أو القريب منها، لا يتعامل مع هذا المفهوم إلا في حدود ضيّقة، وفي الكثير من الأحيان لا يؤمن بالتّغيير والتّجديد والإصلاح، إلا في ضوء ما يعبَّر عنه في الفكر السياسي ب ” الثورة “. ولعل ما يزكّي هذا الطرح الثوري الانقلابي العنيف، هو ما عرفه التاريخ من أحداث ووقائع، لم تكن لتُحدِث التغيير المرجو بحسب هذا الطرح إلا في ضوء الواقع العنيف، والاستعمال المفرِط في القوة. وهذا يجرّنا إلى طرح سؤال إشكالي طرحه قبلنا عبد الرزاق الجبران[1] في صيغة استنكارية:

 هل الثورة تغييرٌ لنظام الحُكم أم لنظام الفهم؟

وحينما نريد الجواب عن ذلك فإنّنا نُقرُّ بأننا لسنا أمام سؤال سؤال سياسي بالمعنى المباشر، بقدْر ما نحن أمام جرْحٍ فكري غائر في الذاكرة الجماعية للمسلمين وغيرهم، أي جرحٌ ملتصقٌ بالتجربة الثورية ذاتها. ما دام الكثيرون ما زالوا يفهمون من الثورة، إزالة نظام، ووضْع آخر في مكانه أفضل منه، وهو تعبيرٌ ساذج عن أنّنا ما زلنا نراوح مكاننا، في تعاملنا مع تحديات تفُوقُنا على مستوى الإدراك والفهم والتواصل. وإلا لماذا شهد العالم العربي والإسلامي مجموعة من الأحداث الثورية، ولا زالتْ أحوالنا الثقافية والفكرية تعيش نفس المصير، وذات القدَر؟

لا بد ّمن الإقرار أنّنا أمام فهمٍ شائع للثورة، يمكن الجزم بأنه فهمٌ مغلوط، أو لنكُن أكثر دقة فنقول بأنه فهم قاصرٌ على الإحاطة بالاجتماع البشري، وتعقيدات المشهد السياسي، وامتدادات الحالة الثقافية التي نعيشها جميعا على حدٍّ سواء. لهذا حينما نستحضر تلك الأحداث التي عاشتْها منطقتنا بأكملها في لحظات ما سمي إعلامياً ب”الربيع العربي”، فإننا نستحضر معها تلك المعادَلة البسيطة التي ساهمتْ فيها وسائل إعلامية منحازة، وأقلامٌ موجَّهة، بُغية خلق واقع يرى في التغيير والثورة السياسية مجرّد حاكمٍ يسقط، أو نظامٍ يتم الانقلاب عليه، أو سلطة يتم الالتفاف عليها عبْر تسليمها من حزب لآخر، أو من شخص لغيره. وهذا هو المعنى الأول الذي يستحضره سؤال الجبران، هل الثورة مجرد تغيير لنظام الحكم؟ أي ذلك التغيير الذي يستهدف رأس النظام بشكل ظاهِر، ومرئي، وقابل للتوثيق والتصوير والتأريخ، كما شاهدْنا ذلك في مختلف فترات الحقبة الممتدة ما بعد 2011، حيث تسقط التماثيل، وتُحرَق الصور، ويُستبدَل رأس الهرم بآخر. وهو تغيير مشروع بلا شك إذا كان نابعا من إرادة شعبية، وليس عبْر أجندات خارجية يتم تسويقها لنا، على أنّها الخلاص الأبدي لما نعيشه من أزمات ومآزق، أي أن ذلك يبقى تغييرًا سطحيا إن اكتفى بنفسه، لأنه يعالج العرَض دون أن يمسّ الجذر.

أما الشق الثاني من سؤال الجبران فهو الشق الأعمق والأبرز في تقديرنا، والأكثر إيلامًا في صدقه، حينما يعتبر الثورة على أنّها نظامٌ للفهم، أي تلك الثورة المتجاوزة للأشخاص، والمتعالية على نوازع الحقد والانتقام، فهي لا تكتفي بإسقاط شخص أو نظام حُكم، بل تتجرّأ على مساءلة البنية الذهنية والثقافية والدينية التي أنتجَتْ الاستبداد أصلًا، وجعلتْه ممكنًا ومقبولًا في واقع يقدِّس كل شيء بما في ذلك جهْله وتخلُّفه. ولعلَّ المثير في هذا السؤال هو التجاهل الملحوظ، في كون الاستبداد ليس حالة معزولة عن سياقات تشكُّلها الفكري والثقافي داخل بنية اجتماعية معينة، كما أنه لا يُفرض بشكل قسرِي، إلا إذا وَجد إنسانا مهدورا ومستعدا لأن يكون كذلك. بل على العكس من ذلك نحن في مواجهة واقعٍ كما هو مشاهد يحمي الاستبداد من خلال آليات فكرية وثقافية، وفي بعض الأحيان بمبرّرات دينية، وذلك بتوفير حاضنة اجتماعية وفكرية تُربّي الكائن الإنساني على الطاعة، وتجعلُ من الحاكم أو السلطان إنسانا كاملا ومتكاملا يجسِّد الإرادة الإلهية على الأرض. ناهيك عن حالة ثقافية نعاني منها جميعا تخلِط بين النقد المشروع والخروج على الضّوابط السياسية المتعارف عليها، والمسمّاة بالخطوط الحمراء داخل كل بنية اجتماعية. فإذا سقَط الحاكم وبقي هذا النوع من الذهنيات منتشراً بيننا، وكامناً فينا، وحاضراً في بنياتنا الاجتماعية، فإن الاستبداد لا يموت، بل يتوارى قليلًا ليعود من جديد بوجهٍ مختلف، وربما بخطاب أشدّ قداسة وأصعب مساءلة، لأنه هذه المرة يتذرّع بالدين لا بالقانون الوضعي وحده.

