د.ندى الزين محمد حسن
تُعدّ الحروب من أخطر الكوارث التي يمكن أن يتعرّض لها الإنسان وذلك لما تخلّفه من دمار لا يقتصر على البنية التحتية أو الاقتصاد أو النسيج الاجتماعي بل يتعداها إلى تدمير البنية النفسية للفرد لا سيما الطفل الذي لا يزال في طور التكوين. وفي الحالة السودانية ( دون الخوض فيها سياسيا ) ، حيث خلّفت الحرب الدائرة آلاف القتلى وملايين النازحين واللاجئين ، كان الأطفال في قلب العاصفة النفسية يعانون من مشاهد الدمار والقتل ومن التهجير والانفصال القسري عن بيئاتهم الأصلية وهو ما يضعنا أمام ضرورة استعادة ما تم تفكيكه من هوية نفسية واجتماعية لديهم.
الطفل لا يُبنى فقط من خلال التغذية أو التعليم بل من خلال الشعور بالأمان والانتماء والاستمرارية. وهذه العناصر تمثل الأساس النفسي لبناء الهوية الذاتية والاجتماعية. في بيئات الحروب تتشظّى هذه المرتكزات بفعل الصدمة والاقتلاع القسري والتغير الجذري في النسق الأسري والاجتماعي. فقدان البيت، المدرسة الأصدقاء وحتى الإيقاع اليومي للحياة يجعل الطفل في حالة “اغتراب وجودي”، يفتقد فيها المعنى والمرجعية، ويُصاب بانقطاع عن ذاته.
أظهرت دراسات علم نفس الصدمات أن الأطفال الذين يشهدون أعمال العنف سواء بشكل مباشر أو غير مباشر معرضون لخطر الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب واضطرابات السلوك والانتباه. لكن الأخطر من ذلك هو ما يمكن أن نسميه “اضطراب الهوية الطفولي”، وهو تعقيد نفسي عميق لا يظهر فورا بل يتكشّف مع الزمن حين يشعر الطفل أنه لا يعرف من هو، أو إلى أين ينتمي، أو ما معنى أن يكون “سودانيًا” بعد أن تم اجتثاثه من سياقه الرمزي والثقافي.
خلال فترة الحرب التقيت باطفال واسرهم وسجلت ملاحظات كثيرة يجب التعاطي معها بجدية حتى لا تخلق الحروب اجيال مشوهة .
في هذا الإطار يصبح الحديث عن “استعادة الهوية” أمرا وجوديا وليس فقط تربويا أو ثقافيا. فالهوية النفسية لا تُستعاد عبر الشعارات بل عبر استراتيجيات علمية عميقة تبدأ بالدعم النفسي الأوليووتمتد إلى بناء برامج تأهيلية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة دمج الطفل في محيط يوفّر له الإحساس بالكرامة والانتماء والقدرة على التعبير والتفكير والتخيل. يجب أن تعود للطفل السوداني لغته المحكية ألعابه الشعبية طقوسه اليومية قصصه المتوارثة وحكايات جدته ( الاحاجي ) . كل هذه ليست تفاصيل سطحية بل هي الأدوات النفسية التي تبني ذاكرة الطفولة وتحميها من التشظي.
الواقع يشير إلى أن آلاف الأطفال السودانيين يعيشون اليوم في معسكرات نزوح داخلية أو في دول الجوار يعانون من أوضاع معيشية قاسية ومن بيئات لغوية وثقافية لا تشبههم وبعضهم لا يستطيع حتى التعبير عن ذاته بلغته الأصلية. هنا تدخل الهوية في منطقة الخطر: يتحول الطفل من كائن له جذور إلى “كائن طارئ”، غير مرئي، بلا ملامح نفسية واضحة.
لذلك فإن استعادة الهوية يجب أن تقوم على ثلاثة مستويات متكاملة:
1. المستوى العلاجي النفسي: ويتطلب وجود فرق من الأخصائيين النفسيين المدربين للتعامل مع الصدمات النفسية لدى الأطفال، من خلال جلسات فردية وجماعية تستهدف تفريغ المشاعر وتعزيز الأمان الداخلي وإعادة بناء الصورة الذاتية للطفل.
2. المستوى التربوي الثقافي: ينبغي أن تُصمَّم مناهج وأنشطة تعليمية تراعي الخصوصية الثقافية للطفل السوداني، وأن تُعاد إليه أدواته الرمزية من خلال الأغاني، والحكايات، والمسرح، والكتابة، والرسم، مما يسمح له بإعادة بناء سرديته الخاصة في العالم.
3. المستوى الاجتماعي الأسري: حيث يتوجب دعم الأسرة السودانية نفسها في إعادة بناء أدوارها ووظائفها وتمكينها من توفير جو من الطمأنينة والانتماء لأطفالها. فالأسرة إذا ما انهارت نفسيا أو اجتماعيا فإن الطفل يفقد ركيزته الأولى في بناء هويته.
من المهم أن نفهم أن الاستجابة لهذه الأزمة لا يمكن أن تكون مؤقتة أو موسمية، بل يجب أن تكون مؤسسية، مُعتمدة على سياسات نفسية واجتماعية طويلة الأمد، تراعي احتياجات الطفل في مراحل نموه المختلفة، وتؤسس لحقه في التذكّر، وفي امتلاك الماضي كجزء من الذات، لا كعبءٍ يجب نسيانه.
إن الحرب ،وإن كانت قد اجتاحت البيوت والقرى والمدن، فإن أخطر ما يمكن أن تتركه هو الفراغ النفسي داخل الطفل. هذا الفراغ، إذا تُرك دون معالجة، لا يختفي، بل يتحوّل إلى كسر داخلي قد يُنتج في المستقبل جيلًا هشا، مضطربا، فاقدا للثقة والانتماء. أما إذا أُعيد بناء هوية الطفل عبر تدخلات علمية وإنسانية شاملة، فإننا نكون بذلك قد وضعنا أولى اللبنات نحو تعافي حقيقي لا يبدأ فقط من إعادة الإعمار بل من إعادة الإنسان.





