يسري الغول
أضطر أحياناً لمشاهدة أفلام هوليود مع أبنائي، تحديداً أفلام الأكشن، رغم أنني وزوجتي لسنا من هواة ذلك النوع من الأفلام، وأتوقف كثيراً أمام سؤال الاندماج في هذا العالم المتنوع، فنحن إن لم نكن أخوة في الدين؛ فنحن إخوة في الخلق وأبينا آدم جميعاً، ولا فرق بين عربي على عجمي أو عربي على غربي إلا بالتقوى (المواطنة حسبما تقتضي أدوات العصر)، إذ كيف يمكن الاندماج مع الآخر -وتحديداً الأمريكي والأوروبي الغربي- الذي يسعى بكل السبل إلى اثبات دونية وانحطاط المجتمع الشرقي وتحديداً العربي أو المسلم على وجه الخصوص؟ في الوقت الذي نحاول فيه -العرب والمسلمون- دائما أن نثبت تحضرنا وتماهينا مع القيم التي اكتشفنا زيفها إبان العدوان الأخير على غزة وما سبقها من جرائم بحق الإنسانية في العراق وأفغانستان ودول أخرى؟ بل وشرعنة كل الجرائم بحق المدنيين الأبرياء من قتل وتجويع وامتهان للكرامة لأنهم ليسوا من الجنس الآري، وإنما شرقيون غارقون في البساطة والبحث عن حياة كريمة. فهل على الضحية دوماً أن يحاول إثبات تحضره والتعامل وفق القوانين التي التف عليها صانعوها وتجاهلوها في مواضع شتى، وشرعن هؤلاء -تحديدا دعاة النيوليبرالية والإمبريالية- إعمال القتل في الإنسان الشرقي وانتهاك حقوقه وتجاهل مظلوميته؟
والمخجل أننا نشاهد السينما الهوليودية التي ينتصر فيها الهيرو (البطل) الأمريكي أو الأوروبي الغربي أو اليهودي على الشر المتمثل بالشرقي العربي أو الإفريقي أو متحدثي لغات قارة أمريكا اللاتينية ونتعاطف معه؟ ونصفق حين يفوز السلاح الأمريكي (M16) على سلاح الكلاشنكوف، في حين أن كل وسائل القتل الأمريكية هي الشر بعينه.
ويستمر السؤال لكل مفكر ومثقف عربي: هل يجب أن يظل الأديب والفنان والمبدع والأكاديمي العربي يحاول إبراز تمدنه وحضارته بينما يسحق الآخر كل مقومات الحوار والبناء في هذا العالم المتنوع؟!
إننا بحاجة لثورة، ثورة حقيقية على فكرة دونية العربي ومدنية الأشقر التي زرعتها البروبوغندا الغربية وأدواتها كالأنظمة الشمولية في وعينا، ثورة على الدراما والأدب والفن الساذج والمتملق المتخاذل عن إثبات قوته ووعيه ونهضته، ثورة على تغريب العقل العربي، كأن العربي عار، تاريخه وثقافته ولغته، علماً أن الأخيار والأشرار، الحكماء والجهلة، المتطرفون والمتسامحون المعتدلون موجودن في كل زمان ومكان وفي كل دين ومذهب.. فهل نستطيع إدراك قيمة التنوع وقوتنا أيضًا؟
نحن حين نقدر على التعامل بندية مع الآخر، الندية الإيجابية، ومنح العقل العربي مساحة البوح والتفكير والإبداع دون تقييد أو تكفير أو تهجير أو سجن، حينها فقط سيعود مجد الأمة العربية التليد وستتحرر من براثن الاستعمار الكولونيالي والنيوليبرالي والاشتراكي أيضاً، إذ لا يمكن للأرض أن تتحرر طالما عقول أبنائها محتلة. ونحن اليوم أحوج من نكون إلى التحرر من عقدة التبعية والشعور بالخيبة ثم البحث عن سبل إظهار قوة العلم والمعرفة والنهضة البحثية والأكاديمية العربية، خصوصا مع وجود وسائل يمكن بالفعل أن تدفعنا لأن نصنع عالمنا الرصين المتين.