إننا بإزاء واقعٍ يفسّر لنا تلك المفارقة المؤلمة التي عاشتها المنطقة العربية إبان أحداث ما سُمي ب” الربيع العربي “. فقد عشنا بالفعل أحداثاً وانتفاضات شعبية كبيرة هزّتْ رؤوسا، وزلزلَتْ أنظمة سياسية، وأسقطَتْ دُولا. لكن في المقابل عشنا إفرازات هذه الأحداث، حيث لم يستطع إنسان هذه المنطقة أن يُسقط الاستبداد من رؤوس البدائل الممكنة والمتاحة حينذاك. فامتلأت الفراغات السياسية سريعًا، وصار العنف هو المنطق الوحيد، والوسيلة الكبرى، واللغة التي يُتقِنها المؤيدون والمعارضون. والأخطر أنّ كل هذه القِوى التي تتصارع على جثت الناس ومصائرهم، صارت متسلحة هذه المرة بشرعية دينية بدل الشرعية الدستورية أو الثورية، فتحوّلتْ المعارضة إلى سلاح تخريبي قاتل، والاختلاف إلى تكفير، والسلطة إلى غاية مقدَّسة يمكِن أن يُفتَّت الوطن من أجلها، تمامًا كما كانت قبل الثورة، وإن تغيّرت الأسماء والشعارات. أي أننا غيَّرْنا نظام الحُكم فعلًا، لكن نظام الفهم بوصفه موروثا ذهنيا يصنع الطغاة قبل أن يصنعهم الطغاة أنفسهم، ظلّ كما هو، بل ربما ازداد رسوخًا وتحصّنًا خلف قداسة الشعارات الثورية ذاتها.

من هنا وبالعودة إلى سؤال الجبران أو مقولته الاستفهامية، يمكننا القول بأنّ الثورة أكبر من تغيير أنظمة الحُكم، لأن الاكتفاء بهذا التغيير يظلُّ ناقصًا، وربما مهددًا بالانتكاس الدائم، ما لم يرافقه تغيير موازٍ وأعمق في نظام الفهم ذاته، ذلك النظام الذي يُعيد إنتاج علاقة الطاعة والخضوع والتقديس، سواء ارتدت عباءة سياسية أو عباءة دينية، ويفتح المجال السياسي على مصراعيه للمزيد من الاستبداد والهدر الإنساني. ولهذا فالثورة الحقة، ليست تلك التي تُسقط حاكما، أو إمبراطورا، أو رئيسا، أو ملِكا، بل تلك التي تُسقط الفكرة التي جعلت من ذلك الكرسي مقدّسًا لا يُقترب منه، ومن ذلك الرجل ظلًّا لا يُسأل ولا يُحاسب.

الفهم قبل التغيير: في نقد غواية الحلول الجاهزة

إذا كان الجبران قد وضَعنا أمام خيارين لا ثالث لهما، أي إمّا تغيير نظام الحُكم أو نظام الفهم، فإن ذلك يمنحُنا أيضا أن نستمرّ في السؤال، ولكن من زاوية تدعم الطرح الثاني، فدوماً ثمة سؤال يستحقُّ أن يُطرح بجرأة، لا لأن السؤال ترفٌ فكري لمن لا شُغل له، ولا لأنه مطلبٌ يبحث عن التوتر لذاته، بل لأن السؤال كما تعارفْنا عليه هو المدخل الوحيد نحو الفهم، بعيدًا عن إغراء تغيير العالم أو صناعة أوهام الخلاص التاريخية التي جسّدها العقلان الديني والسياسي في محطات متعددة من تشكُّلهما. فنحن في أعماقنا أمة تَفشَل باستمرار، سواء فيما تحاول أن تستنبته من تربتها الخاصة، أو فيما تستجلبه من عناوين جاهزة تبدو للوهلة الأولى خلاصًا سحريًا، ثم لا تلبث أنْ تكشف عن قدر لا يُستهان به من التمويه والتزوير.

لا زلت أذكُر ما قاله سلافوي جيجيك منبِّها بكلّ ثقله عن أزمة نعيشها جميعا، وهي أنّنا نحن بحاجة، قبل أن نحلم بالتغيير والانتقال إلى محطات أخرى، أن نحلُم بالفهم أولًا. فأخطر الأفكار وأشدّها خبثًا تلك التي تدفعك لتغيير العالم من حولك، بينما أنت عاجز أصلًا عن تغيير ذاتك. وكأنّ هذا المعنى يستعيد صياغة رواقية لمقولة ديكارت، حين رأى أن السعادة الحقيقية تكمُن في تغيير رغباتنا نحن، لا في تغيير نظام العالم بأسره[2]. فالمرء الذي يريد أن يقلِب موازين الكون وهو عاجز عن قلب موازينه الداخلية، إنما يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره.

من هذا المنطلق، يدعونا جيجيك إلى موقف بسيط في ظاهره، عميق في أثره، وهو ألا ننجرف وراء إغراء الفعل السريع، وألا نتسرَّع في اقتحام معركة تغيير العالم قبل أن نفهم بنيته وآلياته، تجنُّبًا للاصطدام بجدار الواقع الصلب. والأجدر بنا بدل ذلك، أن نعمل على كشْف اللثام عن مختلف مظاهر الهيمنة الكامنة في الأيديولوجيا، أيًا كانت. ولعل لحظتنا التاريخية الراهنة ليست ببعيدة عن لحظة أدورنو، حين سُئل:

ماذا بوسعنا أن نفعل؟

فأجاب بصدق مباغت:

لا أعرف شيئًا، وكل ما أستطيعه هو تحليل الأشياء كما هي.

