بقلم: عبد القادر لالة
ــ أدنو مني يا أخي!… لا تتركني…
كانت هذه أخر أمنية لجدي الثاني يطلبها من جدي الأول !..أن يبقى بجانبه ممممممم مرضه الأخير الذي توفى فيه…
جدي الثاني أي عم أمي ..
كان جدي الأول وجدي الثاني أخوان ، ونعم الأخوان كانا! أخوة حقيقية متجذّرة لم تنل منها الأيام ، ولا أثرت عليها الزوجة أو الأولاد والكنات! وإن كان الثاني عما لأمي فإننا كنا لا نناديه إلا بجدنا! وأولاده أخوال وبناته خالات…
عاشا متجاوران في حي لا سيتي منذ الأيام الأولى للاستقلال ، وحينما كانت أمي تزور والدها يجب عليها أيضا أن تزور عمها ، وتثرثر قليلا مع زوجته . واظبت على ذلك حتى بعد أن رحلا إلي منزليهما الجديدان متجاورين، في بدية الثمانينات، ومنذ صغرنا تعلمناَ نحن ذلك، وتعودنا زيارة الجد الأول ثم الثاني…
أما أبي ففي أي مناسبة أو وليمة يدعوهما مع بعضهما، ويرحب بالاثنين معاً…
لا يستطيع أي أحد منهما أن يعيش بدون الأخر ، ولم يأبها بمشورة الزوجتان ولا رأي الأبناء بعد أن كبروا واعتقدوا أنهم يفهمون الحياة ، وأن العم لا يأتي منه الخير!…
وبعد أن تقاعدا من العمل صارا يمضيان جل الوقت مع بعضهما أمام بيتيهما ، ولا ندري نحن في أي أمر يتحدثان وكيف لا يسأمان من الحديث كل الوقت ؟…
وقد تأثرت أنا كثيرا بالرابط الأخوي القوي الذي يربطهما وتمنيتُ أن تكون علاقتي بأخوي مثلهما ، وإن كنت متيقناً أن ذلك مستحيل ، لأنهما ينتميان الى جيل وقيم غير قيمنا وجيلنا المشوه!..
ذهب جدي الأول الى الحج …
وصبيحة عيد الأضحى ألفيتُ جدي الثاني جالس أمام التلفزيون يتابع بتركيز كبير شعائر الحج التي كان ينقلها التلفزيون مباشرة…
يتفرّج جامعا فكره كله على الحجاج الذين تعرضهم الشاشة …
طلب مني أن أجلس بجانبه ، فأنا لا أزال صغيرا ونظري جيد ، فلأبحث معه عن أخاه وسط الحجيج !.. انزلق جدي الثاني على الرصيف ، فكسرت رجله ، واستمر شهرين أو أكثر طريح الفراش وجدي الأول بجانبه لا يكاد يفارقه …
توفي جدي الثاني …
تشوش جدي الأول ، وهجم عليه الحزن ، وكبله الاكتئاب ، فلم تستطع لا زوجته ، ولا أولاده أن يخففوا عنه…
وصار دائم التردد على المقبرة يقف أمام لحد أخيه العزيز والوحيد!


