محمد عبدالعزيز الهجين*
من الكُتب الكلاسيكية التي فتحت باب السِّير الذاتية اعترافاتُ الكاتب الفرنسي جان جاك روسو، يتحدث في سيرته عن نسيانه كيف تَعلُّم القراءة، فقد كانت أمه خلّفَت بعض الروايات فأخذها هو وأبوه بعد وفاتها، وكانا يجلسان للقراءة بعد العشاء. لم يكُن القصد في أول الأمر إلا التوسل بكتب مشوِّقة لأجل تدريب الطفل روسو على القراءة، لكنهما بدآ القراءة بلا انقطاع، فسلخا لياليهما في هذا الشاغل، ولم يكُن في وسعهما أن يضعا الكتاب حتى يصلا إلى نهايته، وكان أبوه إذا سمع السُّنُونو وقد طلع الصبح، قال لروسو في خجل: “ألا تعالَ فننام، أنا صبيّ أكثر منك أنت” .
لقد أدّى هذا الاطّلاع الغني على الكتب والمحادثات عند روسو إلى تَولُّد روح الحرية في نفسه، هذه الروح التي عذّبَته طوال حياته، وهكذا أصبحت أفكاره في شغل لا ينقطع بروما وأثينا، فكان روسو يخال نفسه إغريقيًّا أو رومانيًّا، تبعًا لصاحب السيرة التي يقرؤها.
ثم يحكي روسو عن أثر السيدة لاتريبو، وهي امرأة اشتُهرت بإعارة الكتب، فكانت تمدُّه بكتب من جميع ألوان الأدب، وكانت كلُّها، الغَثّ منها والنفيس، سواءً عنده، إذ لم يكُن له في الأمر خيار، فأخذ يقرأ كل شيء بنفس النهم، راح يقرأ وهو أمام طاولة العمل، ويقرأ وهو منطلق في بعض المهامّ، ويقرأ بجوار صوان الملابس..
كان روسو ينسى نفسه ساعات طويلة حتى يدور رأسه لفرط القراءة، وكان معلمه يراقبه، ويضربه، وينتزع الكتب منه، وكم من مُجلَّد مُزّق وأُحرِقَ وطُوِّح به من النافذة! وكم من مؤلَّف تُرك ناقص الأجزاء لهذا السبب، وكثيرًا ما كانت الكتب رديئة، لكنها كانت تملأ قلبه بمشاعر أنبل من تلك التي كانت في محيط حياته.
وعن أثر قراءة الكتب الطبية يقول روسو في اعترافاته إنه كان يشعر بسببها أنه في حالة احتضار، ويعتقد أنه مُصاب بكل مرض يقرأ أوصافه، وهو مقتنع بأنه لو لم يكُن مريضًا لجعلته هذه الكتب القاتلة كذلك، فلقد كان يجدُ في نفسه الأعراض التي تنتابه مع كل علة، فيحسب نفسه مُصابًا بالعلل جميعًا وهو صحيح مُعافًى لكن ذلك كله من تأثير القراءة فيه.
شَغَفُ روسو بالكتب حرَمَهُ كُلَّ نشاط مُختلف عنها، ففي غمرة انغماسه فيها يفقدُ اهتمامه بأي مسلك في الحياة، وهكذا كان قلبُه يخفق في صبر نافد إذا ما أحضر كتابًا جديدًا ودسَّه في جيبه، فلا يكاد يخلو بنفسه حتى يُخرِج الكتاب، ولا يعود يفكِّر في التنقيب في حجرة معلِّمه بالورشة.
ويا للنشوات الصغيرة اللذيذة التي نَعِمَ بها روسو وحده وهو يقرأ بضع صفحات من رواية، فقد كان يحب دائمًا أن يقرأ وهو يتناول طعامه وهو وحيد، فلطالما كانت القراءة في أثناء تناوُل الطعام هي الهواية التي تعوِّضه سميرًا يخلو إليه، ويلتهم صفحة ثم يزدرد لقمة، كأن كتابه يتناول الطعا م معه.
*الراية