وقد يعترض معترض بأنّ كل نقد يستوجب بالضرورة اقتراحًا إصلاحيًا بديلاً، لكن هذا الاعتراض في جوهره، ليس سوى حُكم مسبق يحمِل نزعة براغماتية ضيقة، فكثيرًا ما أثبت التاريخ أن أعمالًا وُضعت لغايات نظرية محضة، لا يُراد منها تغيير فوري، هي بالذات ما أحدث لاحقًا تحولًا عميقًا في العقليات، وبالتالي في الواقع الاجتماعي نفسه[3].

والمفارقة التي يضعنا أمامها هذا الطرح هي أننا، حين نجعل من الفهم مجرد محطة عابرة في طريقنا نحو امتلاك الجواب النهائي، إنما نكشف عن عقلية ترى الحقيقة جوهرًا ثابتًا سابقًا على التجربة، متعاليًا على الممارسة، يمكن القبض عليه بالتصورات والتعبير عنه بالكلمات، ثم ترجمته مباشرة إلى واقع عملي. وهذا الاعتقاد بالذات هو ما آل عبْر التاريخ، إلى إحباطات كبرى، فالذين حلموا بالسلام لم يُتقنوا سوى صناعة الحرب، والذين نظّروا لزوال الدولة لم يؤسسوا مملكة الحرية الموعودة، بل أنتجوا دولًا كليانية سحقت الفرد وابتلعت المجتمع المدني بمؤسساته كافة[4]. فكم من جواب نهائي تحوّل، حين طُبّق بلا فهم كافٍ لتعقيد الواقع، إلى كارثة أشد فتكًا من المشكلة التي أراد حلّها.

ولفهم هذه المفارقات التي يعيشها العقل حين يفكر خارج القطيع، وخارج النسق السائد، لا بد من فهم الأدوات التي تتيح له هذا التحرر أصلًا، ولعل السؤال هو أول هذه الأدوات وأخطرها. فالسؤال هو تلك الرغبة الجامحة في البحث عن معنى آخر، خارج خيمة الحقيقة التي ترسمها الجماعة وتصادق عليها الثقافة وحرّاسها وسدنتها. هو السؤال الذي يمنح العقل تفرده وتميزه، ويخرجه من ربقة نمطية قاتلة تستهدفه وتُميت فيه عناصر الحياة. هو السؤال الذي يتيح للمرء أن يعيش مع الآخرين دون أن تحتويه سياجاتهم، أو تحاصره قيود أفكارهم، فيكفي أن تسأل لتعبر إلى حيث تلتقي بذاتك في وحدة وجودية، لا يستطيع العقل المنغلق على إدراكها أصلًا. وهكذا يقف الإنسان بعقله المنفتح، ممدًّا أواصر اتصاله بالجميع، دون أن تذيبه شعاراتهم، أو تجرّه تعبيراتهم إلى مركز ثقلهم الفكري والثقافي.

هنا تكتمل الدائرة كما أرادها الجبران أو سلافوي جيجيك في تركيزهما على مسألة الفهم، إذ هذا الأخير، ليس تأجيلًا للفعل أو هروبًا من المسؤولية، بل هو الشرط الذي يجعل الفعل إن أتى فعلًا واعيًا لا انفعاليًا، يغيّر الواقع دون أن يستنسخ استبداده بلغة جديدة. أما من يقفز فوق الفهم، مستعجلاً القبض على الحل الجاهز، فمصيره غالبًا أن يستبدل قيدًا بقيد، ووهمًا بوهم، معتقدًا أنه غيّر العالم، بينما لم يغيّر شيئًا سوى واجهته.

الثورة في السياق الإسلامي: ما الأوْلى الإصلاح أم الانقلاب؟

لقد وصلنا فيما مر معنا من كلمات وعبارات سواء لعبد الرزاق الجبران، أو سلافوي جيجيك، إلى أن الطرح الفلسفي الذي ينبثق منه هذا الكلام قد أرسى قاعدة مفادها أنّ الفهم شرطٌ سابقٌ على كل فعل تغييري واعٍ، وبالتالي فكل الثورات وكل الانتفاضات والاحتجاجات التي تروم إلى النظر إلى أن الأزمة تكمن فقط في رأس الهرم، أو قمة السلطة، هي نظرة قاصرة ما لم تستحضر الأهمية القصوى لفعل الفهم والإدراك والتحليل. ولعل هذا ما يستوجب منّا أن ننظر إلى هذه القاعدة الفكرية، وهذه الرؤية الفلسفية نظرة متكاملة في أبعادها، وشاملة في تجلياتها، وذلك لأن الواقع أكثر تعقيدا مما نتصوره، وأشد حساسية مما نفكر فيه وبه.

ولعل صعوبة ما نرمي للإشارة إليه تكمن أساسا في أنّ سؤال الفهم حين يُطرح في أفقٍ فلسفي عام، يظلّ سؤالًا مجرّدًا ومتعاليا يخاطب العقل الإنساني بمعزل أي مرجعية أو خلفية محركة. أمّا حين نستحضر السؤال داخل بيئة معينة، وفي سياق محدد، حابل بتراث فقهي وكلامي، زاخر بمقولات مسلَّمة حول طاعة السلطة، ورفض إصلاحها أو السعي الدؤوب لتطويرها، فإنّ ذلك يتحوّل إلى سؤال وجودي يحمل في طياته مأزقا وأزمة دائمة، خاصة إذا كنت هذه الأزمة ممتزجة بتجربة النص الديني المقدس، والتراث الفقهي المثقَل بالأحكام الشرعية. ومنه يمكننا طرح الأسئلة التالية:

كيف تعامل الفكر السياسي الإسلامي عبر تاريخه الطويل مع هذه الإشكالية بالذات؟ وهل نجح في التوفيق بين ضرورة التغيير الذي تقتضيه سنّة التدافع الاجتماعي، وضرورة صون تماسك الجماعة ووحدتها؟ أم أنّ الازدواجية طبعت خطابه منذ اللحظة التأسيسية الأولى، وجعلت من الثورة على السلطة مسألة ملتبسة بين الوجوب والتحريم، وبين القداسة والإجرام، بحسب زاوية النظر ومرجعية الناظر؟

