حميد المصباحي
الأمن عبارة تعني عيش الناس بأمان، غير خائفين على حياتهم أو ممتلكاتهم مما يهددها من عنف باعتباره تطاولا على حقوقهم، فاتسع المعنى حقوقيا، ليشمل أمنهم على حياتهم الخاصة، بعدم المس بها أو التشهير بها.
لقد عرفنا أن الجسد يحتاج هو الآخر لحماية، فلا يجوز تحويله لوسيلة بها يعاقب الإنسان، بأدوات تحدث آلاما، أو بحرمانه من حاجاته الطبيعية، كالنوم والطعام والشراب، أو حتى حرمانه من حاسة يحتاجها ولو كان ذلك بحكم قضائي.
لكن أيضا هناك حاجة لأمن نفسي، ما دامت النفس البشرية تتألم من خلال التخويف والترهيب وكل أشكال التهديد، بما فيها التحايل على عواطفه واستغلالها لتعذيبه بما يشبه الإشاعات والتشهير وحتى التكفير لعزله عن الجماعة التي ينتمي إليها أو تخوينه لمجرد اختلافه عن غيره.
لكن ماذا عن الأمن الروحي في ارتباطه بالدين؟؟
هل يمكن أن نضمن له أمانا روحيا باعتقاده في هذه الديانة أو تلك، أي بعبارة أوضح أو نبعده عن الضلال بلغة الإسلام والتجذيف في نظر المسيحية والإنكار على حد تعبير اليهودية؟؟
لابد من حصر الفكرة في المجال الإسلامي لاعتبارات تاريخية وحضارية وحتى سياسية، فالمسيحية حسمت أمرها بحرية الاعتقاد، وأقرت بحقيقة تعدد الديانات مع استمرار مختلف الكنائس من خلال رجالاتها، في التبشير والوعظ الديني، بل وخوض حوارات لاهوتية مع المختلفين عنها من كل وسائل التواصل والقنوات الدينية بكل اللغات وفسح المجال لكل علماء الدين، بل حتى غير الدينيين، وهذه الحركية وما ترتب عنها من نتائج ثقافية وتاريخية، وما عرفته من مستجدات، جعلت المسلمين في حاجة لتأمين مجالهم الروحي وتحصينه، بناء على المعطيات التالية:
1 محافظة الخطاب الديني الإسلامي على طرق الوعظ القديمة، كالترهيب والترغيب، والتهرب من الأسئلة المعلقة بعد تطور وسائل التواصل، وانتشار المراجع والتفسيرات، والصراعات التأويلية التي عاشها المسلمون قديما، سواء كانت نظرية أو حتى تاريخية بما فيها من حروب واقتتال حول الخلافة.
2 جرأة الفكر النقدي تجاه المسلمات الفقهية، والتي تقترح حلولا غريبة على روح العصر، من حيث القيم والمعارف، متجاهلة أن أية معلومة، يمكن طلبها على محركات البحث، تعرض في لحظات ومن خلال مراجع، لم تكن تطالها إلا أيدي المختصين في الفقه والأصول، كتابة وصوتا وحتى صورا علمية موثقة لحقائق.
3 تقاطع التشريع الفقهي مع القوانين التي تسنها مؤسسات التشريع الحديثة، أو الراغبة في تحديث القوانين التي يفرضها العصر ومتغيراته في مختلف المجالات التي تمس الحياة المشتركة والعامة وحتى الخاصة، من منطلق شمولية التشريع الإسلامي والحرص على استحضار التجارب الفائتة، تحصينا للملة وتأكيدا لحضورها حتى فيما ليس دينيا، بحجة أن الإسلام دين ودنيا.
فهل المعتقد الديني يتأمن بالاعتقاد التقليدي أم بفهم المعتقد وفهم اعتقادات الآخرين؟
هل الروح مهددة إذا ما قل اعتقاد صاحبها أم أن الإيمان درجات لا يعلمها إلا الله وحده؟
وهل الطقوس وحدها ضامنة لأخلاقية المسلم ومؤثرة فيها أم أن القيم قناعة عقلية ضمانتها المعرفة والاحترام وحسن تقدير الذات لاحترام كرامة الغير؟
لنعد إلى الأمن الروحي، بما هو اطمئنان لما يعتقده المعتقد في دينه فيشعره ذلك براحة وتوازن نفسي وسعادة يحياها، شعورا وأخلاقا، بدون الوقوع في تناقضات، من قبيل الدعوة لنفسه وإخوته بالخير، والدعاء على المختلفين عنه بالكوارث، بل لا ينجو من ذلك حتى من اختلفوا عنه في المذهب داخل المعتقد الإسلامي، إضافة لازدواجية سلوكاته واختلافها حسب المواقع، ففي المسجد ليس هو في الشارع ولا في البيت، وهذه التناقضات تحدث اضطرابات يزيدها الخطاب الديني الإسلامي، غرابة وتناقضا.