للجواب عن هذه الأسئلة وامتداداتها في واقعنا المركب والمعقد، يمكننا أن نشير هنا إلى أنه في تاريخنا الإسلامي ومنذ لحظة الوعي الأولى، أو لنقل منذ بداية التأسيس لمفهوم الدولة هناك تلازم واضح بين ما هو سياسي وديني، إلى الحد الذي يصعب فيه الانفصال. ولهذا سنجد دوما أن سؤال السلطة، وسؤال الخروج عنها أو الانقلاب على شرعيتها، هو إحدى النقاط المثيرة للجدل في سياقاتنا السياسية. وبالتالي ظل السؤال يتردد، ويأخذ أشكالا مختلفة، في حين أن الغاية واحدة:

متى تكون الطاعة واجبًا؟ ومتى تغدو الثورة حقًا؟

وداخل هذا السياق الموتور والمأزوم، يطلّ علينا الفكر السياسي الإسلامي بإشكالية خاصة من صلب ثقافة الطاعة والخضوع، تتجاوز كونُها مجرد خلاف فقهي بين من يرى الطاعة المطلقة لأولي الأمر، أو لأصحاب السلطة، وبين من يرى إمكانية الخروج عليهم إذا نضجَتْ الشروط لذلك. لتتحول هذه الإشكالية إلى معضلة وجودية، تمسُّ فهم الإسلام ذاته لعلاقة الدين بالسلطة، وللدين بالتغيير، وللنص بالتاريخ. ويكفي أن ننظر في هذا الموروث ليتبين لنا حجم المأزق الذي أوقعتنا فيه ثقافة الرواية:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

” مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن يُطع الأمير فقد أطاعني، ومَن يعص الأمير فقد عصاني “.[5]

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:

” على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة “.[6]

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:

” بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان “.[7]

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:

” مَن رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر؛ فإنه مَن فارق الجماعة شبرًا فمات، فميتة جاهلية “.[8]

وبما أننا في السياق الإسلامي نسعى دوما للإضاءة على فترات التنوير والتفكير داخل تاريخنا، فإن ذلك لا يمنعنا أيضا من أن نشير إلى أحد تجليات الفكر السياسي المعاصر، خاصة في مجتمعاتنا الإسلامية، وهو ما عُرف إعلاميًا بـ”الربيع العربي”، تلك اللحظة التاريخية التي انفجرت فيها شحنات غضب متراكمة عبْر عقود من الاستبداد والقهر، وخرجتْ فيها الجماهير الشعبية معلنةً بذلك عصر هيمنتها على القرار السياسي. لتتحول هذه المطالِب والدعوات من مطالب سلمية بالكرامة والحرية، إلى مشاهد دامية من العنف المفرط، والحروب الأهلية، وانهيار الدول، وتفكُّك المجتمعات على أسس طائفية وإثنية، لم تكن لتظهر بهذه الحدة لولا فراغ السلطة الذي أعقب سقوط الأنظمة. ويكفي أن نشير هنا إلى هذا الواقع الموتور والمأزوم، حيث انطلقت الشرارة الأولى من تونس، إلى ليبيا واليمن وسوريا، في مشهد تحولتْ فيه كل هذه الدول إلى ساحات حرب مفتوحة. لنصير أمام صورة سوريالية لواقع معقد ومركب أكثر مما يتصوره الحالمون. وذلك من خلال تحول الحلم بالتغيير السلمي إلى اصطدم بجدار الواقع، وتحول الساحة السياسية إلى فضاءات لبروز خطابات، وحركات وجدَتْ في السلاح والعنف طريقها الوحيد لفرْض رؤيتها، مستحضرة في ذلك بوعي أو دونه، مرجعيات فكرية وعقدية ضاربة في عمق التراث السياسي الإسلامي.

كلنا يتذكر تلك المشاهد العابرة للحدود، والتي حبسَت أنفاس العالم في لحظة تاريخية مفصلية من تاريخ أمتنا. كما كلنا يذكر تلك العبارة التي أطلقها مواطن تونسي بسيط، في لحظة من الانتشاء والاحتفاء بهول اللحظة وحساسيتها، حين قال بصوت مثقل بسنوات الانتظار: “هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”. كأن هذه الكلمات القصيرة تشبه مرآة عاكسة لحالة شعورية جماعية عربية وإسلامية تنتظر لحظة الانفجار، أو لحظة البوح الوجودي. فهي عبّرت عن حالة نادرة من الشعور بتحقُّق حلم طال انتظاره لعقود طويلة من قبضة الأنظمة الاستبدادية، كما تحولتْ من نطق فردي عابر إلى رمز جماعي يختزل معاناة أجيال بأكملها، ويعيد إنتاج نفسه في أكثر من بلد عربي، كلما شعر الناس بأن لحظتهم التاريخية قد حانت أخيرًا. غير أنّ المفارقة المؤلمة أن صاحب هذه العبارة نفسه، بعد سنوات قليلة، عبّر عن ندمه العميق على قولها، مؤكدًا أنها فقدَتْ روحها وإطارها الزمني ولن يكررها من جديد، بعدما وجد نفسه في أتعس أيامه، بعد أن خسر مصدر رزقه وتعرّض للمضايقات في وطن لم يجْن من لحظته التاريخية سوى مزيد من الخيبة.

ليست هذه المفارقة التي تحملها العبارة السابقة إلا تعبيرا عن حماس اللحظة الثورية الأولى، لكنها تشير أيضا إلى خيبة كبيرة في واقع يأبى دوما الانصياع لتحقيق الأحلام. أي أن العبارة بتعبير أدق يمكن اعتبارها عيّنة مصغّرة لمسار أوسع عاشته شعوب المنطقة برمّتها، فقد تحوّل الأمل الجماعي الذي اختزلته عبارة “هرمنا” إلى واقع مغاير تمامًا لما كان مرجوًا. وذلك لأن تداعيات الأحداث والوقائع كانت أكبر من كل ما يمكن أن يتصوره فرد أو جماعة. ولعل المؤشر الحقيقي على ذلك هو أن مآلات الانتفاضات الشعبية هو تفكك الدول، وانتشار القيم القبلية والولاءات العرقية والإثنية والطائفية، وعودة الأنظمة الاستبداية بطريقة أعادت فيها إنتاج نفسها بطريقة أخرى، بوجوه جديدة أشد قسوة، وفراغات سياسية وأمنية ملأتها جماعات مسلحة لم تتردد في توظيف الدين لتبرير حمل السلاح، فانتقل الخطاب من التغيير السلمي إلى التغيير بالقوة، ومن الثورة على الاستبداد إلى الجهاد بمفهومه الحركي التصادمي، في مشهد أعاد إلى الواجهة ذلك السؤال القديم المتجدد:

هل يمكن أن نقيم وطنا في سياقاتنا الإسلامية بعيدا عن منطق القوة والعنف؟ ومتى تتحول المطالبة بالعدل إلى دعوة لحمل السلاح؟

للجواب عن هذين السؤالين يلزمنا أن نشير إلى أن آيات القرآن الكريم، ومتون الحديث قد تركت للمسلمين إرثًا فقهيًا زاخرًا حول طاعة أولي الأمر، لكنها في المقابل أيضا فتحَتْ الباب أمام قراءات أخرى وجدت في النصوص ذاتها ما يبرر رفع السيف في وجه الجَور، بل ويُوجب ذلك ديانةً وتكليفًا. أي أننا دائما في سياقاتنا السياسية الإسلامية نعيش منطق الازدواجية والتناقض. لهذا فمنذ اللحظة التي شقّ فيها الخوارج عصا الطاعة عن الإمام علي رضي الله عنه، منتصرين لمنطق “لا حكم إلا لله”، انفتح باب فكري وسياسي لم يُغلق منذ ذلك الحين، أي باب يرى في الثورة والعنف أداةً مشروعة، بل ضرورة حتمية، لتصحيح مسار الأمة كلما حادَت عن الجادّة كما يتصورها أصحاب هذا الخطاب. ولم يكن هذا الباب مجرد حادثة تاريخية عابرة طواها الزمن، بل غدا تيارًا فكريًا متجددًا، يعيد إنتاج ذاته في كل عصر بلغته الخاصة ومفاهيمه الخاصة. ولهذا نجد دوما امتدادا فكريا يقرن بين المفاهيم، ويمنحها وجودا أكبر من ذي قبل، حيث ننتقل من خطاب “التحكيم” عند الخوارج الأوائل، إلى “الحاكمية” عند منظّري الإسلام السياسي الحديث، ومن خطاب “تحكيم الشريعة” كما تعارف عليه الأوائل إلى خطاب “الجاهلية المعاصرة” و”الولاء والبراء” لدى تيارات التسلف الجهادي المعاصر، أي ذلك النمط الماضوي المشبع بالإرث التاريخي، والذي وَجد في فوضى ما بعد الربيع العربي بيئة خصبة لتمدُّده، تتجلى في قطيعة مع الواقع، وتكفير أو تخوين لمن يخالف، وتبرير للعنف بوصفه فعلًا تطهيريًا لا مجرد وسيلة سياسية.

من هنا، بين حلم اللحظة التاريخية التي هرم الناس من أجلها، وواقع الدم والعنف الذي أعقبها في أكثر من بلد عربي، تتشكل أمامنا إشكالية محورية تستحق أن تُفرد لها هذه الدراسة وأسئلتها: أي كيف تبلور هذا التيار الثوري داخل الفكر السياسي الإسلامي؟ وما هي المرتكزات الفكرية والعقدية التي استند إليها لتبرير العنف بوصفه أداة للتغيير؟ وإلى أي حد كشفت إفرازات “الربيع العربي” عن حضور هذا التيار وفاعليته في الواقع المعاصر؟ وهل نحن أمام امتداد عضوي لجذر تاريخي واحد، أم أمام تجليات متعددة تفرزها كل مرحلة بحسب ظروفها الخاصة؟

الإسلام ومفهوم الثورة بين الإصلاح والهدم

حين يتردد لفظ الثورة في الخطاب المعاصر، يحيلنا بالضرورة إلى مفهومه الغربي الحديث، حيث يعني بدرجة من الدرجات الانقلاب الجذري والشامل على الواقع القائم كما مر معنا سابقا، عبر القوة والعنف، بهدف اجتثاث النظام القديم بكل رموزه ومؤسساته، تمهيدًا لبناء نظام على أسُس جديدة ومختلفة. هذا المفهوم، الذي تشكّل تاريخيًا في سياقات أوروبية معينة، تقوم على فرضية أساسية مفادها أن التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بالقطيعة العنيفة مع الماضي.