فهل حقق الخطاب الديني أمن المسلمين روحيا؟؟
حقيقة، هناك خطابات دينية متعددة، بتعدد المنطلقات وإن نهلت من مذهب أو اتجاه فقهي واحد، فدرجة أصوليتها متفاوتة رغم اجتهادات مفكرين متنورين حاولوا مصالحة الإسلام مع عصره، بل حاليا دول إسلامية تسعى لذلك رغم مقاومة المجتمعات المحافظة والمهيمنين عليها من الأصوليات السلفية، والذين يقبلون بكل أشكال التطور التقني، من آليات وسيارات وطيارات وتقنيات ووسائل تواصل بل حتى بنايات وناطحات سحاب، لكنهم وجدوا في اعتقاد الناس محركا لهم ضد خصوم هذه الحركات، وهذا حقيقة هو ما يهدد الأمن الروحي للمسلمين، فبدل تحقيق سعادتهم يعيشون تحريضا يوميا على الكراهية والرفض والتكفير، والذي سرعان ما ينتقل من الحكم والتشنيع إلى الفعل.
لا أحد بإمكانه أن ينكر وجود تصورات معتدلة للإسلام، على مستوى الخطاب والوعظ، رسمية وغير رسمية، لكن ما مدى تأثيرها الأخلاقي والسلوكي؟
المسلم بفقره يعاني من المرض والجهل، مما يدفعه لتبرير خنوعه بناء على مخرجات دينية، ( المومن مصاب)، البلاء دليل على حب الله للمعاني، هذه الدنيا عابرة ولهو وغرور، بهذا الخطاب يهدئ روعه ويتقبل مصيره ومعاناته إلى حد ما، لكن هذه المسكنة، فيما بعد تدفعه لكره نفسه وغيره، وهو ما يؤدي لمفارقات، لا يجد لها حلا عندما تطول معاناته وتستفحل، خصوصا عندما يصادف غيره من المسلمين المغتنين والرافهين في متع الدنيا، زوجات ونعم، وهم يعمقون جرحه مدعين، أن المال مال الله وهو مجرد مستخلف فيه، ليقنعوه أن نصيبه يصله ولا يجب أن يكفر بأن الدنيا يهبها الله لمن يشاء من عباده، كما السلطان والسطوة.
ومع تطور الذهنيات واطلاع الناس على أنماط حياة الآخرين، غربا وشرقا، لاحظوا الفروقات ودرجات الصدق وتوزيع الثروات، بل حتى أشكال التدين عندهم وتأثيرها فيهم أخلاقيا، أدركوا الفرق ومجوه ولم يعودوا يعيرون اعتبارا لتحامل الخطاب الفقهي على من ليسوا مسلمين، مدركين هشاشة هذه الخطابات التي لم تعد لها فعالية في توجيه سلوكات الأجيال الحالية، فلا هي هذبت بإقناع ولا هي أقنعت بتهذيب سلوكي وأخلاقي.
هذه الظواهر والتعارضات، أخصبت تربة التعدد الديني والمذهبي، بل نشطت نزوعات لا دينية، عبرت عن حقها في الوجود والتصريح بحقها في الظهور أيضا، باسم حرية المعتقد واحترام القناعات الفردية والجماعية، وهذا أمر متحكم فيه ما دام يعتبر تمرينا على حق الاختلاف، ورفض خطابات التخريف التي تدثر بها الخطاب الديني أو صمت عليها، في الرقية الشرعية والتداوي بالنصوص المقدسة الإسلامية، وخلق ما سمي بالطب الشرعي الإسلامي، الذي وصلت تخاريفه للتداوي ببول البعير والحبة السوداء، وحتى أتربة الأولياء وربما الأنبياء إن طالوها.
لكن هناك نتائج أخرى تجاوزت الفكري في رفضها، إذ أصرت على العودة العنيفة للحروب الدينية والمواجهات الجسدية تعبيرا عن بطولة القتل والموت، وهي سلوكات إجرامية، تتكفل القوانين بوضع حد لها واجتثاث جذورها، سواء كانت منظمة أو فردية.
خلاصات:
إذا كان الجسد يتعرض لأعطاب، إذ يصير مصدر ألم ومعاناة، بدل أن يعتبر متعة يحتفى بها، فيحفظ حفظا للكرامة الإنسانية، فإنه بذلك يقود لمحنة نفسية مؤثرة على الأمن الروحي نفسه.
أمن الروح ليس مستقلا عن الجسد، وتحقيقه يختلف باختلاف الديانات وحتى المذاهب غير الدينية، فالأمن الروحي ليس تعميما لديانة أو إقصاء لأخرى، بل هو تعلم أشكال التعايش وتحقيق السعادة التي يكفلها العيش المشترك والتعاون وحب ذلك بتقدير واقتناع.