والسؤال الذي نود طرحه هنا:

هل يتبنى الإسلام كما نتصوره كمفهوم مناقض هذه الرؤية للتغيير؟ أم أن منطقه الداخلي يتعارض جوهريًا معها؟

للجواب عن هذه الأسئلة نقول بأن القوة والعنف، مهما بلغَت مشروعية أهدافها المعلنة، تضع المجتمع أمام معادلة خطيرة، ما زلنا نرى تداعياتها على الواقع بشكل دراماتيكي أحيانا. أي أننا نكون أمام فعل يستدعي ردّ فعل، وعنف يولّد عنفًا مضادًا. ولا بد لمن يُقصى بالقوة اليوم أن يسعى للعودة بالقوة غدًا، ومن يُهزم بالسلاح في الحاضر، لن ينسى هزيمته ما دام يحمل في طياته وقود الحقد والثأر. وهكذا تدخل المجتمعات في دوامة لا تنتهي من الانتقام المتبادل، تتوارثها الأجيال، وتتحول فيها السياسة إلى ساحة عداء دائم، بدل أن تكون فضاءً للتدافع السلمي والتنافس على الإصلاح. هذه الدائرة المغلقة هي بالضبط ما حذّر منه الإسلام حين جعل الفتنة أشد من القتل، وحين نهى عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وحين ربط التغيير المشروع بضوابط تمنع تحوّله إلى فوضى تلتهم المجتمع نفسه الذي أُريد إصلاحه.

التغيير في المنظور القرآني

إذا ما تفحصنا نصوص القرآن الكريم وآياته، نستطيع أن نقول بأن الإسلام لا ينكر حاجة المجتمعات إلى التغيير، بل يجعله سنّة ثابتة: ﴿… إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ …﴾ سورة الرعد، الآية 11. لكنه فقط يختلف مع غيره من الأديان، أو باقي الإيديولوجيات الثورية التي ترى في العنف الإمكانية الوحيدة للتغيير، كونه يرى التغيير من منظور الذات، أي أن التغيير يبدأ من الداخل، ومن النفس البشرية، والوعي والسلوك الإنساني، ولا يفرض بمنطق خارجي. كأننا أمام تغيير تراكمي، تربوي، يمس القيم قبل أن يمس المؤسسات، ويسعى إلى الإصلاح لا إلى الهدم الشامل. وربما هذا هو السر الذي تحدثت عنه كتب السيرة بمختلف أساليبه، حين اعتبرت بأن المنهج النبوي في مكة احتاج ثلاث عشرة سنة من الدعوة والصبر والاحتمال، رغم توفر أسباب القوة أحيانًا، ورغم اشتداد الأذى. ولم يكن ذلك عجزًا، بقدر ما كان اختيارًا منهجيًا يرسي قاعدة أن التغيير الذي لا يُبنى على قناعة داخلية وتراكم أخلاقي، سرعان ما ينهار أو ينقلب إلى استبداد جديد بثوب مختلف.

وإذا تأملنا سورة القلم، نجد منطقا راسخا يسعى للمساواة بين المسلم والمجرم، فيرد عليه بقوة: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ سورة القلم، الآيتان 35-36. هذه الآية تحمل دلالة عميقة تتجاوز سياقها المباشر: فهي تضع “الإسلام” و”الإجرام” على طرفي نقيض لا يلتقيان، بحيث يكون أحدهما نفيًا للآخر. فالمجرم في المنطق القرآني هو من يفسد في الأرض، يسفك الدماء، يروّع الآمنين، ويقتحم الحقوق بالقوة. والمسلم، على النقيض، هو من سلِم الناس من لسانه ويده، كما في الحديث النبوي. فالإسلام بهذا المعنى ليس مجرد عقيدة أو شعائر تعبدية فحسب، إنه أكثر من ذلك بكثير حين يصير موقفا وجوديا وأخلاقيا. إما أن يكون الإنسان مسلمًا مسالمًا آمنًا مؤتمنًا، وإما أن يكون مجرمًا مفسدًا معتديًا. ولا ثالث بين المنزلتين في هذا السياق القيمي.

من هنا، فإن كل فعل يقوم على الإكراه والعنف والترويع، وإن ارتدى شعارات دينية أو ثورية، يخرج بذاته عن دائرة الإسلام بالمعنى الذي رسمته الآية، ويدخل في دائرة الإجرام التي نفى القرآن أن تُساوى بمنزلة المسلمين. وبالتالي فالفارق الجوهري بين الثورة بمفهومها الغربي والإصلاح بمفهومه الإسلامي يكمن في ثلاث نقاط:

الوسيلة: تعتمد الثورة في السياق الغربي تحديدا على مفهومي القوة والعنف كأداة أساسية للتغيير، بينما يقدّم الإسلام التغيير المنشود على قواعد مختلفة، خاصة في دعوته إلى الحكمة والموعظة الحسنة والحوار كأدوات أولى. أما اللجوء إلى القوة فلا يكون إلا في حالات استثنائية محكومة بضوابط صارمة كرد العدوان، أو دفع مظلمة أو مفسدة.

الغاية: في الأحداث التاريخية التي عرفت فيها بعض الدول ما يسمى بالثورات، غالبا ما تسعى الثورة غالبًا إلى اجتثاث كل ما هو قائم. بينما في المنظور الإسلامي يسعى الإصلاح إلى تصحيح المسار مع الحفاظ على ما هو صالح، تمييزًا بين الهدم والبناء على الأساس القويم.

الأثر: بالنسبة لنتائج الثورة العنيفة غالبا ما تخلف لنا واقعا ومجتمعًا منقسمًا، تحكمه ذاكرة الدم والانتقام، بينما يسعى الإصلاح التدريجي إلى بناء توافق يحفظ نسيج المجتمع من التمزق.

وبناء عليه فالإسلام، حين يُفهم من داخل نصوصه ومقاصده، فإنه يقدّم لنا الثورة على أنها نموذج مغاير يقوم على الإصلاح التدريجي، وتغيير النفوس قبل تغيير الأنظمة، ورفض منطق العنف الذي لا يولّد إلا مزيدًا من العنف. وحين يضع القرآن “المسلم” في مقابل “المجرم”، فإنه يرسم بذلك حدًا فاصلًا بين من يبني الأمن والثقة في المجتمع، وبين من يهدم ذلك كله مختفيا وراء مسميات وحركات وتوجهات غايتها الوصول إلى السلطة، وليس تحقيق السلم الاجتماعي.

حين تنقلب الثورة إلى جريمة: قراءة في قصة موسى عليه السلام

كل نظام استبدادي يبرر ذاته وشرعيته بادّعاء احتكار الحقيقة. هذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بلسان فرعون: ﴿… مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ سورة غافر، الآية 29. وهي عبارة تختزل منطق كل سلطة شمولية لا ترى صوابًا إلا في ذاتها، ولا تترك للمجتمع أي هامش للمعارضة أو الاختلاف. في قلب هذا النظام نشأ موسى عليه السلام، فرأى كيف تحوّل الناس، تحت وطأة القمع الفكري والسياسي، إلى قطيع لا يعرف من إنسانيته إلا الخضوع لسيده. ومن هذا الوعي وُلدت ثورته، ثورة سياسية بامتياز، هدفها تحرير الإنسان من الاستعباد ووضع حدّ لنظام طائفي ظالم.

لكن القرآن لا يروي قصة موسى بوصفها انتصارًا مباشرًا وخطيًا للحق على الباطل، بل يروي مسارها بكل تعرجاته، بما فيها اللحظات التي كاد فيها المشروع التحرري نفسه أن ينزلق إلى ما يناقض غايته. ثمة درس بالغ الدلالة في المشهد الذي يصفه القرآن: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ …﴾ سورة القصص، الآية 15. فموسى، الذي حمل قضية التحرر بصدق، وجد نفسه في لحظة عصبية ينحاز لمن هو “من شيعته” ضد من هو “من عدوه”، فينتهي به الانحياز إلى القتل. وهذا بالضبط ما يكشف عن أخطر فخاخ أي مشروع تغييري، أي أن ينقلب حاملُ راية الإصلاح، بفعل التعصب الحزبي أو الطائفي أو المذهبي، إلى أداة عنف لا يقل خطرًا عن النظام الذي يقاومه.

والمثير في السرد القرآني أن موسى نفسه لم يبرر فعلته، بل بادر إلى الاعتراف بها كخطأ جسيم: ﴿… قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ سورة القصص، الآية 15. ثم أضاف مقرًّا بأن القتل، أيًّا كانت مبرراته، هو فعل المجرمين لا فعل المصلحين: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ سورة القصص، الآية 17. وهذا الإقرار يحمل رسالة جوهرية مفادها أن العنف حتى حين يصدر عن نية إصلاحية، أو في خضم صراع مع الظلم، لا يكتسب شرعية بمجرد أن يخدم قضية عادلة. فالغاية لا تبرر الوسيلة حين تكون الوسيلة دمًا بريئًا. والأخطر من ذلك أن موسى، رغم اعترافه واستغفاره، وجد نفسه في اليوم التالي على وشك تكرار الفعل نفسه مع خصم آخر، حتى نبّهه محاوره: ﴿… قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ سورة القصص، الآية 19. هذا التنبيه يكشف حقيقة نفسية عميقة، وهي أن منطق العنف، إذا ما تسلل مرة إلى وعي المُصلح، يصعب اجتثاثه بمجرد الندم، فهو يعاود الظهور كلما وُجد المبرر الظرفي، حتى يتحول – دون أن يشعر صاحبه – من مصلح يسعى لتغيير الواقع إلى جبار يعيد إنتاج الاستبداد بصورة أخرى.

هنا يكمن جوهر الإشكالية التي تطرحها قصة موسى، وهي الخط الفاصل بين المصلح والجبار ليس خطًّا ثابتًا يُكتسب مرة واحدة، بل هو اختبار متجدد في كل موقف، وكل من يظن أن نيته الطيبة تحصّنه من الانزلاق إلى العنف، عليه أن يتذكر أن موسى نفسه، وهو نبي مرسل، لم يكن في مأمن من هذا الفخ إلا بيقظة داخلية مستمرة. إنها قصة تتجاوز مجرد السرد القصصي العابر، إلى أفق آخر تصير فيه مثل مرآة تكشف بنية متكررة في ثقافتنا وخطابنا المعاصر، خاصة مع بعض تيارات الإسلام السياسي التي جعلت من العنف وسيلة مشروعة لفرض رؤيتها للتغيير. مما يضع هذا الموروث التاريخي الذي تنهل منه هذه التيارات أمام مساءلة نقدية تتجاوز مجرد الإدانة والتنديد، إلى إعادة نقد وفحص الأسس الفكرية والنصية التي يُستند إليها في عملية التبرير. ولعل أهم هذه الأسس تلك الروايات الحديثية المثقلة بالعنف والكراهية والتحريض على المختلف. ومنه فقصة موسى عليه السلام، بكل ما تحمله من اعتراف وزلل وتصحيح، تقدّم درسًا يتجاوز سياقها التاريخي: فالثورة على الظلم مشروعة ومطلوبة، لكن خطر انقلابها إلى عنف يستنسخ الاستبداد الذي تحاربه يبقى قائمًا، ما لم تصاحبها يقظة أخلاقية دائمة تميّز بين الإصلاح والإجرام. ومن هنا فإن أي خطاب يوظف الدين لتبرير العنف باسم قضية عادلة، يستحق أن يُقاس بنفس الميزان الذي حاسب به موسى نفسه: هل هذا فعل المصلحين، أم فعل الجبابرة؟

خاتمة

لا يسعنا ونحن في نهاية هذا البحث إلا أن نعيد السؤال الجوهري الذي جعلناه نقطة بداية داخل بحثنا، ذلك السؤال الاستنكاري الذي طرحه عبد الرزاق الجبران: هل الثورة تغيير لنظام الحكم أم لنظام الفهم؟ لا لنعيد إنتاجه من جديد في سياق مختلف، أو واقع ملتبس. وإنما لنؤكد بطريقة أخرى أن الواقع المعقد، يحتاج أيضا إلى أسئلة موقظة للضمير، ومزعجة للجموع. لهذا حاولنا عبر هذه المحطات المتعددة أن نبرهن على أنّ الاكتفاء بالشقّ الأول من السؤال، هو ما أوقع تجاربنا الثورية قديمها وحديثها في فخ التكرار. إذ أن التجربة الثورية التي تُسقط الحاكم فقط، تحكُم على نفسها بالفشل والاضمحلال، إذا لم تنتبه إلى الموروث الذهني الذي أنتج هذا الاستبداد أو ذاك. فالأسماء تتغيّر، بينما يظلُّ منطق الطاعة والتقديس جاثما على نفوسنا، وربما يزداد رسوخا خلف قداسة الشعارات الجديدة ذاتها.

وإيمانا منا بأنّ الشقّ الثاني من السؤال هو الذي يحتاج قراءة متأنية في واقع متصلِّب، استحضرْنا تنبيه جيجيك وأدورنو إلى أسبقية الفهم على الفعل، ذلك أن من يقتحم معركة تغيير العالم قبل أن يدرك بنيته وآلياته، إنما يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره. وهو الدرس نفسه الذي أكدته قراءتنا للثورة الفرنسية، أكبر ثورة عرفها التاريخ الحديث، حين تبين أن العنف لم يكن مقصودا لذاته عند روادها الأوائل، بل تسلل تدريجيا عبر تراكم الظروف والمصادفات حتى صبغ الثورة بذلك الطابع الدموي الذي عرفت به، فصارت المسافة بين النوايا النبيلة والمآلات الكارثية هي المفتاح الحقيقي لفهم كل ثورة. وقد منحتنا قراءة غوستاف لوبون لسيكولوجية الثورات مفتاحا تفسيريا يتجاوز الحدث الفرنسي إلى كل ثورة في كل زمان ومكان، إذ بيّن أن العقل يضع البذرة، لكنه سرعان ما يذوب في وجدان الجماعة، فتتحول الأفكار المجردة إلى عواطف جارفة لا تقاوم، ويصير الفرد الذائب في الحشد قادرا على اقتراف أفظع الآثام بنفس السهولة التي يضحي بها بذاته. وهذا بالضبط ما عاشته منطقتنا العربية والإسلامية إبان ما سمي بالربيع العربي، حين تحول حلم من قال بصوت مثقل بسنوات الانتظار “هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”، إلى خيبة موصولة بفراغ سياسي وأمني ملأته جماعات مسلحة وظفت الدين لتبرير حمل السلاح.

وحين استقر بنا البحث في السياق الإسلامي، تبين أن الخيط الفكري الرابط بين خطاب “لا حكم إلا لله” عند الخوارج الأوائل، ومرورا بـ”الحاكمية” عند منظري الإسلام السياسي الحديث، وصولا إلى “الجاهلية المعاصرة” و”الولاء والبراء” عند تيارات التسلف الجهادي، ليس سوى تجليات متعاقبة لجذر واحد وجد في فوضى ما بعد الربيع العربي بيئة خصبة لتمدده. غير أن مقاربتنا لنصوص القرآن الكريم كشفت أن الإسلام، حين يضع “المسلم” في مقابل “المجرم”، إنما يرسم حدا فاصلا بين الإصلاح التدريجي الذي يبدأ من تغيير النفوس قبل تغيير الأنظمة، وبين العنف الذي لا يولد إلا مزيدا من العنف، فالفارق بين الثورة بمفهومها الغربي والإصلاح بمفهومه الإسلامي يكمن في الوسيلة والغاية والأثر معا.

ولعل قصة موسى عليه السلام كانت أبلغ تجسيد لهذه الإشكالية برمتها، حين وضعتنا أمام نبي مرسل، صادق في قضيته التحررية، وجد نفسه رغم ذلك ينزلق للحظة إلى القتل بفعل الانحياز العصبي، ليكتشف أن الغاية العادلة لا تبرر الوسيلة الدموية، وأن الخط الفاصل بين المصلح والجبار ليس مكتسبا مرة واحدة، بل اختبار متجدد في كل موقف. وهذا بالضبط الدرس الذي حاول هذا البحث أن يخلص إليه من كل محطاته. أي أن الثورة الحقة ليست تلك التي تسقط حاكما أو نظاما، بل تلك التي تسقط الفكرة التي تجعل من العنف طريقا مشروعا للتغيير، ذلك أن نظام الفهم إن لم يتغير، أعاد نظام الحكم إنتاج نفسه بوجه جديد وخطاب أشد قداسة. فالإصلاح الحقيقي إذن لا يبدأ من الميدان والسلاح، بل من العقل الذي يسائل ذاته قبل أن يسائل غيره، ومن نفس تتغير من الداخل قبل أن تطالب العالم من حولها بالتغيير.

____________________________________________

المصادر والمراجع:

[1] – عبد الرزاق، الجبران. جمهورية النبي عودة وجودية. دون دار نشر أو تاريخ. ص: 16.

[2]– لوك، فيري. مفارقات السعادة. ترجمة أيمن عبد الهادي. دار التنوير، ط1، 2008. ص: 39

[3] – Slavoj Žižek. Ça sert à changer le monde ou à l’accepter ?. Numéro 100 – juin 2016. P 67

[4] – علي، حرب. أوهام النخبة أو نقد المثقف. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط3، 2004. ص: 10

[5] – أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، رقم (1835). والحديث متفق على صحته.

[6] – أخرجه البخاري، رقم (7144)، ومسلم، رقم (1839).

[7]– أخرجه البخاري، رقما (7055–7056)، ومسلم، رقم (1709)، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد.

[8] – أخرجه البخاري، رقم (7054)، ومسلم، رقم (1849)، واللفظ لمسلم.

*تكوين